فييجاس جامايكون بقميص نادي جوادالاخارا. الصورة: Alchetron

متلازمة جامايكون.. غاب طعام الوطن فخسرنا المباراة

بالنسبة للمكسيكيين يبدأ الحنين للوطن، والشعور بالاغتراب عنه من الافتقاد لأطعمة الوطن الشهية والشهيرة.

في مطلع عام 2005، غاب الأسباني خسيوس نافاس غاب عن اللعب لبلده في هولندا ببطولة كأس العالم للشباب، بل ورفض أيضا اللعب في الجولات الخارجية لفريق إشبيلية قبل بداية الموسم ذاته لخوفه من السفر خارج إسبانيا لمعاناته من نوبات القلق والهلع واكتئاب الحنين إلى الوطن.

الحنين إلى الوطن، يصبح أحيانا وحشًا ذهنيًا، يجعل المواطنين المهاجرين عاجزين عن رؤية حياتهم الجديدة، ومربوطين بحياتهم التي ألفوها في أوطانهم، وهو أحد أهم أسباب فشل الاحتراف الخارجي للاعبي كرة القدم القادمين من بلاد منغلقة لدول أخرى ذات طبيعة جغرافية وثقافية مختلفة، مثلما نرى حالات عدة لعودة المحترفين المصريين من الخارج سريعا بسبب عدم التأقلم والحنين لمصر مجددا.

أصبح التغلب على "الحنين إلى الوطن" شيء مهم بشكل خاص اليوم تراعيه الأندية الكبيرة أكثر من أي وقت مضى، هذا السبب ربما جعل اللاعبين الإسبان مثل ديفيد دي خيا، خوان ماتا وأندير هيريرا لاعبو مانشستر يونايتد يعيشون في نفس الشارع بمدينة مانشستر.

هواء بارد على صدورنا.. غير هواء الوطن

في عام 1988 ببلجراد، عاصمة ما كان يسمى بيوجوسلافيا، كان على الصديقين جيا و ليو، أول لاعبين صينيين يحترفا بالخارج، وكذلك أول محترفين غير أوروبيين بنادي بارتيزان اليوجوسلافي، أن يواجها الصدمة الثقافية والحواجز اللغوية بالانتقال من الصين الشيوعية إلى يوجوسلافيا الشيوعية أيضا ولكن داخل جغرافيا أوروبا المغايرة.

على سبيل المثال، انتقل المدافع الصيني جيا من تنظيم دفاعه وتوجيه زملائه أو سماع التعليمات بلغة الماندرين إلى لغة الأشارة لكي يستطيع فهم زملائه. في الواقع، كان هناك عدد قليل جدا من المتحدثين بلغة الماندرين في بلجراد لدرجة أن جيا وليو اضطروا للذهاب إلى السفارة الصينية للعثور على صينيين للتحدث معهم.


إقرأ أيضا: رجال ما وراء الشمس


بحثًا عن الطعام المفقود

نذهب إلى المكسيك، أرض يوتوبيا كرة القدم التي أشعلت كأس العالم أعوام 1970 و1986 كمضيفة للبطولة. بالنسبة للمكسيكيين يبدأ الحنين للوطن، والشعور بالاغتراب عنه من الافتقاد لأطعمة الوطن الشهية والشهيرة، هناك بدأوا في تسمية تلك الظاهرة منذ سبعينات القرن الماضي بمتلازمة "جامايكون"، واخذت اسمها من اسم أحد عظماء كرة القدم الحقيقيين ببلاد الآزتيك. المدافع الأعظم بتاريخ المكسيك "فييجاس جامايكون".

المدافع المكسيكي المعروف بسرعته وقوته في الخطوط الخلفية، ولد في عام 1934 ونشأ في بلدة لاكسبريسينا الصغيرة بولاية ياليسكو - الشهيرة بكونها مسقط رأس مشروب التيكيلا وموسيقى المارياتشي التراثية، لعب فييجاس للمكسيك ما يقرب من 28 مباراة رسمية، ومثل منتخب حضارة الآزتيك في كل من كأس العالم 1958 و1962.

فريق أساطير

حينما كان فييجاس طفلاً رضيعاً، أعجبه شاي الكركديه الشهير بالبلاد الذي يعرفه المكسيكيون بـ "أجوا دي جامايكون"، مما أعطاه لقبه غير العادي "جامايكون"، أصبح فييجاس بعد أن أنهى دراسته الثانوية وجها معروفا لجماهير الكرة، فمهارته في الدفاع جعلته هدافا لنادي جوادالاخارا في أوائل الخمسينيات وهو لم يتجاوز السابعة عشر من عمره. ومع وجود فييجاس في الدور الدفاعي إلى جانب نجوم الكرة المكسيكية شيريس وسبويلفيدا، إلى جانب توبو جونزاليس في حراسة المرمى فشكّلوا فريقًا أسطوريا في تاريخ المكسيك.

جامايكون قائد فريق جوادلاخارا.. الصورة من Alchetron

كان فييجاس سدا منيعا أمام المرمى، حيث فاز بثماني ألقاب في الدوري المكسيكي بين عامي 1956 و 1970 ، وهو إنجاز أدى إلى أن أصبح فييجاس إلى جانب زميله في الفريق ساباس بونس الوحيدين الفائزين ببطولة الدوري بالمكسيك ثماني مرات، وهو إنجاز لا يزال قائماً اليوم.

مثّل فييجاس مدرسةجديدة عكس ذلك تعتمد على أقل لعب بدني ممكن في الخطوط الخلفية وعلى لعب ذهني أكبر؛ يتمثل في تواجده وتوقعه لأماكن لعب الكرة ليقطعها قبل أن تصل مباشرة إلى قدم مهاجم الخصم

التفكير.. خير وسيلة للدفاع

مثّل فييجاس نموذج اللاعب الذي يفكر فيدافع، ففي الوقت الذي كان معروفا بأن اعتماد القدرات الدفاعية يقع بشكل أساسي على اللاعبين ذوي الأجساد الضخمة، ولا يجيدون لعب الكرة بمستوى عالي، بل يمكنهم فقط ركلها لأقصى مسافة نحو الأمام.

كان فييجاس يمثل مدرسةجديدة عكس ذلك تعتمد على أقل لعب بدني ممكن في الخطوط الخلفية وعلى لعب ذهني أكبر؛ يتمثل في تواجده وتوقعه لأماكن لعب الكرة ليقطعها قبل أن تصل مباشرة إلى قدم مهاجم الخصم، ولعل مواجهة ديبورتيفو جوادالاخارا أمام بوتافوجو البرازيلي في كأس أمريكا اللاتينية عام 1958 كان خير دليل على ذلك، حينما تواجه فييجاس أمام أفضل لاعب في العالم والجناح الأيمن الأعظم "جارينشيا" الفائز لتوه بكأس العالم مع منتخب بلاده في السويد 1958، فييجاس وضعه في جيبه -بلغة اليوم في الكرة- وعزله تماما عن مناطق الخطورة ومر وقتها ديبورتيفو على حساب أشهر فريق برازيلي في أمريكا اللاتينية وقتها في عصور ما قبل نضج بيليه.

اكتسب الفريق المكسيكي بقيادة فييجاس الثناء في جميع أنحاء القارة، ورفعها إلى مستوى لم يصل إليه أي فريق مكسيكي حتى الآن، حين لعبوا أيضا مباريات ودية ضد فرق مثل بيليه سانتوس، وبوتافوجو المذكورة أعلاه، إلى جانب ريفر بلايت وسان لورينزو دي ألماجرو في الأرجنتين، قبل ذلك الشروع في جولة أوروبية نتيجة لمجدهم من النجاح وذيع انتشار نتائجهم المدوية في القارة.

رسائل يومية.. لوقف أثر الغربة

بدأت جولة في أوروبا بعام 1958، عندما زار فييجاس مع فريقه بلجيكا من بين بلدان أوروبية أخرى سيمرون عليها لاحقا، هناك حدثت قصة معروفة قليلاً تعود إلى نشأة فييجاس المتواضعة بلا شك، وهي قصة كانت تهدف إلى تحديد موقف حول طبيعة فييجاس انسانيا وتؤهل للاصطدام عنه حول مواقف لاحقة وأكثر كلفة له.

تقول القصة أن فييجاس طلب من زميله تشافا رييس مساعدته في كتابة رسالة إلى موطن عائلته. وكان فهم فييجاس للأمر بسيطًا؛ قيل له أن كل شيء في أوروبا أكثر تقدمًا، وأنه يحتاج فقط إلى ختم الظرف ووضعه في صندوق البريد وأن يخبر مصلحة البريد إلى المكان الذي يجب أن تذهب إليه. وفييجاس أدعى بكل فخر بأنه فعل ذلك بالضبط، وطلب من مصلحة البريد أن تصل رسالته إلى لاكسبريسينا- جاليسكو إلى والده ساوتيرينو فييجاس، ولكنه لم يكتب العنوان.

ظل فييجاس مداوما على تلك العادة كل يوم بكتابة رسالة إلى عائلته بمساعدة زميله، ويصحو باكرا في تمام السابعة صباحا لكي يتمرن بالجري نحو ساعة ليذهب إلى مصلحة البريد، ويخبر أهله عن كل التفاصيل التي يراها في رحلته.. عن طوابع البريد الجديدة التي احتفظ بها، أو عن قبعة السوبريانو المكسيكية الشهيرة التي حين يرتديها يقع في غرامه الفتيات البلجيكيات، بل أيضا يخبرهم بأنه جرح شاربه حين شرع تقليمه في تمام الساعة الثامنة و56 دقيقة ليلا بعد إنهائه وجبة العشاء مع زملائه بالفريق وقبل شروعه إلى النوم.

لا أريد أن أصبح غرابًا

كان عام 1958 هو عام لا ينسى في حياة فييجاس، حيث أن التأهل للمونديال في تصفيات كأس العالم في السويد في ذلك العام، يعني فترة طويلة جدا بعيداً عن بلده المحبوب، والتي من شأنها أن تشوه في النهاية مكانته داخل المكسيك وأمريكا الوسطى والجنوبية كلاعب معروف بجودته العالية يواجه اختبارات صعبة قد تهينه أمام نجوم العالم، ولكن كان خوف فييجاس الأعظم في النهاية كما عبر في إحدى خطاباته لأهله بأن "يكتسب من الغربة عادات وتقاليد غربية عليه تجعله حين العودة للمكسيك مثل الغراب لا يتقن المشي ولا الطيران".

منتخب المكسيك في كأس العالم 1958.. الصورة من Time Toast

أثناء وجود فييجاس في البرتغال كجزء من الاستعدادات النهائية للمكسيك للسويد، تقول القصة إنه اختفى من مائدته في حفل عشاء للفريق في لشبونة. وأصبح مدير الفريق آنذاك ناتشو تريليز قلقًا بشأن مدافعه الأبرز، وتجوب حول الفندق من أجل العثور عليه. بعد بضع لحظات عصيبة، وجد ناتشو رجله فييجاس جالسا خارج الفندق تحت شجرة كبيرة، حاضنا ركبتيه مضمومة مقربة من صدره مع نظرات حزينة عابسة على وجهه.

سأل ناتشو فييجاس إذا كان يريد تناول العشاء، وكان رده الذي يتداوله الجميع في المكسيك حتى الأن.."كيف لي أن أهنئ بعشاء أعرف أنه يقدم لكل الجنسيات، أريد أن أحظى بعشاء ذرة التاكو المكسيكية مع الحساء الساخن، لو لم يوفروا لي ذلك فأنا مستعد أن أكل من القمامة طالما أني أعلم أنها مكسيكية".

خسارات في الغربة

أداء المكسيك اللاحق كان مخيبا في السويد، حيث خسر أمام المضيفين 3-0 في مباراتهم الافتتاحية. هدف آخر في الدقيقة الأخيرة نجح في تحقيق التعادل 1-1 أمام ويلز في مباراتهم الثانية للحفاظ على آمالهم في المضي قدما، قبل أن تسحقهم القوة العظمى المجر 4-0 لتخرجهم من البطولة. لم تفلح الحماسة الوطنية الرائعة التي أظهرها فييجاس وزملائه مع بكائهم الشهير حين سماع النشيد الوطني قبل بدء المباريات الثلاث في دفعهم للفوز.


بعد ثلاث سنوات في عام 1961، انتقلت المكسيك إلى إنجلترا للتألق في ويمبلي، لمواجهة فريق صاحب الأرض الذي هزم في لقاءه السابق اسكتلندا 9-3. لم تكن النغمات الحماسية جيدة داخل غرفة خلع الملابس. وشعر مدرب المكسيك بالحاجة إلى إرضاء حارس المرمى الثاني في المباراة بيولين موتا وتهدئة أعصابه، وقال للحارس في غرفة الملابس: "حسنًا ، سيكون فييجاس جامايكون موجودًا لحماية الدفاع".

تجاوز الحضور 77 ألفًا، وقدمت إنجلترا عرضًا لن ينساه استاد ويمبلي، وتمكنت من تسجيل 8 أهداف في مرمى المكسيك، حيث ساعد بوبي تشارلتون نفسه في تحقيق ثلاثية، وكتب بالبنط العريض.. إنجلترا 8 - المكسيك 0.


بعد الهزيمة، اشتكى فييجاس للصحافة المكسيكية من أنه ألقى باللوم على أدائه الضعيف في إنه "افتقد أمه"، واضطر إلى الذهاب لأيام دون أكل "بيريا - طبق لحم" ، قبل أن يقول إنه يكره أن يكون بعيدا عن المنزل بتصريحه الأشهر.. "الحياة ليست حياة إذا لم أكن في بلدي".

مع تداول قصته القديمة من بعثه لثلاث خطابات يومية إلى منزله حين سفره مع منتخب المكسيك، وقصة الفندق بالبرتغال مع البكاء عند سماع النشيد القومي، يسمي خبراء علم النفس والاجتماع بالمكسيك مع بداية السبعينات تلك الظاهرة بـ"متلازمة جامايكون". وهي ما تختص ليس بافتقاد الوطن فحسب، بل افتقاد طعامه أيضا، وأخذت اسم شهرة فييجاس الذي يذكره بشراب شاي الكركديه مشروب المكسيك الشعبي الذي يحتسيه منذ طفولته، ويفتقده في السفر بالخارج.

احتياطات لمواجهة المتلازمة

في مونديال البرازيل السابق، من بين المهام العديدة التي قام بها أكثر من فريق لدعم اللاعبين المسافرين مع الفريق، محاولة درء هذه المشاعر القهرية والسوداوية، التي تنفر اللاعبين عن طعام السليساو. صحيح بأن كأس العالم في البرازيل المحبوبة من اللاتينيين، حيث ليس من الصعب العثور على التوابل الوطنية الخاصة بكل بلد، أو وصفة وتقليد بعض المشروبات المحلية الخاصة باللاعبين غير المحترفين.

مع ذلك، اتخذت إدارات المنتخبات اللاتينية كل الاحتياطات الممكنة. وقد أعلن البعض، مثل الولايات المتحدة وألمانيا قبل مونديال البرازيل عام 2014، أن زوجة أي لاعب ستتمكن من زيارته بل وممارسة الجنس معه أيضا إذا رغبت في ذلك. البعض الآخر ليس منفتحا كمثل المنتخبين السابقين فعل فيما يلي من قائمة ببعض الخطوات المتخذة لتجنب "متلازمة جامايكون".

حيث أدرج الجهاز الإداري لمنتخب الأرجنتين في أمتعتهم 30 كيلو جراما من حبوب "دولسي دي ليتشي" الشهيرة و100 كيلوجرام من اليرابي قبل سفرهم قبل السفر لمونديال البرازيل 2014

وقد أبلغ سيرجيو بيريز، رئيس الطهاة في بعثة المكسيك بنفس المونديال أيضا، أنه يحمل كمية غير معلنة من الفلفل الحار ومجموعة متنوعة من التوابل المحلية، وحتى المكونات اللازمة لصنع ذرة التاكو المكسيكية وحساءها الشهير حتى يشعر اللاعبون "بالآلفة قليلاً مع بعض الأطباق المحلية المعدة منهم".

خدم فييجاس في ناديه لمدة عشرين عاما حتى علق حذائه عام 1972، وحتى يومنا هذا ما يزال أسطورة بين أنصاره وكل مشجعي كرة القدم المكسيكية وغير المشجعين على حد سواء، لا شيء غير الحب الذي كان لديه لبلاده وأطباقه.