لذة الاقتباس

قد يرى البعض في لذة الاقتباس مَيلًا مَرَضيًا للاحتماء وراء دُرُوع السابقين، ممثلةً في أقوالهم، وربما هي محاولة للاشتباك معهم وانتزاعهم من سياقهم لوضعهم في سياقنا المختلف، وتأمّلها في ضوء جديد، ينتمي إلينا وإلى زماننا.

لا يكاد يسلم أحد، سواء كان إنسانًا عاديًا بسيطًا أو مِن فئة المفكرين والمثقفين على اختلاف ألوانهم، مِن الاستسلام لفتنة الاستشهاد بأقوال السابقين والأعلام والعظماء، تتنوّع دوافع تلك الممارسة بدرجةٍ هائلة، ولكن تبقى لها في جميع الأحوال لذتها الغريبة، لذة نختبرها في أنفسنا عندما نمارس هذه اللعبة العزيزة علينا ونستشعرها لدى الآخرين كلّما ذكروا أو كتبوا قولًا مأثورًا – أو غير مأثور – بين قوسي الاستشهاد ودسّوه وسط كلامهم وكتاباتهم وكأنما وردَ عَفْوًا مِن دون قصد.

جانبٌ مِن تلك اللذة أنها تضفي قيمةً على شخص مستحضر الاقتباس، تمنحه تميزًا ما، حتّى وإن اقتصر تميّزه ذلك على قوة ذاكرته، وبراعته في الاستعانة بالعبارة التي تصيب المقصد المنشود في اللحظة المناسبة تمامًا. إنه وريث حكيم القبيلة الذي لديه لكل حالةٍ مستجدّة تاريخ ومرجع قالت فيه العرب كلمتها وتركتها تعيش حيةً بيننا، لنتسلّح بها عند الحاجة.

كما يوحي الاقتباس بسعة ثقافة المتحدث، ولو كان لم يقرأ لصاحب الاقتباس سوى هذه العبارة الوحيدة، جملة مُستلبة من وسط شذرات سيوران أو نيتشه قد تعطي الانطباع بأنَّ مُستَدعيها أتى على كل ما كتبه هذا أو ذاك، من غير أي دليل يؤيد تلك الفكرة.

أنا، مثلًا، أعجبتني عبارة ذات مرة عن النيران من كتاب جاستون باشلار "التحليل النفسي للنار"، وما زلت حتى الآن أجد صعوبة في قراءة ذلك الكتاب للنهاية، ولم أتورّع، مع هذا، عن الاستشهاد بالعبارة في مقال بسيط عن مواسم ارتفاع درجات الحرارة وغلاء الأسعار والغضب المكتوم وما إلى ذلك. ها أنا أعترف الآن بهذا، من دون أن أنكر استمتاعي بتلك اللذة الغريبة الناجمة عن تذوّق طعم أقوال الآخرين - مِن سَادة الفكر والفن على الأخص - بين أفواهنا وعلى سطورنا.

لكنّ الأمر لا يقتصر علينا، نحن المساكين ضِعاف الحيلة، بل يمتدّ إلى أولئك السادة الكبار والجبابرة أنفسهم، فَكَم زخرفوا هُم أيضًا صفحاتهم بأقوال السابقين، فمنهم مَن اقتصد ومنهم مَن أفرط.

لا عيبَ إذن في التعبير عن أنفسنا بأقوال الآخرين الجاهزة، ما دامت تعبّر عن أفكارنا الأساسية، ولكن في صياغة راقية ومحكمة بحيث تبدو محاولاتنا لمضاهاتها عبثًا باطلًا. كان هذا هو رأي كاتب عصر النهضة الفرنسي ميشيل دو مونتين. فَعَلى أعمدةٍ خشبية في مكتبة مونتين الهائلة حُفرتْ عباراتٌ مستقاة من الكتاب المقدّس والأعمال الكلاسيكية، من قبيل: "ليس ثمّة يقين أشدّ من اللا يقين، ولا شيء أكثر بؤسًا وافتخارًا من الإنسان. – بليني". كما ضمّت كتاباته - حسب كتاب "عزاءات الفلسفة" لآلان دو بوتون - على آلاف المقاطع الموضوعة بين أقواس لكتّاب كبار سابقين رأى أنهم (قد التقطوا نقاطًا بدقّة وسلاسة أكبر من قدرته هو)، وهكذا اشتمل كتابه "المقالات" فقط على 128 اقتباسًا من أفلاطون، و149 اقتباسًا من لوكريتيوس، و130 اقتباسًا من سينيكا.

قد يرى البعض في هذا مَيلًا مَرَضيًا للاحتماء وراء دُرُوع السابقين، ممثلةً في أقوالهم، وربما هي محاولة للاشتباك معهم وانتزاعهم من سياقهم لوضعهم في سياقنا المختلف، وتأمّلها في ضوء جديد، ينتمي إلينا وإلى زماننا.

لكنّ الحال يختلف تمامًا عندما يتحوّل اقتباس الآخرين هَوَسًا في ذاته، وآلية ببغائية تعمل تلقائيًا كلّما حاولنا مقاربة أي موضوع. عندئذٍ تكون السيطرة لتوجّه موضوعات الإنشاء في حصص التعبير بالصف الإعدادي، وكيف كان على التلاميذ الاستشهاد ببعض آيات القرآن أو السنّة أو أبيات الشعر، بغرض تقوية حجتهم وتغذية سطورهم والحصول على درجة أعلى في النهاية.

بلغَ الأمر حُدودًا غير معقولة، عندما تُنسب أقوال وعبارات ذات تفاهة وسطحية وركاكة ساطعة إلى كتّاب ومفكرين لهم شأنهم.

يصل هذا الهَوَس أحيانًا إلى الاقتباس لذاته وفي ذاته، القَول المأثور الذي لا يضيف شيئًا بالمرة إلى السياق أو إلى الأفكار المطروحة في النص، أو أن يكون فحواه متوقعًا وصياغته عادية تمامًا. هنا يكون الوزن الوحيد لاسم قائله وحسب، وهنا تصبح السُخرية حقًا أصيلًا من حقوق الإنسان القارئ.

بلغَ الأمر حُدودًا غير معقولة، عندما تُنسب أقوال وعبارات ذات تفاهة وسطحية وركاكة ساطعة إلى كتّاب ومفكرين لهم شأنهم، سنجد على مواقع التواصل الاجتماعي عشرات من تلك الأقوال المنسوبة إلى نجيب محفوظ أو توفيق الحكيم أو غاندي أو هتلر أو حتّى بوذا – وهي غير ذات أصل أو سَنَد بالمرة.

ذلك الشخص المجهول الذي افترى عليهم لا يستعير أقوالهم بل يستعير أسماءهم فقط، فلعلّ فرط إعجابه بفكرةٍ أو حماسه لقضيةٍ دفعه لهذا التدليس ولو مِن باب: "لو كان هؤلاء سُئلوا لا بدَّ أن تلك ستكون إجاباتهم في هذا الموضوع".

كان من الطبيعي عندئذٍ أن تَنشط قوى السخرية، فتدفع بعضَ الظرفاء بإعداد صور لمشاهير وأقوال في غاية السَخافة منسوبة لهم، مثل غاندي ملفوفًا في زيه الهندي التقليدي المعروف، وبجانبه جملة: "ما تقفش قدّام المروحة وانت طالع من الحمام لتَستهوى". أو أن تقول مارجريت تاتشر: "الست مالهاش غير جوزها وبيتها". وإلى ذلك من تناقضات فاقعة.

ذلك النوع من السخرية يضرب سُلطة الاقتباس في مقتل، ويجرّده من عزته وسلاحه، يجرده من الجدية المنبعثة من الماضي ومن هالة القداسة المحيطة برؤوس هؤلاء الأعلام. كما أنها تهزأ أيضًا بميل المتثاقفين ومدّعي العمق والمهووسين بالأقوال والحكم المعروفة أو غير المعروفة طوال الوقت.

اتجاه السخرية مِن المثقفين والفنانين قديم وممتدّ وهُنا نتذكر على الفور سمير غانم في فيلم "الزواج على الطريقة الحديثة"، مدّعي الثقافة الذي طالما يردد في كل مناسبة: "أنا قريت في مجلة هندية إنه لا يصح إلّا الصحيح"، واستمر حتّى نموذج أحمد راتب أو الفنان التشكيلي البوهيمي عيسوي عيسوي في فيلم "يا رب ولد"، وطبعًا بلغ أقصى وأقسى أشكاله في أغلب سيناريوهات يوسف معاطي الذي يبدو كأنه يجد في ذلك متعةً شخصية شديدة الخصوصية.

كل هذا لا ينفي الثقل الخاص بهَوَس الاقتباس، الذي يدفع إلى المطابع أحيانًا بكتب همّها الأساسي جمْع أكبر عدد ممكن من أقوال الحكماء والمشاهير، في اللغة العربية أو غيرها، سواء كانت الأقوال تندرج تحت موضوع محدد أو مجرد قطوف من الحكمة والفطنة والبصائر. ثم أنّ هناك مواقع على الإنترنت مخصصة للأقوال والاقتباسات، يمكن البحث فيها باستخدام مفردة واحدة أساسية، فلنقل السعادة مثلًا، لتظهر على الفور مئات الأقوال عن السعادة، منذ بداية الفكر الإنساني المدوّن في الكتب المقدسة والملامح وحتى مذيعي برامج التليفزيون ونجوم الرياضة والموسيقى.

لعلّنا لسنا أكثر ممن قالَ فيهم روديارد كيبلنج قوله، وليسمحَ لنا بالاقتباس منه: "لقد غلّفَ نفسه في اقتباسات الآخرين، مثل مُتسوّلٍ يلفّ جسمه في عباءات الأباطرة الأرجوانية".

إلى حد أن أطلقت أوكسفورد قاموسها الخاص بالاقتباسات Oxford Dictionary of Quotations وتوالت طبعاته، والذي يشير في صفحته الترويجية إلى أنه يرضي المغرمين بالاقتباسات، سواء كانوا يميلون لأقوال مثل قول "جين أوستن": "لا تفكّر في الماضي إلّا إذا منحك تذكّره متعة وسرورًا"، أو قول "باريس هيلتون": "ارتدِ ثيابًا جميلة أينما ذهبت، فالحياة أقصر من أن تذوب في الحشد". كما أنه يتيح البحث لمعرفة مِن قال ماذا ومتى؟ وهي أسئلة في غاية الأهمية لمدمني الاقتباسات، أو لمن يريدون التثبت من بعض ما يُنسب لأعلام ومشاهير.

إجمالًا، قد يكون دافعنا، نحن مدمني اقتباس أقوال الآخرين والاستشهاد بها، مجرّد التكاسل عن إبداع نُسخنا الأصيلة من تلك المقولات، أو لأنّ هؤلاء السابقين ببساطة قد عبّروا أفضل مِنا عمَّا يخامرنا نحن، أو لأنهم أصبحوا ثقاة وماركات مسجّلة ونحن لسنا كذلك بعد، وهكذا لا نتورّط في جدالٍ، قد يكون عقيمًا أو مُنهكًا، حول محتوى الأفكار المنقولة، فإذا جدّ الجد نستطيع أن نقول على الدوام : وأنا مَا لي يا عم؟ هذا كلام مونتين – ماركس - غاندي- كريشنا مورتي، اذهب إليهم وناقشهم هم.

نخرج سالمينَ غانمينَ، وقد قلنا ما نريد دون أن نقولَ (نحن) شيئًا، بل إننا قلناه بأفضل صيغة ممكنة، وتحت توقيع يضمن لنا اكتساب سُمعة المطّلع النهم الذي يعرف كيف يقتبسُ جذوة النار المضيئة من آلاف الصفحات، ولعلّنا لسنا أكثر ممن قالَ فيهم روديارد كيبلنج قوله، وليسمحَ لنا بالاقتباس منه: "لقد غلّفَ نفسه في اقتباسات الآخرين، مثل مُتسوّلٍ يلفّ جسمه في عباءات الأباطرة الأرجوانية".