صورة موّلدة بواسطة نموذج الذكاء الإصطناعي DALL-E
تزامن صعود التمويل الاستهلاكي في مصر خلال السنوات الأخيرة مع موجات تضخم متلاحقة وتراجع متكرر في قيمة العملة، وهو ما انعكس مباشرة على دخول المواطنين.

تطبيقات التمويل الاستهلاكي.. الديون التي في جيبك

منشور الثلاثاء 20 كانون الثاني/يناير 2026

باتت مصر سوقًا جاذبة لشركات التكنولوجيا المالية/FinTech التي تتسابق لتقديم خدمات "اشتر الآن وادفع لاحقًا". غيَّرت شركات القروض الاستهلاكية الرقمية السريعة مشهد إقراض الأفراد؛ الآن يستطيع المواطن بضغطة زر واحدة الحصول على تمويل شبه فوري لشراء موبايل أو سلعة معمرة أو حتى البقالة على أقساط تمتد لعام أو أكثر.

تخفي هذه الحداثة المالية والتسهيلات الرقمية تداعيات اجتماعية واقتصادية. فمن جهة، يوسع التمويل الاستهلاكي الرقمي فرص الشراء بالتقسيط ويمنح الأسر متنفسًا مؤقتًا، ومن جهة أخرى يدفع كثيرين إلى الاعتماد المزمن على الديون ويحوّل احتياجاتهم اليومية إلى مصدر ربحٍ دائمٍ لشركات التمويل.

الدَّيْن تعويضًا عن تدني الدخول

مع اتساع الفجوة بين الأسعار والأجور، في ظل موجات التضخم المتلاحقة، تراجعت القدرة الشرائية وعجزت ملايين الأسر عن تأمين احتياجاتها الأساسية اعتمادًا على الدخل الشهري ما ساهم في صعود خدمات "اشتر الآن وادفع لاحقًا".

لجأ كثيرون إلى الاستدانة لتغطية العجز، وانتشرت طرق جديدة تصل بها القروض إلى الناس؛ فلم يعد القرض إجراءً يمر عبر أوراق وضامن ومشاوير للبنك، إنما أصبح زرًا على صفحة الشراء نفسها وخيارًا حاضرًا عند دفع محتويات عربة التسوق أونلاين، يَعِد الناس بحل فوري مقابل التزام ممتد.

سابقًا اعتمد المصريون على أشكال غير رسمية من الاقتراض مثل الجمعيات والاستدانة من الأقارب والمعارف، أو الشراء "شُكُك/عَ النوتة". لكن الشركات التي تُقدّم خدمات "اشتر الآن وادفع لاحقًا"  أتاحت القرض الصغير بسرعة وسهولة بما يغطي المشتريات اليومية التي لا تحتمل التأجيل، لتتحوَّل الديون إلى أداة تعويض لتدني الدخل عن طريق اقتطاع جزء منه بشكل ثابت مع فوائد ورسوم لإتمام عمليات شراء ملحة، بما يضيف عبئًا جديدًا على ميزانية الأسرة ويجعل استقرارها المالي أكثر هشاشة.

في النسخة الرقمية من الديون، يمتدُ التأثير إلى إدارة العلاقة نفسها عبر التطبيقات، بدءًا من التذكير بمواعيد السداد ومرورًا باحتساب الغرامات، وانتهاءً بالعروض الجديدة والإغراءات بتمويل إضافي، بما يجعل دورة الدين أشد التصاقًا بالمعيشة ذاتها.

الشمول المالي أم التوريط المالي؟ 

تقدّم الدولة والشركات صعود خدمات التكنولوجيا المالية والقروض الاستهلاكية الرقمية السريعة باعتبارهما علامتين على تحديث المنظومة المالية؛ فالتمويل أصبح أقرب إلى الناس، وشمل من لم تصلهم البنوك من قبل.

يُصوِّر هذا الخطاب تطبيقات التكنولوجيا المالية بوصفها أدوات تمكين، ويُعرَّف السرعة والسهولة باعتبارهما فضائل اجتماعية واقتصادية وليس اختيارات تجارية، ويُروَّج للتقسيط حلًا يخفف الضغط عن الأسر ويمنحها مساحة للتنفس في اقتصاد متقلب.

يزداد حضور هذه الرواية لتزامنها مع سياسات رسمية أوسع تستهدف توسيع التعاملات المالية الرسمية مثل الدفع الإلكتروني والمحافظ الرقمية ومحاولات إدخال شرائح جديدة إلى القنوات المالية الرسمية، وفي هذا السياق تبدو شركات التقسيط حليفًا طبيعيًا للدولة، فهي تملك التقنية وقنوات الوصول، والدولة تروج لخطاب الشمول المالي بوصفه هدفًا تنمويًا.

غير أن الواقع يثبت كذب هذه السردية، فالشمول في أحد وجوهه لا يعني فقط وصول الناس إلى الخدمات، إنما وصولهم إلى علاقة مديونية أكثر انتظامًا وخضوعًا لقواعد السوق. فبدلًا من حل أزمة تدني الدخول، يُعاد هيكلتها لتُدار الفجوة بين الأجر والأسعار عبر الائتمان، فتتحول حاجة الناس اليومية إلى التزام مؤجل يُسترد بفوائد ورسوم، مشروطًا بالقدرة على السداد المتواصل في واقع اقتصادي هش.

في هذا النموذج، لا يظل الدين مسألة بين شركة تقسيط وعميل يسدد شهريًاـ فالشركة الدائنة قد تجمع مئات الآلاف من الأقساط في محفظة ديون واحدة، ثم تستخدمها للحصول على أموال جديدة من السوق.

عمليًا، يجري تحويل هذه الأقساط المستقبلية إلى ورقةٍ ماليةٍ يمكن بيعها أو الحصول على تمويل بضمانها، فيحصل الطرف المموِّل على عائد، وتحصل الشركة على سيولة فورية تمكّنها من منح قروض وتقسيط جديد لمزيد من العملاء.

بهذا تصبح أقساط الناس جزءًا من سلسلة أوسع، تبدأ من المستهلك وتمتد إلى الشركة، ثم إلى مستثمرين يشترون هذه المحافظ أو يمولونها. بالتالي فإن اتساع التعثر في السداد، مثلًا، لا يبقى محصورًا داخل الشركة وحدها، بل تنتقل آثاره إلى الجهات التي موّلت أو اشترت هذه الديون.

هنا لا تكون القضية مجرد خلاف بين عميل وشركة، لكن ضغطًا يمتد إلى أطراف مالية أخرى، وقد يرفع مستوى المخاطر على السوق كله.

الخوارزميات المنحازة

لم يكن انتشار  خدمات "اشتر الآن وادفع لاحقًا" على هذا النطاق ممكنًا لولا تحوّل حاسم شهده قلب التكنولوجيا المالية، فالتطبيق لا يشترط الحصول على سجل بنكي للعميل قبل أن يقدم له خدمات التمويل، ويتعامل مع المستخدم باعتباره نمطًا سلوكيًا يمكن قراءته وتحويله إلى درجة رقمية.

في هذا السياق، تظهر فكرة البيانات البديلة بوصفها الوقود الجديد للإقراض الرقمي. فبدلًا من أن يكون التاريخ الائتماني التقليدي بوابة الدخول، يصبح الموبايل نفسه بوابة تقييم عبر تحليل انتظام دفع الفواتير ونمط الإنفاق وتكرار الشراء ونوع المعاملات، وتفاصيل صغيرة قد تبدو بلا معنى لكنها تُستدعى داخل الخوارزمية إشاراتٍ على الاستقرار أو التذبذب. بهذه الطريقة يُصنع لكل مستخدم ملف رقمي ديناميكي، يتغير مع كل عملية دفع أو شراء أو تأخر.

كلما زادت الخدمات التي يجمعها التطبيق في مساحة واحدة (شراء، دفع، تحويلات، وربما ادخار) زادت قدرته على رسم صورة تفصيلية عن الحياة المالية اليومية. ومع هذه الصورة تتوسع سلطة التصنيف، ليتحول التمويل الرقمي إلى نظام فرز ناعم، يقرر من يستحق التسهيل ومن يظل محاصرًا في شروط أشد قسوة. 

هذا الفرز والتصنيف لا يقع في فراغ اجتماعي. الخوارزمية تميل، بحكم منطقها، إلى مكافأة أنماط الاستقرار التي تقترب من سمات الطبقة الوسطى المستقرة ذات الدخل المنتظم والمدفوعات التي يمكن التنبؤ بها والتزام بمواعيد السداد.

أما من يعيش على دخل متقطع أو يواجه ظروف عمل مضطربة أو تتأرجح مصروفاته، فقد يصنفه النظام بوصفه عالي المخاطر، لأن حياته أقل قابلية للقياس. وهنا يظهر التمييز، فالفقر نفسه الذي يدفع إلى التمويل يصبح سببًا لحرمان صاحبه من شروط عادلة، أو لإغراقه في شروط أشد.

وعود التكنولوجيا وقيود الواقع

قد تبدو تطبيقات "اشتر الآن وادفع لاحقًا" مجرد تطور تقني. لكن البساطة هذه ما هي إلا طريقة لإعادة تشكيل الوعي بالسعر وبقرار الشراء، ليتحول الإجمالي إلى قسط صغير، وتُختزل المفاضلة إلى نقرة، وتُستبعد أسئلة أعمق عن القدرة الفعلية على احتمال الدين، وعن سبب تحوّل الاحتياج اليومي إلى التزام مستقبلي طويل.

مع توسّع هذه المنصات، تحولت إلى وسيط يتحكم في عملية الشراء نفسها، فالأرباح تأتي عبر عمولات تُقتطع من كل عملية، والقدرة على توجيه المستهلك نحو سلع أو متاجر بعينها عبر ترتيب العروض وإبرازها داخل التطبيق، حتى التاجر فعليه أيضًا الخضوع للمشاركة في الحملات ليظهر ويبيع أكثر، وإلا يتراجع حضوره ويصبح وصوله إلى الزبائن أصعب.

في سياق الأزمات الاقتصادية وتدني الأجور وانتشار الفقر، لا يمكن فهم صعود خدمات "اشتر الآن وادفع لاحقًا" في مصر بوصفها مجرد تحديث مالي أو ابتكار تقني محايد. ما يحدث فعليًا هو إعادة تنظيم الفجوة بين الأجور والأسعار عبر الدين، بحيث تتحول الأزمة المعيشية من مشكلة دخل وسياسات إلى التزام فردي طويل الأجل تُديره التطبيقات، وتُسعّره الرسوم والغرامات، وتُنعشه وتعيد إنتاجه العروض.

وبينما يُقدَّم ذلك تحت لافتة الشمول المالي، فإن الشمول هنا عادةً ما يعني إدخال شرائح أوسع في علاقة مديونية أكثر انضباطًا وخضوعًا لمنطق السوق، لا إدخالها إلى حماية اجتماعية أو عدالة اقتصادية.