فايزة أحمد.. حكايات مجنونة

فكرة الغيرة الفنية والتي تتطور لتصبح غيرة نسائية؛ تظهر بوضوح فيما نُقِل عن فايزة من اعتقادها الدائم بوجود مؤامرات ضدها، وهو ما كان يؤدي إلى مواقف عديد أفسد فيها سوء الفهم علاقاتها ببنات جيلها من المطربات، وعيشها لحالة من العنف والصراع الدائم لأسباب لا تستحق.

علي الرغم من جمال صوت فايزة أحمد وإجماع الملحنين والمستمعين على ذلك؛ إلا أنها لم تحصل علي الشعبية المكافئة لموهبتها، بل وفاقتها في الجماهيرية مطربات قد يكُنّ أقل منها في الإمكانيات الصوتية مثل نجاة الصغيرة وشادية.

اختلفت التفسيرات لعدم حصول فايزة أحمد على ما تستحقه موهبتها الصوتية. رأى البعض أن عدم تمتعها بالجمال أثّر على إعجاب الجمهور بها، مقارنة بمطربات مثل شادية وصباح ونجاة ووردة، خاصة أن بدايات ظهور فايزة في منتصف الخمسينيات، جاءت في وقت لعبت فيه السينما دورًا مؤثرًا في نجاح المطربين والمطربات. وتلاها ظهور التلفزيون في الستينيات وما صاحبه من ظهور الأغنيات المصورة تلفزيونيًا ونقل الحفلات.

منذ ما يسبق قدومها لمصر من سوريا حيث بدأت مشوارها الفني عبر إذاعة "حلب" التي اعتمدتها كمطربة؛ عانت فايزة من نحافتها الزائدة التي كادت تمنعها من الظهور في السينما، حيث كان وزنها لا يتجاوز الـ50 كيلو جرام.

لكن البعض يطرح أن مواصفاتها الشكلية لم تكن سببًا في قلة حظها من النجاح؛ بل كان ما يرونه "سوء اختيار" هو السبب الرئيس في عدم تحقيقها ما ترجوه. وذلك على الرغم من تعاملها مع كبار الملحنين الذين أعجبوا بصوتها، كمحمد الموجي الذي منحها الانطلاقة الأولي عام 1956 بأغنيتي "يامًا القمر ع الباب" و"أنا قلبي إليك ميال". ومحمد عبد الوهاب في ألحان "هان الود" و"ست الحبايب". ولكن جاء زواجها بالملحن "محمد سلطان" ليعطي إشارة للملحنين بأنها تفضل الغناء من ألحان زوجها، الذي برغم نجاحه معها، لم تحقق ألحانه لها نفس النجاح الذي حققته أغنياتها التي لحنها "الموجي" و"عبد الوهاب".

وإلى جانب الأسباب السابقة، ظهرت على مر الزمن "حكايات" تضفي أبعادًا غير متوقعة على شخصيتها، فالمغنية التي تشدو بكلمات الحب الرقيقة؛ تصورها الحكايات الشائعة عنها باعتبارها غيورة وعصبية. ويبدو أنها لم تكن تتمتع بالدبلوماسية، وهو التفسير المعقول لمهاجمتها لبليغ حمدي عقب زواجها من محمد سلطان مباشرة، حيث اتهمت بليغ بالسرقة من الفلكلور. ثم هاجمت "عبد الوهاب" و اتهمته بأنه لا يهتم بها ويعطيها ألحانًا صعبة "لا تصل بسهولة للناس".


وباستثناء انطلاقتها الأولى مع محمد الموجي، ظلت الفنانة الراحلة حتى رحيلها تساير الموجات الشائعة في الغناء، دون أن تكون لها بصمة مميزة. فجاء تعاونها مع نزار قباني بعدما غنت له نجاة وأم كلثوم، وتعاملت مع "الأبنودي" بعد نجاحه مع محمد رشدي و عبد الحليم حافظ.

ثلاث صفعات وزجاجة مكسورة

يمكننا أن نعتبر السنوات العشرة الممتدة من 1955 إلى 1965 هي أفضل المراحل الفنية لفايزة، إذ قدمت فيها أفلامها السينمائية السبعة، وغنت أبرز أغانيها، وتعاملت مع ملحنين متنوعين مثل عبد الوهاب والموجي وكمال الطويل وبليغ حمدي.


ولكن رغم ذلك؛ فقد بدأت شهرة طبع فايزة الحاد في هذه الفترة، خاصة عندما يكون الموقف متعلقًا بغيرة فنية أو نسائية مع مطربة أخرى.

أثناء لقاء لها مع برنامج "آخر من يعلم "، ذكرت صباح أنها صفعت فايزة أحمد أكثر من مرة بسبب "هذا الطبع"، مرة منهم لأن "فايزة حاولت أن تقص لها شعرها"، وفي مرة أخرى لأن فايزة اتهمتها بأنها على علاقة عاطفية مع عبد الحليم حافظ.

وفي مقال للكاتبة سناء البيسي في جريدة الأهرام، ذكرت أن تحية كاريوكا صفعت فايزة عندما أصرّت الأخيرة أن تغني قبل صباح في إحدى الحفلات.

فكرة الغيرة الفنية والتي تتطور لتصبح غيرة نسائية بين فايزة وكل من صباح ونجاة؛ تظهر بوضوح فيما نُقِل عن فايزة من اعتقادها الدائم بوجود مؤامرات ضدها، وهو ما كان يؤدي إلى مواقف عديد أفسد فيها سوء الفهم علاقاتها ببنات جيلها من المطربات، وعيشها لحالة من العنف والصراع الدائم لأسباب لا تستحق.

كما يحكي الكاتب الراحل "يوسف الشريف" في كتابه "مما جري في بر مصر"، عن واقعة أخرى جرت عام 1962 بعد نشر حوار بينه وبين فايزة أحمد في مجلة روز اليوسف، وفوجئ بها بعد النشر تقتحم المجلة في غضب، وتتوعده وتتهمه أنه "عميل لصباح". وعندما تدخل الصحفي"عبد الله إمام" لتهدئتها وقام بطلب زجاجة "كوكاكولا"، فإذا بها بعد أن شربتها تقذف بها إلى سقف صالة التحرير ليتناثر الزجاج فوق رؤوس الصحفيين.

ظهور"الشبشب"

في بداية عقد السبعينات وبداية ثمانينات القرن الماضي؛ بدأت فايزة في الاستعانة بمواهب وأسماء جديدة كهاني شنودة الذي قدم لنجاة أغنيتي "بحلم معاك" و"أنا باعشق البحر"، وعمل مع فايزة كموزع لأغانيها مع بقاء محمد سلطان ملحنًا. وزع لها شنودة كل أغاني ألبوم "دنيا جديدة".

كما قدمت شاعرا جديدا هو "عمر بطيشة"، الذي تعاون فيما بعد مع فرقة الأصدقاء ووردة وميادة الحناوي، وتعاونت معه فايزة في أغاني عديدة مثل "علي وش القمر" و"هدي الليل" و"دنيا جديدة".


يحكي المنتج "محسن جابر" صاحب شركة "عالم الفن" عن واقعة غريبة تتعلق بها، فبعد نجاح تجربة عمله مع المغربية عزيزة جلال، وفي يوم قام فيه بإنهاء مكالمة مع فايزة لظرف طارئ؛ فوجئ بها تدخل عليه المكتب رافعة "الشبشب"، فسارع للاختباء أسفل المكتب متسائلاً عن سبب غضبها لترد عليه "بتقفل في وشي السكة علشان البت عزيزة جلال ساحرالك".

اتهمت فايزة أحمد منتجها بأنه يهتم بعزيزة جلال أكثر منها في الدعاية، وأن هذا هو سبب النجاح الساحق لـ "بتخاصمني حبة". وبعد أن أثبت لها جابر أنه قد اهتم بدعايتها أكثر؛ هدأت واحتضنته.


تبين هذه القصة جانبًا قد يوضح أسباب عدم ملاقاتها لنجاح يتناسب مع حجم موهبتها؛ فهي لم تبحث عن أسباب نجاح أغنية "بتخاصمني حبة" من جمال اللحن الذي وضعه محمد الموجي، الذي لا يزال يتردد حتي الآن، أو جمال صوت "عزيزة جلال" وتمكنه من الغناء الشرقي، بل فكرت في كونها مطربة من "المغرب"، فلا بد أنها قد استعانت ب"السحر المغربي" للتأثير علي المنتج.

أمام سيارة الوزير

خلال الأعوام من 1970 وحتي 1983، توفي ثلاثة من أهم نجوم الغناء العربي؛ أم كلثوم وفريد الأطرش وعبد الحليم حافظ، وكان المفترض أن يساهم ذلك في زيادة الإقبال علي أغنيات فايزة أحمد باعتبارها من نجوم الخمسينات والستينات الباقيين. ولكن ما حدث هو العكس؛ فعلى الرغم من استمرارها وظهورها في أغان جديدة لاقت بعض النجاح؛ إلا أن صدي أعمالها لم يكن دائما كبيرا، وكان معتمدا في كثير من الأحيان علي تاريخها السابق، مع إخفاق كثير من أغانيها في إدهاش المستمع بالقدر الكافي.

في نفس الوقت؛ شهدت السبعينات تألق وردة الجزائرية مع بليغ حمدي بشكل طغى علي كثير من أغنيات فايزة، بالإضافة لظهور أصوات جديدة لافتة مثل عفاف راضي، ونجاح منير مراد مع شريفة فاضل في أغاني مثل "حارة السقايين" و"لما راح الصبر". وجاءت الثمانينات لتشهد إطلاق بليغ لميادة الحناوي ثم عزيزة جلال، لتحققا نجاحات كبيرة أدت الي زيادة غيرة فايزة، واعتقادها بوجود "سحر" يؤدي إلى نجاح الأخريات.

لجأت فايزة حينها للبحث عن صوت جديد في كلمات أغانيها مع استمرارها مع زوجها محمد سلطان كملحن أوحد لأغانيها. وعثرت على ضالتها في الإذاعي عمر بطيشة الذي كتب لها "غريب يا زمان".


واجهت الأغنية الجديدة مشكلة تتعلق بالروتين حيث كانت اللوائح الحاكمة للعمل، تمنع إذاعة الأغنيات التي يكتبها شعراء يعملون في الإذاعة المصرية.

يحكي عمر بطيشة أن فايزة أحمد قررت عرض الأمر على وزير الإعلام في ذلك الوقت. ولأنها لم تحصل على موعد؛ قررت استيقافه بأن تقف أمام سيارته. وهو ما حدث فعلا، لدرجة أنها أصيبت ببعض الجروح الطفيفة لكنها نجحت في عرض كلمات الأغنية علي الوزير، وعندما أجابها بكونها "كلمات جيدة"، طالبته بكتابة توصية بخط يده بالسماح لعمر بطيشة بكتابة الأغاني، وهي التأشيرة التي أرغمت موظفي الإذاعة علي القبول بعمر بطيشة شاعرا غنائيا.

هاني شنودة ..الطريق الآمن


أما الفنان هاني شنودة و الذي تعامل مع فايزة كموزع موسيقي لألحان الفنان "محمد سلطان"، فيذكر في لقاء تليفزيوني؛ أن طلبه كان عدم وجود احتكاك مباشر مع فايزة، بمعنى أن يكون "محمد سلطان" هو الوسيط بينهما عند رغبتها في إبداء أية ملاحظات، "بعد ما عرفت إنها جريت ورا قائد إحدي الفرق الموسيقية وكانت عاوزة تضربه لوجود خلاف بينهما"، وهو -علي حد قوله- لم يكن يمتلك اللياقة الكافية لضمان هروبه في الوقت المناسب.

النهاية "المجنونة"

بعد 5 زيجات، وحياة حافلة بالصراعات؛ توفيت فايزة أحمد في عام 1983 بعد إصابتها بالسرطان، الذي لم يمنحها فرصة للحياة أكثر من 53 عاما، لتترك تراثا فنيا جميلا؛ لكنه بلا شك لا يتناسب مع صوت بالغ الجمال، تخبط كثيرًا وسط علاقات وصراعات وغيرة وعصبية تصل إلى حد الطيش، استنزف منها طاقة هائلة بعيدا عن الفن.