تصميم: يوسف أيمن- المنصة

سندباد الوحشي: الجانب المظلم من القمر

لعلَّ السندباد هو الشخصية الوحيدة في كتاب ألف ليلة وليلة التي تنافس شهرزاد وشهريار من حيث الشُهرة والذيوع، وربما تتفوق عليهما في عدد الأعمال الفنية المُستلَهمة منها، على الأقل في السينما والدراما والرسوم المتحركة.

السندباد البحري بالأساس تاجِر، يعرف كيف يبيع ويشتري، خسر ميراث أبيه بالإسراف والاستهتار لكنه يسافِر ويركب البحر ويغنم ويربح، مرة بعد أخرى، سبع مرات تحديدًا، يسافر ويرجع إلى وطنه في بغداد، وما إن يطيب له العيش فيها بين أهله وصحبه حتّى يضجر وتهفو نفسه للسفر من جديد. رغم أنه كلما أحدقت به المخاطِر المُهلكة يلعن السَفر وركوب البحر وينوي ألّا يعود لذلك من جديد، وما يلبث أن يكرر اللُعبة ذاتها، لمرات سبع، وهو الرقم السحري في التراث الشعبي العربي والإسلامي.

إدمان السندباد على المخاطر، وتكراره الخطأ نفسه مرة بعد أخرى، يجعله شخصية درامية بامتياز، هذا بالطبع يعود إلى المغامرات التي يواجهها في كل رحلة، عندما يثبت بالأدلة الواضحة تحليه بالشجاعة والذكاء وسرعة تكيفه مع الظروف وكيف يألف الآخرين ويألفونه بسهولة، ومن بعد ذلك كله خروجه من أصعب المآزق والمحن، إن لم يكن بفِعل شطارته فبفضل الحظ والمصادفات السعيدة، فهو دائمًا ينجو سالمًا وغانمًا للأموال والكنوز، والأهم ظافرًا بحكايةٍ يرويها، حكاية تميزه وتُخرجه من الحَشْد وتضعه في طبقة أعلى، معنويًا ونفسيًا، ولو لم يملك إلّاها.

سندباد الراوي

تروي شهرزاد لشهريار حكاية السندباد في الليالي من الليلة 252 إلى الليلة 554، وخلالها يروي السندباد نفسه، بعد أن استقرَّ في بغداد تمامًا، بين الصحاب والشراب والمطعوم والمشموم، على مسامع ضيوفه، ومن بينهم تحديدًا رجل بسيط اسمه السندباد أيضًا، ولكنه البري، الحمَّال الفقير، صورته الأخرى العارية من المغامرة والترحال، وبالتالي بلا مكاسب وبلا حكايات، كل ما بوسعه هو أن يجلس بين يدى السندباد البحري وينصت إليه بينما يروي حكاياته متتابعة.

سندباد يعدل الساري- الصورة: رسم لميلو وينتر 1914

حتَّى في خلال تلك الرحلات والمغامرات، لا يمل السندباد من أن يروي ما جرى له من أهوال وما خاضه من مغامرات، كلّما وجدَ أذنًا تصغي أو يسأله أحدٌ عمَّا جرى له، حتَّى إنه في إحدى المرات يُطلب إلى قصر الخليفة ليروي مغامراته لرأس السلطة هارون الرشيد شخصيًا، فيأسر لبه ويدهشه. كما لو كانت الحكاية نفسها هي الهدف من المغامرة والمخاطرة، وكأن السندباد صورة أخرى لشهرزاد بطريقة ما، هو أيضًا راوٍ للحكايات، لكنه لا يروي حكايات الآخرين، لا يروي إلَّا ما يعيشه بنفسه.

شخصية السندباد نفسها تبدو غريبة على كتاب الليالي، وهناك احتمالات كثيرة لأصلها التاريخي، وقبل الليالي يمكن العثور على صورٍ سابقة له في مصادر عديدة، مثل كتاب عجائب الهند، برّه وبحره وجزائره الذي يُنسَب إلى برزك بن شهريار، وهو قبطان سفينة تجارية ورحّالة من خوزستان، وقيل إن الكتاب من تأليف موسى بن رباح الأوسي السيرافي.

البعض الآخَر يُرجع شخصية السندباد إلى العرب، بدليل وجود جزيرة على شط العرب في البصرة تسمى جزيرة السندباد، ولعلَّ الأقرب للصواب أنّ أصل الشخصية والحكايات فارسي، بسبب الاسم نفسه الذي يعني (قائد وادي السند)، وأنها مستمدة من شخصية التاجر الفارسي سليمان السيرافي، وهو أول شخص من غرب آسيا يصل إلى الصين عبر خليج البنغال، إلى جانب وجود كتاب في الأدب الفارسي بعنوان السندباد نامة (القرن السادس الهجري)، وهو تجميع لحكايات ومرويات شفوية فارسية. ومن المنطقي افتراض أنّ الصورة التي ظهرت عليها حكايات السندباد في الليالي مزجت آثارًا وملامح عديدة، عربية وفارسية، بل بعضها يمتد نسبه بوضوح إلى الأوديسة اليونانية.

سندباد الوحش

أتوقّف هنا قليلًا عند رحلته الرابعة، التي يتحوّل فيها السندباد البحري، عند مواجهته وضعًا استثنائيًا، إلى سندباد وحشي، فيضطر إلى قتل عددٍ من الأشخاص، بغير تردد، لكي ينجو ويواصل الحياة والمغامرة.

تبدأ هذه الرحلة كما تبدأ بقية الرحلات الأخرى بالشوق إلى السفر وركوب البحر وأرباح التجارة، وكالعادة تغرق السفينة وينجو السندباد مع جماعة من المسافرين، حتّى يبلغوا جزيرة ويقعون في أثر قوم عُراة يحبسونهم ويسمّنونهم كأنهم دواب، لكي يأكلوهم. كان هؤلاء العراة المتوحشون يُطعمون أسراهم شيئًا اسمه دهن النارجيل حتى تنفتح شهيتهم فيلتهمون أي شيء، حتّى إنهم يرعون بهم مثل الدواب والمواشي. لكن السندباد لا يستسيغ ذلك الدهن ويمتنع عن الطعام تمامًا، لا سيما بعد أن رأى أصحابه يؤكلون واحدًا بعد الآخر، وكانت نجاته في امتناعه عن الأكل، لأنه أصبح جلدًا على عظم، حتى استطاع الهرب، وأخذ يأكل من نبات الأرض.

تلعبُ ثيمة الطعام دورًا أساسيًا في الليالي، وما تعلّق بها من أكل وتمتع أو جوع وتجويع، لكنها ذات حضور قوي في حكايات السندباد على الخصوص. في هذه الرحلة الرابعة ينجو السندباد من أكلة لحوم البشر، لأنه امتنع عن الطعام وتحمّل الجوع، ولعلّه بدا، بعد أن لاذ بالفرار منهم، نحيلًا عاريًا مثل ناسك متصوف يهيم في البرية، بينما تحوّل أصحابه إلى طعام يُشوى أو يؤكل نيئًا بعد أن أذهب عقولهم ذلك الدهن. ثم تنفتح الحكاية على فصل جديد من العلاقة بالطعام مع القوم الجدد، الذين التقى بهم السندباد بينما كانوا يجمعون حبّات الفلفل، فكأنها إشارة إلى أنهم غير متوحشين، لأنّ من يزرع أو على الأقل يبحث عن قوته في نبات الأرض، ليس من المحتمل أنه قد يشوي الناس أحياء ليأكلهم.


اقرأ أيضًا| طعم الأمثولة: الطبخ منقذًا للحب والشرف في ألف ليلة


عندما يدخل السندباد بلد هؤلاء القوم المستأنسَين يبدو كأنه يولدُ مِن جديد، ويطيب له المقام في هذا البلد، ويتزوج امرأة من أهلهم، وهذه هي المرة الوحيدة التي يستقر فيها السندباد في أرض إلى درجة التزوج من أهلها. حتّى إنه تردد قليلًا عندما عرضَ عليه الملك مسألة الزواج، أو لنقل أمره بذلك، من وراء حجاب، خصوصًا بعد أن أثبت الرحالة المغامر مهارته في صنع سروج الخيل وهو الشيء الذي لم يعرفه أهل ذلك البلد قبل قدومه.

بصناعته هذه المطلوبة لديهم، وزواجه من بينهم، ومرور السنوات أصبح واحدًا منهم يجري عليه ما يجري عليهم، إلى أن يدرك أنَّ من عادة أهل ذلك البلد أن يُدفَن الرجل حيًا مع زوجته إذا سبقته للموت، وكذلك تُدفَن هي معه إذا سبقها للموت. عاش السندباد بعد ذلك مرعوبًا، بل تمنّى أن يموت قبل زوجته لكي لا يدفن حيًا. ثم حدث ما كان يخشاه وماتت زوجته قبله، وجرت الطقوس كالمعتاد بلا أي مجال للاعتراض أو فرصة للتهرب.

كان قبرهم الجماعي مغارة عميقة على رأس الجبل، كأنها بئر، يوصدون فتحتها بحجر ضخم. يدلون بالحبال الميت أو الميتة، ثم صاحبها أو صاحبته، ومعه بعض أرغفة الخبز اليابسة وكوز فيه بعض الماء، إذ ربما يشعر بالجوع والعطش قبل أن يتولّاه الله.

رقد السندباد حرفيًا بين الأموات، في الظلام والوحشة، وعلى الرغم من تكرار الهلاك المجازي والرجوع للحياة مرات عدة سابقة ولاحقة، فهذه هي المرة الوحيدة التي يصل فيها المجاز إلى هذا الحد الأقصى من تجسُّده. لكنه لم يزل حيًا، بل يقرر أن يحيا وينجو، فيقتصد في الزاد ليعيش أطول وقت ممكن، وينتحي في المغارة ركنًا بعيدًا عن الجثث الطرية، وقبل أن تفترسه الهواجس عمّا سيكون عليه حاله حينما ينفد منه الزاد ترسل له العناية الإلهية بالحل السِحري، متمثلًا في ميت جديد ومعه امرأة حية.

في هذه اللحظة من الحكاية، وقبل أن تمضي الأحداث في مسارها المتوقّع من النجاة والفوز، قد يتخيّل قارئٌ سليمُ الطوية أنَّ الفرج أتى للسندباد في صورة هذه المرأة الحية، امرأة ورجل في جوف قبر في عمق الجبل، قد يبدآن معًا حكاية وحياة تحت الأرض، قد يتقاسمان معًا الرُعب والعذاب إلى جانب مشاركة الماء والزاد الشحيح، إلى أن يكتب الله لهما النجاة. لكن بدا أن هذا الموضع، شأنه شأن دور البطولة، لا يتسع إلّا لواحدٍ فقط، إذ بدا أن السندباد تحوّل على إثر هذه التجربة المتطرفة في قسوتها وعنفها إلى شخصٍ آخَر، أو كأنه نفض عنه حُلّة التحضّر وعاد بدائيًا وحشيًا.

"وجئتُ إلى المرأة وضربتُها في وسط رأسها، فوقعَت على الأرض مغشيًا عليها، فضربتُها ثانيًا وثالثًا، فماتت، فأخذت خبزها وما معها، ورأيتُ عليها شيئًا كثيرًا مِن الحُلي والحُلل والقلائد والجواهر والمعادن، ثم إني أخذت الماء والزاد الذي مع المرأة، وقعدت في الموضع الذي كنتُ عملته في جانب المغارة لأنام فيه...". تقول الحكاية.

ورغم ذلك، فليست كل الدواب سواء، منها ما هو مستأنَس أليف ومنها ما هو وحشي مفترس، فإذا كان أصحاب السندباد في بداية الحكاية أصبحوا ماشية مُستكينة ترعى وتُسمَّن لتذبَح وتؤكَل، فَهو هُنا يصير المفترس وإن لم يأكل لحوم الأحياء أو الموتى، فقط أخذ أرواحهم ليستولي على ما معهم من زاد وماء، وبالمرة يعينه الحلي والجواهر وما يزين به أهل هذا البلد موتاهم في رحلتهم للحياة الأخرى. ولن يكتفي بهذه المرة الأولى مع المرأة الأولى، فقد تعلَّم النجاة والبقاء بأي ثمن وبأي طريقة، وهكذا سوف يكرر الفعلة نفسها بدمٍ بارد مرة بعد أخرى، إلى أن يكتشف خيط نورٍ رفيع يقوده إلى فتحة صغيرة في أقصى نقطة من عمق المغارة، نبشتها دواب الأرض التي تتسلل لتأكل من جثث الموتى، فينهمك في الحفر إلى أن يخرج ليرى النور ويشم الهواء ورائحة البحر أمامه، ويلبث منتظرا ومراكما ثروات الموتى إلى أن تمر به سفينة وتحمله إلى بر النجاة.

الوجه الآخر للقمر

في الهيكل العظمي لكثيرٍ من الحكايات الخرافية والتراثية القديمة، على البطل أن يواجِه أهوالًا مخيفة تستعصي على الوصف والتخيّل، لكي يستحق بطولته ومكانته، بل ربما يتعيّن عليه أحيانًا أن يذوق الموت نفسه، مجازًا أو فعليًا أو على سبيل الدُعابة (فقد مشي جحا في جنازته هو نفسه ذات مرة)، وربما أيضًا يتوجّب عليه أن يتخلّى عن إنسانيته تمامًا ويستعيد حالته الوحشية الأولى، فيكون بلا لغة أو دين أو ثقافة أو ضمير، ليصارع الوحش الذي بداخله أولًا ثم الوحوش التي حوله.

سندباد والمارد- الصورة: Edmund Dulac London Hodder & Stoughton 1914

في هذه النقطة من حكاية السندباد ما أسهل أن ندينه وأن نفكّر في احتمالات أخرى للخروج من المأزق بالتكاتف الجماعي، ولو في جوف القبر وتحت وطأة أفظع الكوابيس، لكن مَن منّا يعرف كيف سيتصرف إن وُضعَ في هذه الحالة القصوى للوجود، أو ببساطة حالة (يا قاتل يا مقتول).

اعتدنا أن نتسامح مع أبطال الحكايات الخرافية فنعتبر لصوصيتهم براعة وخيانتهم مكرًا واحتيالًا محببًا بل وإزهاقهم للنفوس شجاعة يُحسَدون عليها، لكن ربما كنا نتسامح مع هذا الجانب الخفي من ذواتنا، الجانب المظلم من القمر، الذي قد يعيش أحد الأشخاص عمره كله من غير أن يطلع عليه، وقد يظهر عند شخص آخر في لحظة واحدة يوضع فيها في امتحان الغضب العارم أو الخوف البالغ أو اليأس، فيضطر لأن يأذي نفسه أو أقرب المقربين إليه، فنقرأ في الصباح التالي خبر الانتحار أو قتل الأب لأطفاله أو الابن لأمه أو مَشهد سجّلته كاميرات الهواتف المحمولة لذبح شخص في الشارع وسط الناس، إلى آخِر كل تبديات العنف والقسوة والتوحش الظاهرة منها والخفية، نراها أو نسمع بها أو نقرأ عنها فنتعوّذ غير مصدّقين، وربما تسري في أبداننا رَعدة رُعب خفيف وشيء يشبه كهرباء اللذة لأنّنا لم نزل هُنَا، آمنين، على الجانب الآخَر، لم نزل قادرين على تمييز ذلك الخط الدقيق بين الوحش والبطل في الحكاية الخرافية، لم نزل قادرين على قمع الوحش الذي بداخل كلٍ منّا، بالغفلة والتجاهل والنسيان كأنه غير موجود أساسًا، أو بتقييد وشلّ حركته وعدم مَنحه أي فرصة لأن يطل برأسه فوق سطح بحر العقل المطمئن مهما تلاطمت أمواجه لبعض الوقت.

ربما يكون ذلك الخط الفاصل بين الوحش والبَطل وهمًا مِن صُنع خيالنا، غير أننا ندين له بالكثير، بإنسانيتنا ذاتها.