الموظفون والإعلام.. تجديد الخطاب الديني في مكتب حكومي

جاءت إجابات وسائل الإعلام شبه مُوحَّدة؛ لتضبط النغمة التي سيغني عليها الموظفون... غالبًا ما يميل الموظفون حيثما تميل وسائل الإعلام.

في مكتب حكومي عادي، يجلس فيه مجموعة من الموظفين والموظفات يعملون قليلا ويشتكون كثيرا، يعيدون أحاديثهم اليومية عن ارتفاع الأسعار والتساؤل عن أي زيادات أو مكافآت منتظرة، بينما تتبادل الموظفات عروض تخفيض الأسعار؛ تكون الأحداث الكبيرة والمفاجئة فرصة لكسر الملل وتغيير الموضوعات اليومية المكررة.

أخبار التفجيرات

صباح أحد السعف كان يومًا عاديًا كأي يوم، بدأ فيه الموظفون في أحد المكاتب الحكومية التابعة لواحدة من الوزارات الكبرى في الدولة إفطارهم وشايهم، قبل أن تنتشر أخبار التفجير الذي هز كنيسة مار جرجس في طنطا وتصل للموظفين عبر هواتفهم الذكية.

مع بداية وصول الخبر انزعج الموظفون، وبينما انشغل بعضهم بإبداء استيائه واستنكاره للحدث، استغرق آخرون في القلق لشعورهم بانعدام الأمان لوجود تفجيرات في الشارع. ومع وصول خبر تفجير الكنيسة المرقسية بالأسكندرية بعد بضع ساعات، بدا على الموظفين الذهول، قبل أن تنتشر بينهم شائعة وقوع تفجير ثالث في الكاتدرائية المرقسية بالعباسية في القاهرة، ثم يتبين عدم صحة الشائعة.

تلاحق الأحداث دفع موظف للتعليق: "كدا البلد هتولع".

لكن بعد قليل، وكعادة الموظفين، تراجع الاهتمام بالحدث لتظهر حالة من اللا مبالاة، تتضح مع عودة الأحاديث إلى تكرارها اليومي حول أسعار الزيت والسكر والأرز، والبدء في تخزين "احتياجات رمضان". لكن اليومين التاليين للتفجيرات، حملا تغيرًا دالا..

استمر النقاش لبعض الوقت، قبل أن يتفق الموظفون على أن الشيخ الشعراوي هو خير من يمثل الخطاب الديني المعتدل، المطلوب كي يسود السلام الاجتماعي.

في الأيام التالية، أثارت أصداء التفجيرات - التي حفلت بها وسائل الإعلام- أثرًا بين الموظفين، تخطى أثر التفجيرات نفسها، وصل حد ترديد أحد الموظفين في يأس: "عليه العوض في البلد دي خلاص"، ليستكمل بعدها أنه لم يستفد من النظام القائم أو أي من الأنظمة التي سبقته.

موظف آخر من شبرا يقول: "ده أنا واحد جاري مسيحي كان مِتْعَصَّب (غاضب) قوي، وكان بيقوللي هما ليه سجنوا إسلام البحيري ده كان بيجدد الخطاب الديني، ليه ما ينقوش أبو حنيفة و«أبو كثير»" ويضيف: "مكنتش عارف أرد عليه، كان متنرفز قوي". مع هذا التعليق تراجع شعور الأسى فورًا بين عدد من الموظفين ليقول واحد منهم: "إنت كنت تقوله إنت تعرف إيه في ديني علشان تتكلم".

أما الموظف صاحب التوجه الإسلامي فقال: "وبعدين مش أي واحد قراله كتاب يقولوا ده باحث إسلامي.. إسلام البحيري ده كان بيشتم في الأئمة، المفروض يتمنع من التليفزيون هو واللي اسمه يوسف زيدان دا كمان، وتطلع أئمة دين صح هما اللي يتكلموا".

استمر النقاش لبعض الوقت، قبل أن يتفق الموظفون في هذا المكتب الحكومي على أن الشيخ الشعراوي هو خير من يمثل الخطاب الديني المعتدل المطلوب كي يسود السلام الاجتماعي.

اقرأ أيضًا: يوميات الموظفين.. مكتب تمليك بمنافعه

6 مليون متلقي

يفوق عدد الموظفين في مصر6.6 ملايين موظف بحسب آخر إحصاء أعلنه الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في 2015. وبالتالي يمثل العمل في أحد المكاتب الحكومية وبين موظفيه فرصة جيدة للتعرف على الأفكار والتوجهات المنتشرة بين شريحة مهمة في المجتمع المصري، خاصة وأن تجارب مصر الانتخابية جميعها منذ ما تلا يوليو 1952، تُبيِّن أن الموظفين هم الشريحة التي يسهل حشدها للخروج بالنتائج الانتخابية/ السياسية "المرغوبة".

المشهد أمام إحدى اللجان الانتخابية في 2012

خلال السنوات الماضية بتقلباتها السياسية والاجتماعية العديدة، ومع تزايد الاعتماد على وسائل الإعلام الذي ترافق مع زيادة الاهتمام بالشأن العام، كان من السهل ملاحظة تأثير الفضائيات علي شرائح الموظفين، وانعكاس تقلباتها وتناقضاتها علي أفكارهم وتوجهاتهم، ليتحول نفس الفرد من متحمس شديد لجماعة الإخوان المسلمين إلى مُطالب بسجنهم والتخلص منهم، أو تتحول موظفة من تأييد المشير طنطاوي؛ إلى اعتباره "ضيّع البلد وسلمها للإخوان"، قبل أن تعود لتأييده مرة أخرى بعد إعلان 3 يوليو/ تموز 2013، باعتباره "كان مضطرا لمهادنة الإخوان، لكنه وضع خطة مع الجيش للتخلص منهم لاحقا".

وبالطريقة عينها، تحول المواقف من 25 يناير، بداية من اعتبارها مؤامرة خارجية كما كان يقول الإعلام خلال 18 يوما، ثم تأييدها بعد سقوط مبارك، والهجوم علي مبارك وعائلته وحزبه، ثم تأييد الإخوان المسلمين والمجلس العسكري معا، ثم الانقسام بين المرشحين الرئاسيين في انتخابات 2012... إلخ. وغالبًا ما يميل الموظفون حيثما تميل وسائل الإعلام.

ليس مع السياسة وحدها يتفاعل الموظفون

تأثير وسائل الإعلام على الموظفين لا يقتصر على الأحداث الكبرى التي يتابعونها من خلالها، بل حتى في القضايا التي تتصل بحياتهم اليومية، كزيادة الأسعار التي أصابت الموظفين بصدمة جعلتهم لا يتوقفون عن الحديث عن هذه القضية يوميًا.

في بداية زيادات الأسعار التي تلت الإجراءات الإقتصادية في نوفمبر/ تشرين ثان الماضي، استنكر الموظفون وتساءلوا عن نهاية وأسباب تلك الموجة، وبدأوا في متابعة وسائل الإعلام بشغف بحثا عن ردود على أسئلتهم، ومن هم الأشخاص الذين يتعين عليهم لومهم.

اقرأ أيضًا: مصر إلى أين؟.. محدش عارف

جاءت إجابات وسائل الإعلام شبه مُوحَّدة؛ لتضبط النغمة التي سيغني عليها الموظفون: فالمُلام هو "جشع التجار" والمستوردين وتجار العملة، باعتبارهم هم المتسببين في ارتفاع الأسعار والأزمة الاقتصادية. أما إذا أرادوا الحديث عن مسؤولية النظام السياسي الذي اتخذ تلك القرارات وطبقها؛ فإن اللوم كله يتوجه للحكومة ووصفها بالفاشلة، أما الرئيس: فيعمل ولا يجد من يسانده.

قادرة رأي الموظفين

الساحر.. توفيق عكاشة

تبدو تجربة قناة "الفراعين" لصاحبها "توفيق عكاشة" من الحالات الصارخة في كيفية تأثُّر الموظفين بالفضائيات.

بدأت علاقة الموظفين بعكاشة بالاستغراب والسخرية منه، ثم تحولت إلى متابعة وانجذاب لطريقته وطرائفه، ثم صارت قناعة تامة بما يقول واعتباره "الوحيد الذي يقول الحقيقة"، وعندما اتخذت الدولة –وإعلاميوها- موقفًا معاديا منه، تبعها الموظفون في الانقلاب عليه باعتباره مجنونا، وتخلوا عنه مع إغلاق قناته وإنهاء تجربته.

تجارب مصر الانتخابية جميعها منذ ما تلا يوليو 1952، تُبيِّن أن الموظفين هم الشريحة التي يسهل حشدها للخروج بالنتائج الانتخابية/ السياسية "المرغوبة".

تجربة عكاشة تعد كبسولة وافية لمدى تأثير القنوات الفضائية على آراء ومشاعر الموظفين وقناعاتهم.

سوشيال ميديا

ظن البعض أن وصول شبكة الانترنت إلى عدد متزايد من الناس سيحررهم من سيطرة وسائل الإعلام التقليدية، وسيصبح وسيلة مساعدة على تكوين عقول واعية ومستقلة، لا تستجيب بسهولة لكل ما يقال لها.

اقرأ أيضًا: لماذا يكره الموظفون القراءة

لكن الواقع لم يكن علي مستوي الآمال، فمع تواجد أجهزة التليفون الذكية في أيدي عدد كبير من الموظفين، وتعاملهم اليومي مع شبكة فيسبوك؛ أتيح لبعضهم التعرف علي وجهات نظر مختلفة. ولكن الأغلبية استخدمت الإنترنت لتتبع نفس القنوات والصحف الشهيرة، بل وتتبع الصفحات المؤيدة لنفس أفكارهم، حتي لو اتسمت بالمبالغات والأخبار الكاذبة والشائعات.

كما أنهم لم يتعاملوا مع الآراء المختلفة عنهم بتفهم، بل تشهد أحاديثهم التي يعلقون فيها على المنشور على صفحات فيسبوك بالاستنكار والسباب في كثير من الأحوال، أن تغيرًا لم يطرأ على تأثرهم البالغ بالإعلام التقليدي وما يدور فيه.

وكذلك تؤثر بعض الصفحات في نشر شائعات وأخبار غير دقيقة عن حوادث خطف أو تجارة أعضاء، أو أخبار عن "عبدة الشيطان" وأفعال خارقة للعفاريت، وهو ما يغذي مخاوف واعتقادات قائمة بالفعل عند الموظفين، فيتفاعلون معها ويفسحون لها مساحة في أحاديثهم اليومية، التي تدور لتزجية الوقت وشغل ساعات العمل الرسمية، بينما يتفاعلون مع تلك الشائعات والخرافات ويعملون على ترويجها.