تشابيكوينسي .. حلم لم يكتمل

"كانوا كالعائلة. قبل أن يصعدوا إلى الطائرة تعاهدوا على تحويل حلمهم إلى حقيقة. هذا الحلم انتهى هذا الصباح".. تُعبر تلك الكلمات لرئيس نادي تشابيكوينسي البرازيلي "بلينيو ديفيد دي نيس فيلو" باختصار عن قصة بدايتها سعيدة ونهايتها مأساوية.

فريق تشابيكوينسي البرازيلي كان متوجهًا لكولومبيا لمواجهة أتليتكو ناسيونال من مقاطعة ميدلين في مباراة ذهاب نهائي الـ "كوبا سودأمريكانا"، البطولة القارية الثانية مقامًا -بعد الـ "كوبا ليبيرتادوريس"- في أمريكا الجنوبية.

امتلك الفريق البرازيلي حلمًا كبيرًا. كان في الطريق لخوض النهائي القاري الأول في تاريخه؛ في ملحمة ألهمت جميع مُحبي كرة القدم في البرازيل، الذين تعاطفوا مع ما يحققه الفريق قاريًا.

نهاية حزينة

قصة الفريق الذي ينحدر من مدينة "تشابيكو" من ولاية "سانتا كاتارينا" البرازيلية ليست طويلة. تأسس عام 1973، ولعب في الدرجة الممتازة البرازيلية للمرة الأولى في 1979 قبل أن يودعها في العام ذاته.

قضى الفريق سنوات عديدة في الدرجات الأدنى، قبل أن يبدأ فصلاً جديدًا من القصة عام 2009.

في ذلك العام، كان الفريق ينافس في الدرجة الرابعة البرازيلية، قبل أن ينجح في الصعود للدرجة الثالثة التي استمر فيها 3 مواسم متتالية ثم التحق بفرق الدرجة الثانية، ومنها إلى الدرجة الممتازة في عام 2014، ليعود لقمة المنافسات المحلية في البرازيل بعد 35 عامًا من الغياب.

موسمان من التنافس في الدرجة الأولى البرازيلية، أنهى الفريق فيهما المسابقة في المركز الـ15 في موسمه الأول، والمركز الـ14 في موسمه الثاني، وكان موسمه الحالي هو الثالث، حيث كان يحتل المركز التاسع مع استمرار المنافسة.

تأهل الفريق لخوض منافسات "كوبا سودأمريكانا" لهذا الموسم، لتصبح مشاركته القارية الأولى، وجاء تأهله كونه من ضمن أفضل الفرق التي تم اقصاءها قبل دور الـ16 من كأس البرازيل في الموسم الماضي.

الفرق الأكبر اسمًا في البرازيل تلعب في "كوبا ليبرتادوريس" لذا فإن مثل تلك المنافسة القارية تكون فرصة للدفع بفرق جديدة في استحقاق قاري.

"الأمر صعب، لا أعرف ماذا أقول. أحببنا هذا النادي. أنا أعمل هنا منذ سنوات عديدة وأعرف جيدًا كل ما مر به هذا النادي. من الصعب والمؤلم أن تكون النهاية تراجيدية هكذا. علينا أن نثق بالرب".. ايفان توزو نائب رئيس النادي

بدأ تشابيكوينسي المنافسة من الدور الثاني، حيث تجاوز مواطنه كويابا بنتيجة (3-2) بمجموع الذهاب والإياب، ليتأهل إلى ثمن النهائي لتبدأ أحداث الجزء الأكبر والأهم من الحكاية.

فرض الفريق البرازيلي التعادل السلبي ذهابًا وإيابًا على فريق "إندبيندينتي" الأرجنتيني، أحد أقوى فرق قارة أمريكا الجنوبية في السنوات الأخيرة، ثم أقصاه بركلات الترجيح.

في ربع النهائي، تمكن الفريق من تجاوز فريق "جونيور" الكولومبي بنتيجة (3-1) بمجموع المواجهتين، قبل أن يتفوق على سان لورينزو الأرجنتيني في نصف النهائي بعدما تعادلا في الأرجنتين (1-1) ثم حافظ الفريق على التعادل السلبي في البرازيل، ليصل "الأخضر الكبير" للنهائي القاري الأول.

قصة سعيدة للغاية في كل تفاصيلها. فريق لم يحقق الكثير تاريخيًا ولا يمتلك الإمكانيات المادية التي يمتلكها غيره من الأندية في البرازيل، ولا حتى الأسماء الكبيرة في قائمته، ربما باستثناء كليبر سانتانا -34 عامًا- الذي لعب من قبل في أتليتكو مدريد وملقا في أسبانيا.


لكن القصة السعيدة جاءت نهايتها كارثية.

في صباح الثلاثاء، التاسع والعشرين من نوفمبر، استقبل جميع متابعي كرة القدم في العالم خبرًا حزينًا. طائرة الفريق البرازيلي المتوجهة إلى كولومبيا قد تحطمت بالقرب من مقاطعة "ميدلين"، لتنتهي حياة 75 فردًا ما بين لاعبين ومدربين وإداريين وصحفيين، بحسب التقارير الرسمية، بينما نجا 6 أفراد فقط.

رسائل وداع

قبل التوجه لتلك الرحلة، ظهر عدد من لاعبي الفريق في لقطات أخيرة بدت لاحقًا وكأنها رسائل وداع.

كليبر سانتانا، أحد أهم نجوم الفريق، كان منشوره الأخير على موقع "انستجرام" لزوجته، حيث قال: "كم حياة سوف أعيش؟. في كلها سأبقى أحبك"

تياجو فييرا، أحد لاعبي الفريق، قبل أسبوع من الحادث عرف أنه سيصبح أبًا، وقد عرف عن طريق زملائه في الفريق الذين فاجؤوه بالخبر السعيد.


لكن ربما رسالة الوداع الأبرز ستكون من حارس مرمى الفريق، دانيلو.

دانيلو قام بتصدي خرافي في إياب نصف النهائي أمام سان لورينزو في الوقت بدل من الضائع. ذلك التصدي ضمن للفريق بطاقة الوصول للنهائي. ستظل تلك اللقطة هي العالقة في أذهان مشجعي الفريق، بما أنها لقطته الأخيرة والأهم.


تم إعلان نجاة دانيلو من الحادثة في البداية، ولكن بعد ساعات قليلة تم الإعلان عن أنه قد توفي في المستشفى.

دعم لفريق تشابيكوينسي من أمام الملعب الجديد لفريق كورينثيانز

تضامن وتعاطف

توحّد الأحداث المأساوية المختلفين. يتفقون سويًا على دعم المتضرر ومساندته.

حادثة فريق تشابيكوينسي نالت تعاطفًا كبيرًا من جميع الرياضيين ولاعبي كرة القدم في مختلف أنحاء العالم.

أتليتكو ناسيونال الكولومبي، الفريق الذي كان من المفترض أن يكون منافسًا لتشابيكوينسي في نهائي البطولة، طلب من إتحاد أمريكا الجنوبية لكرة القدم أن يعتبر الفريق الكولومبي منسحبًا من النهائي، وأن يتم اعتبار تشابيكوينسي بطلًا للبطولة.

بطولة قارية ستُحتسب في سجلات هذا الفريق المُغامر، ولكن ذكرياتها ستكون مليئة بالحزن، على عكس عادة التتويج بالألقاب.

العديد من الأندية في البرازيل وحول العالم قررت تقديم التعاطف والدعم على طريقتها.

فريق كورينثيانز قرر تقديم طلب لرابطة المحترفين في البرازيل بأن يتم إعفاء تشابيكوينسي من الهبوط لمدة 3 مواسم قادمة، وأن يتم دعم الفريق بإعارات مجانية من جميع أندية الدوري البرازيلي.

فريق بنفيكا في البرتغال قدّم تعازيه، وأعلن عن استعداده كذلك لتقديم إعارات مجانية للفريق من أجل أن يعود سريعًا، وهو الموقف نفسه الذي اتخذته رابطة الأندية الأرجنتينية.

مدافع الفريق "هيلو نيتو" .. أحد الناجين

بداية جديدة

الحادثة مُفجعة، والألم شديد؛ لكنه سيتضاعف على هؤلاء الناجين من تلك الحادثة.

آلان روشيل ونيتو، لاعبا الفريق، هما من ضمن الـ6 الذين نجوا من الحادثة، بالإضافة إلى فولمان، حارس المرمى الاحتياطي للفريق والذي فقد إحدى قدميه نتيجة إصابته في الحادثة. وتنضم إلى قائمة الناجين 10 لاعبين آخرين لم يسافروا مع الفريق إلى كولومبيا من الأساس.

تلك الحادثة ليست الأولى من نوعها في عالم كرة القدم. فهناك 3 حوادث مشابهة تاريخيًا.

طائرة نادي تورينو الإيطالي تحطمت في 1949 في أحد الرحلات من أجل إحدى المواجهات القارية، ولكن في السنوات التالية استمر تورينو، وحقق العديد من الألقاب المحلية.

كذلك حادثة طائرة مانشستر يونايتد الشهيرة في 1958 في رحلتها إلى ميونيخ، أودت بحياة أغلب قائمة الفريق، بينما نجا القليل، وكان من بين الناجين أسطورة الفريق، السير بوبي شارلتون، وكذلك مدرب الفريق السير مات باسبي.

أجدد تلك الحوادث وربما أكثر إيلامًا كانت حادثة طائرة منتخب زامبيا في عام 1993، والذي كان متوجهًا لمواجهة السنغال في تصفيات مونديال 1994، لكن الطائرة تحطمت في المجال الجوي الجابوني.

تحطمت الطائرة وتوفى كل من كان عليها. ونجا شخص واحد.. أسطورة زامبيا "كالوشا بواليا" لم يكن على متن الطائرة لارتباطه بمباراة مع فريقه في أوروبا.

نالت الكآبة من كالوشا لوقت ليس بقصير، ولكن العودة كانت سريعة، فقد قاد الفريق إلى نهائي كأس أمم أفريقيا 1994، فقط بعد عام واحد من الحادثة، ولكن الحلم لم يكتمل وكانت الخسارة أمام نيجيريا، القوية للغاية، في المباراة النهائية بنتيجة (1-2).

"نحن لسنا 11 لاعبًا.. نحن تشابيكوينسي".. كلمات تجدها على ظهر قميص الفريق؛ قد تكون يمثابة نقطة بداية جديدة في قصة هذا النادي الذي لم يعرفه كثيرون قبل الحادث.