الصفحة الرسمية للمتحدث باسم الرئاسة، فيسبوك
الرئيس عبد الفتاح السيسي يستقبل نظيره التركي رجب طيب أردوغان خلال زيارته لمصر، 4 فبراير 2026.

عزل إسرائيل و"الهندسة المضادة" للشرق الأوسط

منشور الاثنين 9 شباط/فبراير 2026

من بين عواصم الشرق الأوسط، بدت تل أبيب الأكثر قلقًا من التقارب المصري–التركي، الذي تُوِّج الأسبوع الماضي بتوقيع عددٍ من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم، أبرزها اتفاقية عسكرية إطارية شملت مجالات التعاون في التصنيع العسكري، وتبادل المعلومات الاستخبارية، ورفع مستويات التنسيق الدفاعي.

لم يكن الأمر بالنسبة لإسرائيل مجرد تطبيع في العلاقات بين دولتين إقليميتين كبيرتين، بل تحولٌ استراتيجيٌّ يعيد رسم موازين القوة في إقليم تعمل تل أبيب على إضعاف دوله، وضرب استقرارها، وإشغالها بصراعات تُيسر عليها تنفيذ مخططاتها القديمة المتجددة للهيمنة عليه.

فبعد يومٍ واحدٍ فقط من توقيع الرئيسين عبد الفتاح السيسي ورجب طيب أردوغان الإعلان المشترك الصادر عن الاجتماع الثاني لمجلس التعاون الاستراتيجي الرفيع المستوى بين القاهرة وأنقرة، خرج رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو محذرًا من "تعاظم قوة الجيش المصري"، داعيًا إلى وضع هذا التطور "تحت المراقبة".

وخلال مناقشات مغلقة في لجنة الشؤون الخارجية والدفاع بالكنيست، قال نتنياهو إن "قوة الجيش المصري تتزايد بصورة مقلقة.. لدينا علاقة سلام مع القاهرة، لكن يجب الحذر من أي قوة زائدة"، وفق ما نقلته صحيفة يسرائيل هيوم.

إسرائيل قلقة

رغم شح التفاصيل التي تسربت عن جلسة نتنياهو المغلقة، كان لافتًا تصاعد تحذيرات دوائر الأمن الإسرائيلية غير الرسمية، إذ حذَّر العميد المتقاعد في جيش الاحتلال أمير أفيفي، مؤسس ومدير حركة "الأمنيين" التي تضم قيادات أمنية سابقة، من خطورة التقارب المصري–التركي، معتبرًا أنه مؤشر على تشكل محور إقليمي جديد. 

القلق المتصاعد يعكس إدراكًا إسرائيليًا بأن مشروع "إعادة هندسة الشرق الأوسط"، لم يعد يواجه فراغًا إقليميًا

أفيفي، الذي يشغل حاليًا رئاسة منتدى الدفاع والأمن الإسرائيلي، قال في مقطع مصور على إكس إن على إسرائيل الاستعداد خلال السنوات المقبلة لاحتمال مواجهة عسكرية متزامنة مع مصر وتركيا، مضيفًا أن توقيع اتفاق استراتيجي عسكري واسع بين البلدين "يعني أن ما يسمى المحور السني الراديكالي بدأ يرفع رأسه".

وذهب أفيفي إلى ما هو أبعد، حين دعا إلى أن تكون مصر وتركيا "بوصلة بناء الجيش الإسرائيلي في المرحلة المقبلة"، مطالبًا بجيشٍ قادر على القتال على جبهتين ضد جيشين نظاميين في آنٍ واحد.

هذا القلق المتصاعد يعكس إدراكًا إسرائيليًا بأن مشروع "إعادة هندسة الشرق الأوسط" الذي تعهد بنيامين نتنياهو بإنجازه، لم يعد يواجه فراغًا إقليميًا كما كان الحال في أعقاب موجات عدم الاستقرار التي ضربت المنطقة منذ عام 2011، إذ أدركت العواصم الكبرى حجم التهديد، وأغلقت، تقريبًا، صفحات الخلاف، وشرعت في إعادة ترتيب أوراقها، خشية أن تلقى مصير دول تمكنت إسرائيل من التسلل إلى أزماتها عبر الشروخ الطائفية والإثنية.

صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية، التقطت مؤشرات قلق الدوائر الرسمية في تل أبيب، ولفتت في تقرير إلى أن جولة إردوغان الإقليمية في الرياض والقاهرة، وما ترتب عليها من تعزيز علاقاته مع دول عربية، "قد تُضعف الموقف السياسي لإسرائيل في المنطقة"، مشيرةً إلى أن الشراكة المتنامية بين تركيا ومصر والسعودية قد تقود إلى "عزل إسرائيل".

تحركات إسرائيل خلال العامين الأخيرين كشفت أن هدفها لم يعد مقتصرًا على توسيع دائرة التطبيع وفق "اتفاقيات أبراهام"، أو تعزيز التعاون الاقتصادي والأمني مع بعض العواصم العربية، بل تجاوز ذلك إلى السعي لفرض هيمنة شاملة على الإقليم، بعد تفتيته إلى كيانات هشة، وهي رؤية عبَّر عنها بنيامين نتنياهو مرارًا في خطاباته وتصريحاته، حين تحدث صراحةً عن "شرق أوسط جديد" تقوده إسرائيل، وعن قدرة جيشه على الوصول إلى كل شبر في المنطقة، قبل أن يذهب أبعد من ذلك بالكشف عن أطماعه في إقامة ما يُسمَّى بـ"إسرائيل الكبرى".

تنبيه متأخر

من حيث لا يدري، دق نتنياهو ناقوس الخطر، ما دفع مراكز الثقل الإقليمي إلى التقارب والتوافق على رؤية استراتيجية تهدف إلى خفض التوتر وإطفاء الحرائق التي تشعلها إسرائيل أو تُدار عبر وكلائها، فقد بات واضحًا أن لا دولة بمفردها قادرة على مواجهة المشروع الصهيوني الذي صار "كتابًا مفتوحًا" لكل من يقرأ خرائط القوة في المنطقة.

وإذا كان ما يسمى بمحور "الممانعة" الذي قادته إيران قد انحسر بفعل سقوط نظام الأسد في سوريا، واستنزاف قوى المقاومة المدعومة من طهران في لبنان وغزة واليمن، إضافة إلى الضغوط الأمريكية المتصاعدة لتحجيم الفصائل الشيعية في العراق، فإن الفراغ الاستراتيجي بالغ الخطورة الذي تركه؛ دفع القوى الإقليمية المتبقية، وهي بالمصادفة دول ذات أغلبية سنية، إلى التفكير في صياغة تحالفات جديدة، على قاعدة مواجهة المخاطر وتبادل المصالح.

لا يمكن لإسرائيل النجاح في إعادة هندسة الإقليم إلا بتراجع أو استسلام القوى المناهضة لها

هكذا فكرت دوائر صنع القرار في القاهرة وأنقرة والرياض؛ تدشين محور واقعي، لا يقوم على شعارات أيديولوجية، بل على إدراك مشترك بأن ما بعد إيران، في حال تعرضها لضربة أمريكية/إسرائيلية، لن يكون نهاية المطاف، بل محطة في مسار اندفاع إسرائيلي جامح، وكما قال دبلوماسي مصري سابق قريب من دوائر صنع القرار في القاهرة "إذا عجزت دول المنطقة عن منع الضربة المحتملة لإيران، فعليها على الأقل تطويق الخطر الصهيوني؛ لأن طهران لن تكون المحطة الأخيرة".

لا يمكن لإسرائيل النجاح في إعادة هندسة الإقليم إلا بتراجع أو استسلام القوى المناهضة لها، دولًا كانت أم فصائل. ففي هذا الفراغ وحده تستطيع تل أبيب السيطرة على موارد المنطقة، وفرض نفوذها على قراره وإرادته؛ ومن هنا تبرز الحاجة إلى أجندة "هندسة مضادة" تحاصر المشروع الصهيوني، وتقطع الطريق على محاولات تمدده.

وفي هذا السياق، لم يعد سرًا أن تتقاطع مواقف القاهرة والرياض في البحث عن حلول حاسمة لملفات الإقليم المشتعلة، من اليمن والبحر الأحمر، إلى ليبيا والسودان، وصولًا إلى غزة، وفق ما ورد في بيانات الرئاسة المصرية ووزارة الخارجية السعودية عقب زيارة وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان إلى القاهرة؛ ثم جاء التقاطع مع أنقرة، عبر آليات اقتصادية ودفاعية، جرى التوافق عليها خلال زيارة الرئيس التركي إلى الرياض ثم القاهرة، لتؤشر جميعها إلى تشكل رؤية مشتركة تهدف إلى مواجهة مشروع الهيمنة الإسرائيلية على الشرق الأوسط.

وإذ ما تمكنت إيران من تجاوز الفخ الذي تسعى إسرائيل إلى نصبه لها، وتفادي الضربة المحتملة التي هددت واشنطن بتوجيهها إليها، ونجحت في حصر المفاوضات مع الولايات المتحدة ضمن الملف النووي، فمن الواجب أن تصبح الضلع الرابع في المحور الآخذ في التشكل؛ عندها فقط يمكن وضع قواعد للشرق الأوسط تتوافق مع مصالح شعوبه، لا مصالح أعدائه.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.