عكست تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول "مفاوضات بناءة" مع إيران لوقف الحرب الدائرة منذ نهاية فبراير/شباط الماضي، والتحركات العسكرية المتصاعدة في المنطقة، حالة من التناقض والتساؤل حول التوجه الأمريكي في الساعات المقبلة، وما إذا كانت واشنطن تسعى بجدية للتهدئة أم أنها مناورة لشن هجوم بري والاستيلاء على جزيرة خارج أحد أكبر مراكز النفط في العالم.
وبينما كان ترامب يتحدث الاثنين الماضي، عن إجراء "محادثات جيدة وبناءة" مع مسؤولين إيرانيين لم يسمهم، وقرر تأجيل أي هجمات عسكرية تستهدف محطات الكهرباء الإيرانية لمدة خمسة أيام "لحين التوصل لاتفاق لوقف إطلاق النار"، وافق البنتاجون على نشر بضعة آلاف من الجنود في الشرق الأوسط، بالتزامن مع تحركات أخرى.
مفاوضات مُحتملة أم تصعيد عسكري؟
تنفي طهران على المستوى السياسي والعسكري التفاوض مع الولايات المتحدة، مؤكدة أنها لا يمكن أن تثق في واشنطن مجددًا بعد فشل جولتي تفاوض خلال أشهر تعرضت إيران لضربتين من إسرائيل وأمريكا على إثرهما، في وقت تشير العديد من التقارير الإعلامية إلى تصاعد دور الوساطة خلال الساعات الأخيرة، وإمكانية عقد محادثات مباشرة في تركيا أو باكستان خلال الأسبوع الجاري؛ لتفادي تصاعد الصراع وامتداده إلى حرب نووية، لكن مع نهاية الأسبوع لم يُعلن رسميًا عن تقدم مُحرز في هذا الشأن.
بالتزامن، وحسب تقرير نشرته واشنطن بوست قبل يومين، أصدر البنتاجون أوامر بنشر بضعة آلاف من المظليين من الفرقة 82 المحمولة جوًا في الشرق الأوسط، في وقت اقتربت ثلاث سفن حربية تحمل نحو 4500 جندي من مجموعة طرابلس البرمائية الجاهزة من الشرق الأوسط.
وحسبما نقلت واشنطن بوست عن مسؤولين أمريكيين لم تسمهم، أن ترامب يدرس "تصعيدًا كبيرًا" في الحرب ويرفض استبعاد وضع قوات أمريكية على الأراضي الإيرانية، ومن بين الخطط التي تدرسها إدارته الاستيلاء على جزيرة خارج النفطية.
وخارج من بين أكبر الجزر النفطية في العالم، وتقع في الخليج العربي وتصدِّر منها طهران حوالي 90% من نفطها، بطاقة تحميلية تبلغ حوالي 7 ملايين برميل يوميًا، مما يجعلها القلب الحقيقي للاقتصاد النفطي الإيراني.
ويوم 13 مارس/آذار الماضي، نفّذ الجيش الأمريكي ضربات على الجزيرة، استهدفت نحو 90 موقعًا، شملت منشآت لتخزين الألغام البحرية وصواريخ ومواقع عسكرية أخرى، فيما أكد ترامب حينها أن البنية التحتية النفطية لم تُستهدف "لأسباب أخلاقية".
وأشار المسؤولون الأمريكيون لواشنطن بوست إلى أن القوات البرية من المرجح أن تستولي على الجزيرة بسرعة، لكنها في الوقت ذاته قد تضطر إلى تحمل وابل من الطائرات المسيرة والصواريخ الإيرانية طالما بقيت هناك.
في الشأن ذاته، قدّر محللان سياسيان أمريكيان تحدثا للعربي الجديد اليوم، أن تراجع ترامب عن توجيه ضربات مباشرة على إيران لا يعكس رغبة حقيقية في تهدئة الأوضاع، بل محاولة لإعادة ترتيب أوراق الحرب في المنطقة واحتلال الجزيرة النفطية خلال عطلة الأسواق العالمية السبت المقبل.
وقالت المحللة السياسية والعسكرية الأمريكية وعضوة حركة Make America Great Again جينجر تشابمان، إن تراجع ترامب عن ضرب محطات الطاقة الإيرانية جاء نتيجة إدراكه أن هذا الخيار سيمثل "تجاوزًا لخطوط حمراء خطيرة"، قد يؤدي إلى ردود إيرانية مدمرة على حلفاء واشنطن في الخليج، وربما توسيع الحرب الإقليمية إلى مستوى لا يمكن السيطرة عليه.
وأضافت تشابمان "تنتهي المهلة المؤقتة للتفاوض مع إيران يوم الجمعة، وأي قرار يتخذه ترامب يوم الجمعة سينفذ خلال عطلة نهاية الأسبوع لإعطاء السوق وقتًا لاستيعاب أي أخبار سلبية محتملة".
الأمر نفسه، أكده المتخصص في الجغرافيا السياسية والسياسات في الشرق الأوسط بجامعة تكساس الأمريكية فرانك مسمار، مرجحًا أن تجري واشنطن إنزالًا بري ومحاولة احتلال الجزيرة وربما عدد من الجزر الأخرى مثل قشم، لإعادة فتح مضيق هرمز ووضع إدارته ضمن المنظومة الدولية.
طهران تتأهب وتحذر
لكن في مقابل المخططات الأمريكية، يبدو أن إيران أجرت استعداداتها لذلك، فوفق تقرير لـCNN قالت إنها اعتمدت فيه على تقارير استخبارات أمريكية، فإن إيران نصبت كمائن ونقلت قوات عسكرية إضافية وأنظمة دفاع جوي إلى الجزيرة في الأسابيع الأخيرة استعدادًا لعملية أمريكية محتملة.
وحسب CNN، حذر مسؤولون وخبراء عسكريون أمريكيون من الأخطار الكبيرة التي قد تنطوي عليها أي عملية برية للسيطرة على الجزيرة، مشيرين إلى احتمال تكبد القوات الأمريكية خسائر فادحة، إذ أكدت التقارير أن الجزيرة الإيرانية محصنة بطبقات دفاعية متعددة، تضمنت نشر صواريخ أرض- جو محمولة على الكتف وزرع ألغام على طول شواطئها، بهدف صد أي محاولة لإنزال برمائي للقوات الأمريكية.
وحذر القائد الأعلى السابق لحلف الناتو الأدميرال المتقاعد جيمس ستافريديس، من أن الإيرانيين "أذكياء وشرسون، وسيبذلون كل ما بوسعهم لإيقاع أكبر عدد من الخسائر بالقوات الأمريكية، سواء في البحر أو على الأرض".
ورجَّح ستافريديس لـCNN أن أحد الخيارات للضغط على إيران يتمثل في فرض حصار بحري على خارج، بما يعطل تصدير النفط دون الحاجة إلى إنزال قوات على الأرض.
وفي طهران، حذر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف أمس الأربعاء، من أي محاولة لاحتلال جزر إيرانية، مؤكدًا أن جميع تحركات الأعداء تخضع لمراقبة دقيقة، ومتوعدًا باستهداف البنية التحتية الحيوية لأي دولة إقليمية تدعم مثل هذه الخطوة.
وتأتي هذه التطورات بينما تدخل الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران يومها السابع والعشرين، وسط غضب أمريكي من رفض حلفاء واشنطن المشاركة في الحرب لإجبار طهران على فتح مضيق هرمز بالقوة، لوقف التأثير العالمي على اضطراب إمدادات الطاقة وارتفاع أسعار النفط عالميًا، وزيادة المخاوف من موجة تضخم جديدة.