السلطة والرقابة والجمهور| في ذمة نظام الوصاية الفكرية
بعد يوليو/تموز 1952، سعت الحركة الحاكمة مع الوقت نحو تحديد أدق لمعنى الثقافة الوطنية، وتحكُّم منضبط في المسار الذي يتخذه التحديث المصري، بحيث تُعيَّن الدولة وأجهزتها رقيبًا على عملية التوفيق بين "الحديث" وبين المُكوّن الثقافي المحلي/الأصلي، المتمثل في النسق الأخلاقي والديني والعُرفي الذي يُفترض أن ينبني التحديث من حوله، مُحافظًا على تواصله ورسوخه في الآن نفسه.
وفق هذه الفلسفة، بدأ اجتذاب الفنانين والمثقفين ليصبحوا جزءًا عضويًّا من آلة الدعاية الأيديولوجية لعهد جديد افتتحه الضباط، ممثلو "الشعب" في مقاعد الحكم.
كان دخول الشعب في معادلة الحشد لمعارك التأسيس التي خاضها النظام، ضد خصومه في الداخل وأعدائه في الخارج، يستلزم إيجاد قنوات تُضفي الشرعية، وتصنع صورةً جديدةً عن طبيعة النظام وأهدافه وخططه. أصبحت السلطة الجديدة تدريجيًّا الوصي الفعلي على حركة الإنتاج الفني وتوجهاتها وروادها، بفضل تحكمها ببرنامج ومنتج الإذاعة المصرية، ثم مصادرتها للنقابات، حيث تم حل النقابات المستقلة ودمجها في اتحاد عمالي واحد موجه من الدولة، وإصدارها قانون الرقابة على المصنفات الفنية عام 1955، ثم عملية التأميم الواسعة التي أنهت حياة الفرق المسرحية وشركات الإنتاج الخاصة منذ بداية الستينيات، باستثناء شركة "صوت الفن" التي بقي إنتاجها السينمائي والغنائي مستمرًّا، علامة على المكانة الأيقونية التي يحتلها أصحابها، محمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ، في العهد الجديد.
سردية وطنية
ما مارسه الضباط من "تطهير" ثقافي وإعلامي شامل لم يكن يهدف إلى مجرد ضمان الولاء، إنما كان يرمي إلى تكريس "الشعب" مقولةً حاكمةً في الوعي العام. ويكفي أن نتذكر أن مبرر تأميم الصحف، كما ذكره عبد الناصر، كان بالتحديد أنه يريدها أن تعبر عن الشعب والتنمية وما شابه ذلك، لا عن الأرستقراطية والخيانات الزوجية، أو أي موضوع له طابع فردي أو غير منضبط.
وفى السياق نفسه جرت عملية إحياء ما سُمي بالفنون الشعبية والسيَر الملحمية، بصيغة حافظت عليها في قالب متحفي مُفلتَر، يُجردها من محتواها الشعري الإباحي/التحرري، ويُركّز على ما تزخر به من قيم التراتبية العائلية واحترام المكانة الأبوية، مع الزج بها ضمن سردية وطنية مُخترَعة، تربطها بالسياق المعاصر.
بدأت وزارة الإرشاد القومي تحت قيادة وزيرها المحافظ فتحي رضوان في صياغة الخطاب الوطني التعبوي، وزادت تدخلاتها في تشكيل المجال الثقافي بظهور مسرح الدولة وتأسيس المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب ودور النشر والمجلات الثقافية الحكومية والأبواب الثقافية في الصحف، التي وقعت بدورها تحت الإشراف الكامل للاتحاد الاشتراكي عام 1960 بعد سلسلة من المصادرات والتأميمات.
كان الخطاب السلطوي يرتكز على الهجوم على الأرستقراطية وطبقة الباشوات وفسادها، وإدانة العهد السابق وثقافته وفنه بوصفه صنيعة حقبة استعمارية، والتأكيد على وطنية الضباط، وتحالفهم مع الطبقة الوسطى الصاعدة التي صارت ممثلًا للشعب بالكلية حسب الصورة التي يُصدِّرها الإنتاج الثقافي.
وكان رضوان بحكم توجهاته الأيديولوجية الفاشية يُصرِّح بأن هدف التدخلات السلطوية هو "حماية عقل الشعب وروحه"، حيث إن "الثورة لها أهداف روحية تتطلب توجيه الثقافة القومية وتخليصها من الشوائب التي بثَّها الاستعمار في الثقافة".
بحكم هذا التصور كانت عملية تمثيل الطبقة الوسطى في مواقع الإنتاج الثقافي والفني هي وسيلة النظام في صناعة الخطاب السلطوي المهيمن، ونقله عبر صور وأفلام وموسيقى وآداب، في مقابل امتيازات مادية صنعت وضع هذه الطبقة الاجتماعي المتميز في ذلك الوقت، من ضمنها الترقي المنتظم والأمان الاجتماعي عبر التعيينات في الجهاز الإداري للثقافة والفنون الذي تضخمت مؤسساته، والحصول على اعتراف الدولة والتكريمات والمكانة الرسمية، بما يدعم نوعًا من الكرامة المهنية في مقابل النظرة الاجتماعية المحافظة والتحقيرية للمهن الفنية في العهد السابق.
ترويض الثقافة
بدايةً من الخمسينيات، شاعت صورة المثقف الذي يعرف مصلحة الشعب، ويحظى باعتراف الدولة كنوع من الحق المكتسب. والفنان الذي يرتقي بالوعي والوجدان، ويحمل الرسالة، والمكلَّف بمهمة تشابه الإرشاد والتبليغ. وهي صور لا تعني أن كل فنان أو كل من يعمل بالحقل الثقافي كان يستبطنها بالضرورة، وإنما صُنعت بدأب كنموذج إرشادي، يأتي ذكره في بيانات وخطابات رسمية سلطوية، ويتشدَّق به موظفون ومتسلقون في الصحف وعلى المكاتب، كأنه دليل لذي الفطنة يفهم منه أي الأدوار عليه أن يتمثلها.
كان نظام الرقابة على المصنفات الفنية يتيح للسلطات استثناء الأعمال الفنية من الحماية القضائية التي يكفلها الدستور لحرية التعبير
عبر تلك التحولات، تأسَّس نظام وصاية فكرية كامل على الشعب باسم الشعب. ضمانته الأساسية حُسن نوايا الضباط ووطنيتهم. بالتالي أصبح انتخاب الإنتلجنسيا الجديدة وتوظيفها أداةً للحشد والتعبئة يتم على أساس نخبوي، معياره الرئيسي الولاء للقيادة، والقبول بفرض رقابة شاملة على أدوات ووسائط التعبير الفني والثقافي؛ ما يسميه الباحث ريشار جاكمون "النظام القومي لمراقبة نشر الإنتاج الثقافي"، الذي يخضع في علاقته بحرية التعبير لما أسماه "قانون الحريات المتناقصة":
"الابتكار المهم الوحيد الذي أدخله نظام الضباط الأحرار يتعلق بالتعبير السياسي، الذي أصبح منذ ذلك الحين تحت رقابة صارمة. أما في المجال الأدبي والفني، بالمقابل، فإن النظام لم يفعل سوى تثبيت نظام الرقابة الذي أنشئ في أوائل القرن من جانب الملكية الدستورية والاحتلال البريطاني. ويتمحور هذا النظام حول نوع من قانون الحريات المتناقصة: فكلما كانت وسيلة النشر قادرةً على الوصول لجمهور واسع، كلما خضعت لرقابة أشد".
كان نظام الرقابة على المصنفات الفنية يتيح للسلطات استثناء الأعمال الفنية من الحماية القضائية التي يكفلها الدستور لحرية التعبير عبر النشر والإبداع الأدبي والفني، إذ يتاح للرقابة الحذف أو التعديل أو رفض الأعمال الفنية مثل الأغاني والأفلام والمسرحيات، بعكس الصحف والكتب التي لا يجوز فرض الرقابة الإدارية المسبقة عليها ولا تخضع قرارات الإدارة بشأنها لأحكام القضاء.
كانت الكتب والصحف تتعرض غالبًا للمصادرة بعد صدورها بتطبيق الأحكام العرفية أو قانون الطوارئ، حيث خضعت لهما البلاد لما يقرب من نصف القرن العشرين، ومُنحت الحكومة المصرية عن طريقهما الحق في فرض الرقابة المسبقة على الكتب والصحف، ومصادرتها في أي وقت دون حاجة للجوء للسلطة القضائية. لذا يعتبر جهاز الرقابة المُسبقة على المصنفات الفنية، بشكل غير مباشر، سببًا في قلة عدد "الجرائم التعبيرية" الخاصة بالمجالات الفنية، التي تُوقَّع فيها عقوبة على المبدعين في مجالات الفنون، أو تُصادَر أعمالهم بعد ظهورها.
المثقف التعبوي
يتفق المؤرخ شريف يونس في أن توزيع الضغوط الرقابية لكل أداة فنية أو ثقافية كان متناسبًا مع مدى انتشارها أو "إعلاميتها". لذا أصبحت السينما والأغنية أقل المجالات الفنية تمتُّعًا بحُرية نسبية في ظل هذا المناخ. وظهرت الأغنية الوطنية وماكينة إنتاجها معبّرًا سريعًا عن تلك التطورات:
بصفة خاصة كانت الأغنية الوطنية النموذج الأمثل للتعاون "المُثمر" بين الضابط والفنان. فمثلًا نجح الشعراء والزجالون والمطربون والملحنون أثناء حرب 1956 في تلحين عشرات الأناشيد في ساعات، منها النشيد الوطني/العسكري واللـه زمان يا سلاحي، ولعب بعضها دورًا كبيرًا في التعبئة المعنوية بحيث استحقت التكريم في يونيو عام 1957. ولكن لم تكن تلك هي السابقة الأولى، فقد أجريت بروفة سابقة لـ"التلحين السريع" بمناسبة الاستفتاء على عبد الناصر كرئيس للجمهورية، وعلى دستور 1956. فتم تأليف وتلحين أغنية احنا الشعب في ساعات لتلحق بالمناسبة، وكانت أيضًا بصوت عبد الحليم حافظ. وفيما بعد أصبحت أعياد "الثورة" الرسمية، وعلى رأسها عيد الثورة نفسه، من المناسبات التقليدية لـ"التلحين السريع". وتطورت قدرات الفنانين في هذا المجال بشكل مذهل، بحيث استطاعوا في يوليو 1963 مثلًا أن يخلقوا من العدم 36 نشيدًا وأغنية وطنية في عشرة أيام لا غير، شهدت أيضًا انطلاق مطربيها لغنائها في عشرين حفلة مختلفة.
الاقتصاد الموجَّه للدولة وهيمنتها على مؤسسات وأدوات الإنتاج أخضعا العملية الفنية بكاملها لتخطيط من أعلى ثبت فشله الإداري فيما بعد
نشأت عن تكريس التحالف بين الفنانين والسلطة السياسية طبقة فنية تلتزم بخطوط السياسة الثقافية العامة، وتدرك أن ولاءها للنظام الحاكم ومحددات خطابه الأيديولوجي يمنحها، بالإضافة للمنافع المباشرة، مكاسب معنوية تمثلت في اعتراف الدولة واهتمامها وتكريمها. ونشأت صيغة ضمنية بين الدولة والفنانين مفادها أن حماية مجال عملهم من الهجوم الشعبوي والتيارات المحافظة ورجال الدين مرهونٌ باستمرارهم في دعم النظام ورؤاه، وتمريرها من خلال أعمالهم، والتزامهم بالأدوار التي تسند إليهم.
في الوقت نفسه، كان الاقتصاد الموجَّه للدولة وهيمنتها على المؤسسات وأدوات الإنتاج أخضعا العملية الفنية بكاملها لتخطيط من أعلى ثبت فشله الإداري فيما بعد.
بالإضافة للرقابة الصارمة على المحتوى، يُحمَّل الفنان والمثقف في هذا النموذج دورًا إرشاديًا وتعبويًا، ويُصاغ مفهوم حرية التعبير في إطار المسؤولية الاجتماعية كما عبّرت عنها كلمة الإرشاد القومي. بذلك تنتقل العلاقة بين الفنان/المثقف وجمهوره من "علاقة منتج ومستهلك لعلاقة أستاذ وتلميذ، تنشأ بينهما هيراركية، وتبقى الجماهير في نوع من القصور لا علاج له"، على حد تعبير جاكمون.
يمين.. يسار
التوجه نحو مزيد من التأميمات كان محمولًا على أكتاف نخبة يسارية صعدت ضمن التحولات الاشتراكية لاتجاه النظام، خصوصًا بعد الإفراج عن المعتقلين اليساريين والشيوعيين في بداية الستينيات، والسماح لهم بالنشاط داخل المؤسسات الثقافية والإعلامية. رأت تلك النُخب أن على السلطة السعي لتسييس جماهير الثورة ضمن حركة ثقافية شاملة في مقابل سيطرتها على الاقتصاد. وكانت مؤشرات الأزمة الاقتصادية بدأت في الظهور، بالتوازي مع تشققات الحكم وصراعات قياداته التي استثمرت في تغذية التطاحن بين مواليها من تيارات متعددة، ما بدا أنه عجزٌ عن فرض الاتساق والإجماع داخل أجنحة النظام المختلفة.
كانت إحدى العلامات المنذرة هي اكتشاف تنظيم سيد قطب داخل الإخوان المسلمين في 1965، الذي اعتبره النظام مدًّا يمينيًّا دالًّا على فشل احتواء أبناء الطبقة المتوسطة، التي راهن عليها الحُكم لكنه اكتشف أنها مثَّلت القوام الرئيسي للتنظيم القطبي. لذا كانت اللغة الداعية لتأميمات شاملة في مجالات الثقافة والفنون تزداد حدتها باسم تكوين الوعي الاشتراكي والنزول للجماهير. وعبّرت عن مزيج من الانخراط في تحقيق أهداف السياسة الرسمية، وتوظيف إسقاطات سلطوية من قِبَل هذه الطليعة القيادية التي اختلط فيها ماركسيون وقوميون واشتراكيون، لترفع خطابًا شعبويًّا استقطابيًّا بين ما أسموه ثقافة باسم الشعب تقابلها ثقافة باسم الرجعية، وبين الفنون التي تعمل لصالح الشعب وتلك التي تخدم الأفكار المضادة.
تختلط في هذا المزيج شعارات اشتراكية مع تفسيرات لرؤى الزعيم حول الطريق الثالث والحل الوسط المتمثل في اشتراكية مصرية تضع مسافة بينها وبين الاشتراكية السوفيتية أو الأوروبية باسم الأصالة والخصوصية الحضارية.
وكان التوسع في تبني شعارات الخصوصية الحضارية مرتبطًا بتبني النظام الناصري مشروع القومية العربية أيديولوجيًّا، بما فتحه ذلك المشروع من صراعات وتحالفات بينية بين الأنظمة القومية الصاعدة في المنطقة من ناحية (في مصر والعراق وسوريا)، وبينها وبين النظم "الرجعية"، خصوصًا في الخليج العربي، من ناحية أخرى. وكذلك بالسعي لتمدد الدور المصري الذي اعتبر عبد الناصر أن الفنون والثقافة ذراع رئيسية في تحقيقه.
ذراع النظام.. الدينية
لم تَخلُ المرحلة الناصرية من الرقابة الدينية المتمثلة غالبًا في اعتراضات يُقدِّمها رجال الأزهر، في امتداد لنهجهم التاريخي في التفاوض مع الحكم حول امتيازاتهم عبر رفع حدة الاستقطاب تجاه أعمال فنية أو اتجاهات جديدة في الشعر والأدب أو ممارسات اجتماعية متحررة. كانت قوانين إعادة تنظيم الأزهر والهيئات التي يشملها في 1961 وما سبقها من اشتداد العداء بين النظام وجماعة الإخوان المسلمين قد ساهمت في منح الأزهر سلطات موسعة كمؤسسة دينية رسمية.
ظهرت حملات صحفية على "الأغاني الخليعة" ووَجَّه عبد الحكيم عامر رجالًا من البوليس الحربي باستيقاف وحلق شعر رأس من يرقص "تشا تشا"
من ناحية أخرى، كان الأزهر بمثابة ذراع للنظام في مواجهة الشيوعية في مصر وخارجها في العراق، وكذلك داعمًا رئيسيًا في مواجهة الأنظمة "الرجعية" التي حاولت وصمه بنشر الإلحاد وتَبنِّي الشيوعية على النمط السوفيتي. كان رجال الأزهر الذي ضم شيوخه عددًا من الأعضاء السابقين بجماعة الإخوان المسلمين، مثل محمد الغزالي وسيد سابق، يمثلون جناحًا متشدّدًا داخل النظام، ومعهم رجال السلطة ذوو التوجهات المحافظة والمتطرفة أمثال كمال الدين حسين الذي أصبح رئيسًا للوزراء في 1961 ووزير الاقتصاد حسن عباس زكي الذي روَّج لنظرية خاصة عن الاشتراكية الإسلامية!
سيلعب هذا الجناح دورًا رئيسيًّا في الهجوم الكبير على نجيب محفوظ بعد نشر روايته أولاد حارتنا مُسلسلة في جريدة الأهرام، الذي سيتلقى بسببه اعتراضًا شفهيًّا رسميًّا على نشرها في كتاب داخل مصر، بعد مذكرة رفعها الشيخ محمد الغزالي لعبد الناصر تتهم الرواية بالطعن في الأنبياء. وفي عام 1965 تُصادَر رواية تلك الرائحة للكاتب صنع الله إبراهيم بسبب مشاهد اعتبرتها الرقابة جنسية، ثم يُعاد طبعها بعد حذف هذه المشاهد. كذلك خضع الكاتب فتحي غانم للتحقيق في مباحث الآداب بسبب بلاغ تقدم به كمال الدين حسين يتهمه بنشر الفسق والفجور في روايته البارد والساخن التي راسل رئاسة الجمهورية مُحتجًّا على السماح بنشرها.
شجَّع كمال الدين حسين حملات صحفية على "الأغاني الخليعة"، ووَجَّه عبد الحكيم عامر - بصفته وزير الحربية - رجالًا من البوليس الحربي باستيقاف وحلق شعر رأس من يجدونه في الأماكن العامة يرقص "تشا تشا"، أو يغني أغنية عبد الحليم حافظ "أبو عيون جريئة" 1961. كانت الأغنية قد تعرضت لهجوم صحفي لأن ضمائر المُخاطَب بها موجهة لرجل، ولا يجوز أن يغني رجل لرجل، رغم أنها العادة السائدة بالنظر لمعظم أغاني الرجال العربية!
في الوقت ذاته بدأ خطباء المساجد، ومعهم صحفيون وسياسيون، هجومًا على الشباب الذي يُقلِّد قَصَّات شعر جيمس دين، أيقونة فيلم متمرد بلا قضية (1955) الذي لقي مصرعه فجأة في حادث سيارة، وتأثر الشباب بهيئته المتمردة وملابسه (ومنهم عبد الحليم حافظ الذي ارتدى قمصانًا وقص شعره بشكل قريب منه في أفلامه). كانت الحملات الصحفية تتهم هؤلاء الشباب بالفساد والانحلال وتطالب بتجنيدهم "لتهذيبهم وتعليمهم الرجولة".
كذلك ثارت معارك دينية ضد تعبير "قَدَرٌ أحمق الخطى" في أغنية عبد الحليم حافظ لستَ قلبي (1967)، كما ثارت ضد أغنية لستُ أدري لمحمد عبد الوهاب، التي أعاد تقديمها عبد الحليم حافظ في فيلم الخطايا (1962). واتُّهم الشعر الجديد ممثلًا في صلاح عبد الصبور من لجنة الشعر بالمجلس الأعلى للفنون والآداب بهدم الطابع القومي واستخدام ألفاظ "من دين آخر غير الإسلام"، ما يُعتبر تهديدًا للقومية العربية التي تستند استمراريتها في رأي اللجنة إلى العمود التقليدي للشعر.
هنا تبدو مسألة دور الدولة في حماية الطبقة الفنية في مواجهة رجال الدين أو مجتمع محافظ محلًّا للتساؤل
كذلك اضطُّر عبد الحليم حافظ والشاعر عبد الرحمن الأبنودي لتغيير كلمات أغنية المسيح، ليتمكن من غنائها في مصر، بعدما أداها للمرة الأولى في لندن بقاعة ألبرت هول في حفل برعاية ملكية أردنية لصالح لاجئي عدوان 1967 من الفلسطينيين. لم تظهر الأغنية مطبوعة في تسجيلات إلا خلال التسعينيات، إذ منعت الرقابة طبع وإذاعة أغنيات عبد الحليم الوطنية في الفترة الناصرية طيلة عهد السادات وما بعده، حتى أعطى حسني مبارك الموافقة على طبعها، لتصدرها شركة صوت الفن في عدة ألبومات في ذكرى وفاة عبد الحليم حافظ السنوية.
هنا تبدو مسألة دور الدولة في حماية الطبقة الفنية في مواجهة رجال الدين أو المجتمع محافظ محلًّا للتساؤل. إذ استمرت التدخلات من جهات دينية في الرقابة على الأغاني والأفلام لأنها أصبحت مندمجةً ضمن قوانين الرقابة على المصنفات الفنية، كما أصبحت جزءًا من الهيئات البيروقراطية والوزارات التابعة للدولة والمنصوص على أدوارها دستوريًا.
كانت قوانين النقابات والرقابة على المصنفات الفنية التي صدرت بعد حركة يوليو قد أكسبت هذه المؤسسات منذ عام 1955 قدرة لا محدودة على التدخل في إجازة الأعمال الفنية من عدمه، واستخراج تصريحات العمل لكل أنواع النشاط الفني والتسجيل والتصوير السينمائي وإصدار الأسطوانات. احتوى قانون الرقابة المسبقة على الأعمال الفنية في ذلك الوقت عددًا من الصياغات المطاطية عن الدور الرقابي وصلاحياته، أصبحت مرجعًا لكافة القوانين التالية التي صدرت في هذا الصدد.
ذكر القانون المعايير الناظمة لتدخل الرقابة لمنع مصنفات سمعية أو بصرية وهي: التعريض بالأديان السماوية والعقائد الدينية، إظهار صورة الرسول أو سماع صوته، تغليب عنصر الرذيلة في سياق الأحداث أو عرض الرذيلة على نحو يشجع على محاكاة فاعليها، المشاهد الجنسية المثيرة أو مشاهد "الشذوذ" الجنسي والحركات المادية والعبارات التي توحي بذلك، عرض السكر وتعاطي الخمور والمخدرات على أنه شيء مألوف أو مستحسن، عرض الحقائق التاريخية، خصوصًا ما يتعلق منها بالشخصيات الوطنية بطريقة مزيفة أو مشوهة، التعريض بدولة أجنبية أو بشعب تربطه علاقات صداقة بجمهورية مصر العربية وبالشعب المصري، ما لم يكن ذلك ضروريًا لتقديم تحليل تاريخي يقتضيه سياق الموضوع، عرض المشكلات الاجتماعية بطريقة تدعو إلى إشاعة اليأس والقنوط وإثارة الخواطر أو خلق ثغرات طبقية أو طائفية أو الإخلال بالوحدة الوطنية.
