أحمد فتحي.. الاستثنائي

يبدو الأمر مُربكًا لكثيرين حين تَرِد سيرة أحمد فتحي لاعب الأهلي والمنتخب الأول. الارتباك مصدره أنه يصعب على وجه الدقة أن تجزم برأي فنيّ حول فتحي.

في أحيانٍ كثيرة، تشعرُ أنه لا يملك إلا قوة هائلة واندفاع بدني غير محدود، وشجاعة دفعت مدربه حسن شحاتة لتشبيهه بـ"الأسد" الذي لا يخشى أي منافس.

وأحيانًا، تشعر أنه يلعب كرة القدم للمرة الأولى خاصة حين يركض بسرعة ثم يمرر الكرة للمدافعين أو خارج الملعب. وأحيانًا، تراه لاعبًا لا يمكن الاستغناء عنه. يسهل توظيفه في مراكز مختلفة؛ في وسط الملعب أمام ثنائي الدفاع، على الطرف الأيمن وأحيانًا الأيسر وأحيانًا أخرى في قلب الدفاع.


استثناء

بالنسبة لي، لا أشعر بهذا القدر من الارتباك تجاه فتحي وتجاه محاولات تقييمه فنيًا، بل أراه لاعبًا استثنائيًا لم تُصبه أغلب الأمراض الكروية التي عرفت الطريق بسهولة إلى أبناء جيله والأجيال التالية.

كسر فتحي قاعدة "قصر عمر اللاعب المصري" وأن دورة نجوميته لا تستمر سنوات طويلة. ويمكن القياس هنا بسهولة على أبناء جيله، فمنهم من اعتزل الكرة نهائيًا. ومن استمر منهم حتى يومنا هذا في الملاعب مثل حسني عبدربه وعماد متعب فقد بريقه وتراجع مردوده البدني والفني بشكل واضح.

ويمكن أيضًا القياس على الجيل التالي لفتحي الذي لم يصمد منه حتى الآن سوى محمود عبد الرازق "شيكابالا" وعبدالله السعيد مع تراجع واضح في معدلاتهما البدنية.

يحافظ فتحي على مستواه الفني رغم تجاوزه 32 عامًا، وحتى لحظات التراجع التي أصابته أكثر من مرة في مسيرته نجح في تجاوزها سريعًا؛ فحين عاد من أم صلال القطري إلى الأهلي مطلع الموسم الماضي ظهر بوضوح تراجع مستواه الفني وتعددت أخطاءه، لكنه بعد أشهر قليلة استعاد عافيته وتفوّق على محمد هاني ظهير الأهلي الشاب الذي كان في طريقه لحجز مكان في التشكيل الأساسي للفريق.

خالف فتحي أيضًا مقولة إن "اللاعب الذي يبدأ مسيرته في سن صغيرة يُنهيها مُبكرًا" تلك الجملة التي بات البعض يرددها كأنها حقيقة لا تقبل الجدال مدللين عليها بنماذج كثيرة أبرزها أحمد حسام "ميدو" لاعب الزمالك السابق والمدير الفني الحالي لدجلة الذي انطلق لأوروبا في سن مبكرة واعتزل في عامه الـ30.


مُخضرم ناشيء

المرض الأكثر شيوعًا بين لاعبي الصف الأول في مصر، وهو الاستهتار، استنادًا إلى النجومية والأموال وقواعد المحبين والداعمين؛ لم يتسرب إلى فتحي في يوم من الأيام سواءً في تدريب أو مباراة رسمية.

لن تقرأ اسمه في خبر يتحدث عن علاقة عاطفية سببت له أزمات، أو عن انفصال متكرر عن زوجاته، لن تراه يسهر ويتأخر عن التدريبات أو يحضرها على مضضٍ.

ببساطة، يخوض فتحي كلَ مباراة كأنها أهم مباراة في مسيرته. كناشيء تم تصعيده للفريق الأول يحاول أن يبذل كل ما في وسعه لإثبات أحقيته بالمشاركة.

الالتحامات القوية، الركض بطول الملعب وعرضه، القوة الزائدة في التسديد وتمرير العرضيات، الأداء الذي تم تشبيهه بأداء "النحلة" حين كان لاعبًا في بنها في مقتبل العمر. هذه التفاصيل لن تتغير مطلقًا على مدار 15 عامًا.

وعبر مسيرة طويلة، لم يخذل فتحي مطلقًا مدربيه. حين طالبه حسن شحاته باللعب في قلب الدفاع بدلاً من وائل جمعة ومراقبة أرونا كونيه لاعب كوت ديفوار في نهائي كأس الأمم 2006، كان فتحي على قدر المسؤولية وتحرك مع اللاعب كظله وأبطل خطورته.

حين دفع به هيكتور كوبر مؤخرًا أساسيًا أمام غانا بعد غياب طويل عن المنتخب، قدم أداءً مثاليًا طوال 90 دقيقة. أحكم رقابته على جناح غانا وكان أبرز لاعبي المنتخب دفاعيًا. كما قدم أداءً جيدًا أمام السنغال في تصفيات أمم إفريقيا 2015 حين دفع به شوقي غريب في مركز الظهير الأيسر.

يبعث وجوده داخل الملعب في النفس ثقة كبيرة. إذا أصيب لاعب في الوسط أو الدفاع يمكن أن يعوضه فتحي، وإذا ضغط الخصم بقوة سيحافظ على تركيزه وانفعالاته، وإذا تأخر الفريق بهدف سيكافح للمساهمة في إدراك التعادل.

طوال مسيرته، لم يخرج مرة لينتقد مدربًا أو يشتبك مع خصم. وحين سقط من حسابات هيكتور كوبر المدير الفني الحالي للمنتخب عامًا كاملاً لم يتحدث ولو مرة في وسيلة إعلامية لينتقد المدرب واختياراته.

يبدو فتحي لاعبًا غير جماهيري، مهامه الدفاعية وطريقة لعبه، التي لست بصدد التطرق إليها في هذ ا السياق، لا تجعله مُفضلاً لدى الجمهور لكنّه كما قال عنه المعلّم حسن شحاتة: "إذا كان سليمًا، لا يمكن الاستغناء عنه".