ماذا تعلمنا من أزمة محمد صلاح؟

قضية محمد صلاح ليست سوى قمة جبل الجليد لجوهر المشكلة، والموضوع أكبر من مجرد صورة على طائرة لأنه يعبر عن حالة التردى الشديدة التى وصلت إليها الأنسقة الاقتصادية المصرية بشكل عام.

لا يعنينى هنا فى الحقيقة ما أثير فى الأيام الأخيرة عن أزمة محمد صلاح، نجم الكرة المصرية، ومهاجم نادى ليفربول الإنجليزى، ومدير أعماله، رامي عباس، مع اتحاد الكرة المصرى، حول حقوق الرعاية وما يرتبط بها من امتياز استخدام صورته فى المواد الإعلانية.

هذا أمر سيُحل سريعاً بما يفى برغبات اللاعب الشهير، وربما يكون حل بالفعل وقت نشر هذا المقال، إذا ما نظرنا إلى الشعبية الجارفة المتمتع بها صلاح فى هذه الأيام لدى عموم الشعب المصرى، وهو ما يعطيه اليد العليا ضد أي جهة، أيًا كانت، إذا دخلت معه فى مواجهة مباشرة، لما أصبح يمثله للمصريين من أحلام مع اقتراب انطلاق بطولة كأس العالم.

امتلأت البرامج التلفزيونية ومواقع التواصل الاجتماعى صراخاً وتحليلاً وتنديداً وشجباً ودفاعاً فى محاولات بائسة لنٌصرة طرف على آخر، رأى البعض أن صلاح يُستخدم دون وجه حق لتعظيم موارد ثلاثى اتحاد الكرة وشركة برزنتيشن- صاحبة حقوق رعاية المنتخب الوطني المصري، وشبكة WE - المملوكة للشركة المصرية للاتصالات، بينما تبنى آخرون الموقف الداعم لحقوق هذا الثلاثى فى الاستفادة من شعبية محمد صلاح باعتباره لاعبًا فى المنتخب الوطنى وليس فردًا مستقلًا، حتى ولو أبرزت الدعاية محمد صلاح بشكل خاص.

لكن في تقديرى الشخصى فإن كل هذا الكلام يتجاهل جوهر المشكلة، إذ أن قضية محمد صلاح ليست سوى قمة جبل الجليد، لأن الموضوع أكبر من مجرد صورة على طائرة وإنما يعبر فى حقيقته عن حالة التردى الشديدة التى وصلت إليها الأنساق الاقتصادية المصرية بشكل عام.

وليس أدل على ذلك من مثال، ويمكننا عن حق تسميته بالدور الـ"المشبوه"، شركة "بريزنتيشن" التى أسسها رجل الأعمال، أحمد أبو هشيمة، من خلال شركة "إعلام المصريين"، ثم فجأة استولت عليها مؤسسة مجهولة تماماً تُسمى "إيجل كابيتال" ولا يعلم أحد رسمياً عنها ولا عن هيكل ملكيتها أى شئ سوى أن رئيسة مجلس إدارتها هى داليا خورشيد وزيرة الاستثمار السابقة (التى لم تصمد فى هذا المنصب سوى حوالى 11 شهراً)، وتزوجت بعد تركها للوزارة محافظ البنك المركزى الحالى طارق عامر، مما يشير إلى إحتمالية وجود جهات سيادية معينة، يذهب البعض إلى أنها المخابرات العامة، هى المُسيطرة على "بريزنتيشن" التى ظهرت فجأة لتسيطر على رعاية المجال الرياضى المصرى بالكامل دون أن تكون لها سابقة خبرات تؤهلها حتى لتسويق دورة رمضانية فى مركز من مراكز الشباب.

أصبح النَسَق الاقتصادي المصري متحكمًا فيه مجموعة من الأشكال الاحتكارية المتبجحة عن ذي قبل، متخذة البلطجة الصريحة نهجاً لها، وتحميها وتدعمها فى ذلك أجهزة الدولة التى تُدار بواسطة أصحاب المصالح، وربما تتورط فى ذلك الدولة بالكامل بينما يكتفى ما يطلق عليه "جهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية" بمطاردة مُحتكرى الــ "سيمون فيميه" والمتحكمين فى صناعة تحميص الفول السودانى.

تأتى على رأس هؤلاء الشركة المصرية للاتصالات التى خرجت عام 1996 من عباءة الهيئة القومية للاتصالات السلكية واللاسلكية، وتحولت إلى شركة مساهمة مصرية بعد ذلك التاريخ بعامين على وجه التقريب حتى صارت تمتلك اليوم منفردة البنية التحتية الكاملة لكافة وسائل وأنشطة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات فى مصر، ولا يُسمح لسواها بالعمل فى هذا المجال وتحتكر دون غيرها شبكات خطوط التليفونات الأرضية - التي هي أساس تقديم خدمات الإنترنت، وتتبعها شركة TE Data التى تبلغ حصتها السوقية فى هذا المضمار حوالى 76% ولها نصيب فى شركة "فودافون مصر" يصل إلى 45% وهو ما يُشكل تصارباً صريحاً للمصالح مسكوت عنه إلى يومنا هذا بسبب ما تمارسه الدولة من ضغوط.

وصل بها الأمر فى بعض الأحيان- وفقاً لروايات سكان مدينة 6 أكتوبر على سبيل المثال ولا الحصر - بأنها قصرت عمداً فى توفير الخدمات الأساسية المطلوبة للشركات المنافسة حتى تجتذب عملائهم إليها ويبدو أن شركة "أورانج مصر" كانت هى الأكثر تضرراً من تلك الممارسات حيث سجلت فى عام 2017 خسائر بمقدار 35.3% سنويًا فى سوق بنسب نمو فلكية، بعكس "فودافون مصر"، غير مرتبطة بالمصرية للاتصالات بينما صعدت الأخيرة إلى موقع ريادى بالسوق فى نفس تلك الفترة.

وأخيراً أطلقت المصرية للاتصالات المملوكة للحكومة المصرية بنسبة 80% فى نهايات عام 2017 شبكة المحمول الخاصة بها تحت مسمى WE، ومن أجل سواد عيونها ضُرب عرض الحائط بكافة مبادئ الحفاظ على التنافسية وتساوى الفرص لدرجة أنه سُمح لها من قِبل "الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات" بتقديم عروض خاصة وتخفيضات وقت اطلاقها وتم رفض كافة طلبات الشركات الأخرى لمضاهاة ذلك بحجة أنه يجب– وفقاً للبيانات الرسمية الصادرة عن الجهاز، إعطاء الفرصة للشركة الجديدة حتى تأخذ حصتها العادلة من السوق وهو أمر ينافى العقل والمنطق ولم نسمع بمثله فى العالم برمته من ذى قبل.

ولو كانت مثل هذه الشركة موجودة فى أى بلد متقدم لتم حلها وتجزئتها إجبارياً بحكم محكمة كما حدث مع شركة Microsoft الشهيرة فى نهاية القضية التى تم تداولها أمام المحكمة الفيدرالية العليا فى الفترة من 1998 وحتى 2001 ولا أظن أن هناك مثالاً أقوى من ذلك يأتينا من عرين الرأسمالية العالمية التى تحاول إتاحة حرية الممارسات الاقتصادية إلى أقصى حد ممكن.

من الطبيعى إذن أن تتجرأ WE إجباريًا عقابًا على خرق القوانين على اعتبار أنها "فتوة الحارة والحتة كلها" ولا تحسب حساباً لأحد. وربما يكون غول "المصرية للاتصالات" قد أخطأ هذه المرة فى تقديرها للموقف بشكل عام لضعف خبرتها على المستوى الدولى وهو ما اعترف به ضمنياً وزير الشباب والرياضة خالد عبد العزيز فى مداخلة هاتفية مع الإعلامى المعروف عمرو أديب حينما قال أن الدولة المصرية غير مُعتادة على التعامل دولياً مع شخصيات عامة مثل محمد صلاح فى مثل هذه الأمور.

لكن ما حدث يُبين شكل التفكير الموجود لدى هؤلاء والمبنى على أن الدولة ستقوم بتغطيتهم فى نهاية المطاف حتى لو تطلب الأمر تدخل رئيس الجمهورية نفسه لحماية مصالحهم مادام الأمر داخلى ولن تتناوله وسائل الإعلام العالمية.

ونذكر فى هذا الصدد أيضاً قرار وزير التجارة والصناعة، فى ديسمبر 2017، والقاضى بفرض رسوم إغراق طويلة المدى (خمسة سنوات) على واردات حديد التسليح من تركيا وأوكرانيا والصين برغم عدم تحقق شرط هذا الإجراء فى حقهما، وهى أن يتم تصدير السلعة المعنية إلى البلد المستوردة بقيمة تقل عن سعر بيعها فى بلد المنشأ. ورغم مساندتى من حيث المبدأ لفكرة السياسات الحمائية بشكل عام إذا كانت تستهدف دعم الصناعات المحلية إلا أنها أتت فى هذه الحالة وبما لا يدع أدنى مجال للشك، فقط، كى تصب فى صالح أباطرة سوق حديد التسليح المصرى من أمثال أحمد عز وأولاد بشاى وجمال الجارحى وأحمد أبو هشيمة وأيضاً القوات المسلحة المصرية التى دخلت هذا المجال مؤخراً بشراؤها مصانع "صلب مصر" فى نوفمبر 2016.

واحتكارات جهاز الخدمة الوطنية التابع للقوات المسلحة هى قصة اقتصادية مريرة أخرى، كونها تمثل ظاهرة سلبية للغاية بالنسبة للاستثمار، بل وطاردة له فى واقع الأمر – على فرض أن الاستثمار بشكله الموجود حالياً غاية فى حد ذاته أصلاً – لأنه لا توجد لدى القطاع الخاص مهما كبر حجمه وزاد نفوذه أدوات تمكنه فعلياً من منافسة مثل هذه المؤسسة المهيمنة على كل شئ ولها الأمر والنهى كيفما تشاء ووقتما تشأ.

وأنا فى الحقيقة لا أذيع سراً من أسرار الدولة هنا ولا أتحدث عن ما لا تراه العين المجردة. فليس من الصعب أبداً ملاحظة السيطرة المتنامية لجهاز الخدمة الوطنية على سوق الوقود مثلاً – أحد أكثر الأسواق ربحية فى مصر والعالم أجمع – عبر سلسلتى "وطنية" وماركتها الأخرى المتنكرة التى ظهرت فى الآونة الأخيرة باسم Chill Out وأصبحت لها اليد العليا على كافة الطرق السريعة فى زمن قياسى وغالباً ما ستقتحم كردون المدن قريباً.

ولا يحتاج تبيان هذا الأمر أيضاً سوى النظر على تذاكر استخدام الطرق السريعة الجديدة أى شبكة الطرق التى تحُسب على أنها من أكبر إنجازات الرئيس عبد الفتاح السيسى وأصبحت اليوم حكراً على جهاز الخدمة الوطنية ومطبوع على تلك التذاكر اسم الجهاز بلا مداراة ولا استحياء. فلا أحد كلف نفسه حتى بإنشاء كيان شكلى تتم هذه العملية من خلاله وبما يقوض تماماً فكرة قيام القوات المسلحة بمهمة وطنية وقتما بنت هذه الطرق لكونها تحولت بوضوح إلى مشروع تجارى بحت يخضع لحسابات الربح والخسارة ولا يعلم أحد كيف ستُصرف هذه الأموال لاحقاً نظراً لما تتمتع به ميزانية الجيش من حصانة كاملة تجاه كافة أشكال الرقابة.

أما القول بأن القوات المسلحة لا يتعدى نصيبها من إجمالى الاقتصاد القومى 2 – 3%، فهو ادعاء لا أعلم فى الحقيقة إلى أى أسس محاسبية يستند.

بمد الخط على استقامته سنجد أن ما حدث في أزمة محمد صلاح أضفى على السطح جوهر المشكلة الحقيقية التي تكمن فى بقايا دولة يوليو التى اعتادت منذ عام 1952 قمع مواطنيها دون رادع وتعتبر أى ما يأتى بمثل تلك الأمور من الخارج تدخلاً فى الشأن الداخلى ثم وجدت نفسها فجأة تواجه عالماً اختلفت مفرداته اختلاف كلى وهى لم تعد قادرة على السيطرة على معطياته فذهب بها الأمر إلى مهاترات عجيبة والدفع بمبررات لا يمكن وصفها بأقل من كونها "سخيفة" وتنم عن مراهقة سياسية واقتصادية قلما رأينا لها مثيلاً فى التاريخ الحديث.

إنها تلك الدولة العجيبة التى أرادت اللحاق بركب التقدم بوسائل وآليات شديدة التخلف وأعتقدت أن كيانها يسمح لها بمخالفة قواعد اللعبة التى ارتضت طوعاً خوض مضمارها ولكن يبدو أنها فى لحظة اتخاذ هذا القرار لم تكن على دراية كافية بأن وزنها لن يسمح بذلك وأن حجمها دولياً أصغر بكثير من مجموعات ضغط الشبكات المتداخلة للمصالح الرأسمالية المعاصرة التى أصبحت فى أيامنا هذه بمثابة الضابط الرئيسى للإيقاع والمتحكم الأوحد تقريباً حينما يتعلق الأمر بطريق المستقبل.

وبالعودة إلى محمد صلاح: أقصى ما يمكننى أن أسدى إليك من نصح هو التركيز على إسكان الكرة فى شباك مرمى الخصم والابتعاد عما لا يبتغون سوى مصلحة مؤسساتهم وأشخاصهم، أنت مصدر سعادة للملايين وستظل كذلك حتى لو لم تلعب لمنتخب مصر فى المونديال القادم.

كفاك أنك حولت الشعب المصرى إلى مُشجعى نادى ليفربول البريطانى بديلاً عن برشلونة وريال مدريد الأسبانيين وربما سيجئ وقت يأتى فيه غيرك ليعود بالمصريين ليشجعوا الاتحاد السكندرى والترسانة والمحلة والاسماعيلى والمصرى البورسعيدى وتختفى من جدول الدورى الممتاز أسماء الإنتاج الحربى واتحاد الشرطة وطلائع الجيش والداخلية وبتروجيت ومصر المقاصة وفى حينها سيكون لنا كلام آخر.