حوار| سفير إيران بالقاهرة: لسنا فنزويلا ولا العراق
الاحتجاجات المشروعة تحولت إلى "فوضى".. ومندسون أطلقوا الرصاص على الأمن والمتظاهرين
"الديمقراطية لا تُفرض بالقوة، ولا تُستورد من الخارج، والشرعية تُبنى بالحوار، وبصناديق الاقتراع"؛ يلخص السفير مجتبى فردوسي بور، رئيس مكتب رعاية المصالح الإيرانية في القاهرة، في حوار خاص مع المنصة، رؤية حكومة طهران وموقفها من الاحتجاجات التي شهدتها بلاده في ديسمبر/كانون الأول الماضي.
بدأت الاحتجاجات الأخيرة في إيران بتحركات نظمها التجار في سوق الهواتف والإلكترونيات تنديدًا بمستوى التضخم وتدني قيمة العملة، قبل أن تمتد إلى الطلاب والمواطنين الذين خرجوا بعشرات الآلاف، لتتسع رقعة الاحتجاجات وتخرج من العاصمة إلى محافظات أخرى.
بداية مشروعة وعناصر مندسة
بينما تجددُ الاحتجاجاتُ التساؤلاتِ حول شرعية النظام الإيراني من جهة، تتصاعد التهديدات الأمريكية - الإسرائيلية بإسقاط النظام من جهة أخرى، وهي تهديدات يراها فردوسي بور تتجاوز حدود الضغط السياسي التقليدي إلى "محاولة إعادة هندسة موازين القوى في الشرق الأوسط".
يؤكد أنها لا تستهدف إيران فقط، بل هي جزءٌ من "مشروع أوسع لإعادة ترسيم خرائط النفوذ وإضعاف مفهوم الدولة الوطنية في الإقليم".
حديث فردوسي بور عن "مؤامرة" خلف الاحتجاجات الأخيرة لا يمنعه من الاعتراف بـ"شرعية" مطالب المحتجين الاقتصادية والاجتماعية التي رفعوها في الأيام الثلاثة الأولى من احتجاجاتهم، التي "شاركت فيها شرائح من المجتمع المدني، إلى جانب تجار ومستثمرين تضرروا من الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد الإيراني، خاصة مع تعدد أسعار صرف العملات الأجنبية وما ترتب عليه من ضغوط تضخمية أثّرت سلبًا في مناخ الاستثمار والقدرة الشرائية للمستهلكين"، على حد تعبيره.
لكن السفير الإيراني يرى أن الاحتجاجات "المشروعة" تحولت إلى "فوضى" بعد الأيام الثلاثة الأولى، مشيرًا إلى أن "أجهزة استخبارات أجنبية، وعلى رأسها الموساد ووكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية اخترقت حركة المحتجين عبر مندسين وعناصر مسلحة أطلقت الرصاص على متظاهرين ورجال أمن وخربت الممتلكات"، وخلقت "وضعًا فوضويًا أجج الغضب وهدد الاستقرار الداخلي".
بهذا التحول في هدف الاحتجاجات، يبرر فردوسي بور قرار السلطات في طهران قطع الإنترنت، مشيرًا إلى أن القرار جاء "لمواجهة اختراقات مسلحة مدعومة خارجيًا، استهدفت تأجيج العنف وحرق المساجد والبنوك".
ويفرق بين من وصفهم بـ"المعارضة الوطنية الحقيقية"، التي "تعمل وفق الدستور والقانون، وتطالب بالعدالة، ومكافحة الفساد الاقتصادي، وتحقيق التنمية، وتسعى لتماسك الشعب والاحتكام إلى صناديق الاقتراع"، وهي معارضة "ليس للنظام مشكلة معها"، بل على العكس "يسعى لفتح حوار مؤسسي معها".
أما النوع الثاني من المعارضة، حسب السفير الإيراني، فهم "المخربون والمروجون لأجندات الخارج"، ويقول "هؤلاء لهم قول آخر، إذ نتعامل معهم أمنيًا وقانونيًا".
وحجبت السلطات الإيرانية خدمات الإنترنت منذ 8 يناير/كانون الثاني الجاري بالتزامن مع اتساع نطاق الاحتجاجات التي شهدتها البلاد، وفي 23 يناير، أي بعد نحو أسبوعين، أفادت وكالة أنباء "فارس" الإيرانية بأن خدمة الإنترنت ستعود في غضون يومين، بعدما صادق المجلس الأعلى للأمن القومي على إعادة تشغيلها، إلا أن الإنترنت لم يعد حتى اليوم 27 يناير، ونقلت الوكالة عن مصدرٍ تأكيده أن عودة الإنترنت ستستغرق وقتًا "نظرًا للتعقيدات التقنية".
استراتيجية إنهاك "صهيو-أمريكية"
لم تكن إيران والولايات المتحدة في حالة عداء دائم، ففي 2016، نشرت صحيفة الجارديان البريطانية وثائق كشفت أن إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر هي من مهّدت الطريق لعودة آية الله الخميني من فرنسا إلى إيران، ومن هذه الوثائق رسائل تبادلها الخميني مع الإدارة الأمريكية "للتأكد من أن واشنطن لن تجهض خطته الخاصة بالعودة إلى طهران"، وفي إحدى رسائله قال الخميني "سترون أننا لسنا على عداء مع أمريكا في أي شيء".
تغيرت الأمور بعد وصول الخميني إلى السلطة وبدأ في وصف أمريكا بـ"الشيطان الأكبر"، ثم جاء حادث اقتحام السفارة الأمريكية في طهران لتبدأ إيران فصلًا جديدًا في علاقتها مع الولايات المتحدة، إذ فُرضت عليها عقوبات اقتصادية منذ نوفمبر/تشرين الثاني 1979 لا تزال سارية حتى الآن.
وفي 1984، صنّفت أمريكا إيران "دولة راعية للإرهاب"، بعد اتهامها بالضلوع في تفجير ثكنات مشاة البحرية الأمريكية في بيروت 1983، وصعدت الولايات المتخدة من عقوباتها بقرارات متتالية، وفي 2006 انضم المجتمع الدولي للعقوبات بسبب برنامج طهران النووي.
يضع فردوسي بور الاحتجاجات الأخيرة ضمن صراع الغرب الطويل مع بلاده منذ الحرب العراقية - الإيرانية، مرورًا بمحاولات التدخل العسكري مثل عملية صحراء طبس التي استهدفت تحرير رهائن أمريكيين في طهران، وصولًا لحرب الاثني عشر يومًا التي شهدت أول مواجهة عسكرية مباشرة بين طهران وتل أبيب، لكنه يعود ويؤكد أن هذه الإجراءات "عززت التماسك الداخلي وأعادت إنتاج النظام في لحظات الأزمات".
يربط السفير بين نجاح الثورة الإيرانية وما تتعرض له من ضغوط، ويقول إنه "منذ انتصار الثورة الإسلامية، لم تغب إيران يومًا عن خرائط الاستهداف الصهيو - أمريكي عبر استراتيجية إنهاك طويلة الأمد"، مشيرًا إلى "اعتمادهما على المزج بين الضغوط الاقتصادية والسياسية والعزل الدولي وتوظيف المعارضين في الخارج، والحديث المتكرر عن تغيير النظام".
جلبت العقوبات تداعياتٍ متتاليةً على الاقتصاد الإيراني تفاقمت في السنوات الأخيرة، فقبل الاتفاق النووي عام 2015، كان الدولار يعادل نحو 32 ألف ريال إيراني، ارتفع مع عودة العقوبات الأمريكية عام 2018 إلى 55 ألف ريال للدولار، وواصل الانهيار إلى أن بلغت قيمة الدولار مليونًا و250 ألف ريال بداية ديسمبر/كانون الأول الماضي، ومع تصاعد الاحتجاجات أواخر الشهر نفسه، ارتفع إلى نحو مليون و400 ألف ريال للدولار الواحد.
ورغم الانعكاسات الواضحة للعقوبات على الأحوال المعيشية للإيرانيين وارتفاع الأسعار، يرى فردوسي بور أن بلاده "قوية"، لأن تلك العقوبات "لو فرضت يومًا واحدًا على دولة أوروبية، لانهارت، إلا أنها لم تُفضِ إلى تحقيق هدفها المركزي بإسقاط الثورة الإيرانية"، بل إن هذه الإجراءات "عززت التماسك الداخلي وأعادت إنتاج النظام في لحظات الأزمات".
ويربط "هذا الصراع المستدام مع الجمهورية الإسلامية برؤية أوسع لنموذج دولة تسعى للاستقلال السياسي والاقتصادي ورفض التبعية"، في مواجهة قوى كبرى تعتبر هذا النموذج "خطرًا وتحديًا بنيويًا لمنظومة الهيمنة التي كرّست نفوذها على الشرق الأوسط وأحكمت قبضتها على النظام الدولي لعقود".
رهانات خاسرة
مع تصاعد الاحتجاجات برز اسم رضا بهلوي، نجل شاه إيران السابق، الذي قامت عليه الثورة الإسلامية نهاية السبعينيات. كتب بهلوي عدة بوستات عبر حسابه على إكس يدعم من خلالها الاحتجاجات، وأبدى استعداده للعودة من الولايات المتحدة و"قيادة مرحلة انتقالية جديدة تقوم على الديمقراطية". غير أن فردوسي بور يراه "بلا تأثير في الشارع الإيراني وحتى بين أفراد عائلته".
ورغم أن الزعيم الروحي للثورة الإسلامية آية الله الخميني كان أحد معارضي الخارج، يعتبر السفير الإيراني أن التعويل على المعارضة المنفية وعقد مقارنات تاريخية مع أنظمة سابقة سقطت بسهولة في الشرق الأوسط لافتقادها الشرعية الشعبية، "لا يعكس الواقع الاجتماعي والسياسي داخل إيران"، ما يجعل "مساعي إسقاط النظام أقرب إلى رهانات سياسية متكررة خاسرة".
لا يرى فردوسي بور أن من يسميهم "مرتزقة وأدوات بيد الولايات المتحدة والكيان الصهيوني" في الداخل أو الخارج "يمثلون صوت الشعب. فهم لا يمتلكون أي امتداد حقيقي داخل المجتمع الإيراني، وليس لهم تأثير على الشارع، وهذا ما اعترف به ترامب نفسه".
ويشدد على أن بلاده "بددت أوهام منطق الإكراه الأمريكي وكشفت زيف نماذج المعارضة السياسية المستوردة من الخارج، التي لا تعكس واقع إيران اليوم، بل تعكس رغبةً خارجيةً في محاكاة النموذج الغربي للديمقراطية قسرًا أو استدعاء ماضٍ انتهى، ومحاولة إحيائه سياسيًا بما لا يتوافق مع رغبة الأغلبية".
ليست العراق أو فنزويلا
يقر فردوسي بور بوجود معارضة تطالب بتغيير النظام الإيراني وتقول إنه "ديكتاتوري"، لكنه يرفض "محاكاة النموذج الغربي للديمقراطية"، لأن "النظام قائم على أيديولوجيا واضحة اختارتها الأغلبية، وهذا مفهوم الديمقراطية، وهناك إطار شامل للتماسك حولها على مبدأ مشاركة جميع الأطياف"، معتبرًا أن النظام يستوعب الأطياف القومية، والطائفية، والإثنية، والعرقية، ويجري حوارات معهم، وأن هذا "نموذجنا الخاص في الديمقراطية الذي يتناسب مع هويتنا، ولن نحاكي النموذج الغربي قسرًا".
وفي إطار حديثه عن التعددية وأثرها على بنية النظام من الداخل، يشير إلى أن "أمريكا وإسرائيل ارتكبتا أخطاء استراتيجية لجهلهما بالمجتمع الإيراني وبنيته التي تراعي التعددية الإثنية والتباينات الطبقية"، معتبرًا أن "الوعي الشعبي يجعل التناقضات تدار داخل الإطار الوطني، ولا تتحول إلى أدوات تفكيك، كما حدث في تجارب إقليمية أخرى".
يكرر السفير فردوسي بور نفس ما قاتله أنظمة سابقة وهي على وشك السقوط، فبينما يعتقد بوجود "مقاربة جزئية" بين بلاده وما حدث في فنزويلا والعراق، يعود ليؤكد "وجود فوارق كبيرة أيضًا"، مشيرًا إلى أن بلاده "لا تشبه العراق وفنزويلا وبعض أنظمة الشرق الأوسط التي سقطت بسبب استسلامها للتبعية الأمريكية وعدم تحصنها بالشعوب"، متوقعًا "فشل رهانات التفجير الداخلي"، لأن هناك "عداءً عقائديًّا وسياسيًّا، فإيران تصنف، في الرؤية الأمريكية والإسرائيلية، كتهديد وجودي، لا يمكن احتواؤه بسهولة، ولا إخضاعه بأدوات الاستنزاف التقليدية".
المخاطر الجسيمة وحلول النظام
خلال الحديث، أكد السفير مرارًا على "تماسك" نظام بلاده و"اختلاف" وضعه عن دول أخرى استطاعت أمريكا إسقاطها، مشيرًا إلى أن التهديدات التي تواجهها طهران "ليست ظرفية، بل ذات طابع بنيوي، يجمع بين البعد العقائدي والمصلحة الجيوسياسية"، لافتًا إلى "التقاء الصهيونية المسيحية مع المشروع الصهيوني، لمحاولات إخضاع إيران، أو تفكيكها، أو إعادة إنتاجها كدولة تابعة".
ويراهن على قدرات النظام التي "حوّلت العقوبات إلى عامل إعادة هيكلة وتوجيه لسلاسل الإمداد، عبر تنويع الشركاء وتطوير صناعات محلية استراتيجية، وخلق اقتصاد مقاومة، لا اقتصاد عزلة".
كما يشير لسعي الحكومة "لاحتواء الغضب من خلال حوارات جارية بين مسؤولين رفيعي المستوى عبر البرلمان، والسلطات القضائية، والحكومة، ومختلف المسؤولين المحليين من مختلف الجهات. فهناك مساعٍ لإطلاق طاولة حوار تجمع المعارضة السلمية الحقيقية ذات الأهداف الوطنية".
وعلى مستوى المعالجات السياسية، يلفت فردوسي بور إلى الاستعداد لانتخابات المجالس البلدية؛ "بدأ التسجيل بها منذ أقل من خمسة أشهر، والصناديق ستشهد مفاجآت، وستبعث برسائل قوية للعدو تجاه الجمهورية".
أما اقتصاديًا، فيشير إلى حوارات جارية مع المسوقين ورجال الأعمال والمستثمرين، وقال إن حكومة الرئيس مسعود بزشيكان "أقرت برنامجًا إصلاحيًا اقتصاديًا عاجلًا، يتصدره توحيد سعر الصرف وتعزيز الإنتاج المحلي، لمعالجة الاختلالات التي ألحقتها العقوبات وتعدد أسعار العملات بالأسواق والمستثمرين، مع فتح قنوات حوار مؤسسية مع القطاعات المتضررة لاحتواء مطالبها المشروعة".
انفتاح على العرب
مع الضغوط الأمريكية والإسرائيلية وتصاعد الاحتجاجات، يرى فردوسي بور أن الانفتاح على الدول العربية والإسلامية "يشكل ركيزة أساسية وخيارًا استراتيجيًا"، لافتًا إلى أن دستور بلاده يمنح أولوية لذلك "انطلاقًا من القواسم المشتركة الثقافية والدينية، ومن إدراك أن الخطر الأكبر على الجميع هو المشروع التوسعي الإسرائيلي".
ويؤكد على ضرورة تعزيز التعاون الأمني مع دول الإقليم، خاصة بعد التطورات التي تلت السابع من أكتوبر، والاعتداءات والتهديدات التي طالت دولًا عدة، قائلًا "نحن في خندق واحد أمام عدو مشترك، والتعاون الأمني بات ضروريًا".
يتحدث فردوسي بور بشكل خاص عن مصر معتبرًا أنها "دولة متنبهة لحجم المخاطر"، بينما يؤكد على أن التفاهمات مع السعودية والانفتاح المتدرج معها "ليس خطوة تكتيكية، بل جزء من رؤية أوسع لبناء أمن إقليمي جماعي يقوم على الشراكة لا على الاستقطاب".
وينوه بأنه "حتى في فترات القطيعة السياسية، لم تنقطع قنوات الحوار النخبوي، فالخلافات قابلة للإدارة إذا توفرت الإرادة".
تسعى إيران إلى سياسة خارجية مع الدول العربية خاصة مصر والسعودية قائمة على "التوازن الحذر والمصالح المشتركة"، وطبعت طهران علاقتها مع الرياض بعد سنوات من المقاطعة في مارس/آذار 2023 برعاية صينية.
في الوقت ذاته تعمل على تحقيق تقارب تدريجي مع القاهرة، وفي يونيو/حزيران الماضي قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن العقبة الأخيرة في العلاقات مع مصر ستزال قريبًا وربما خلال الأسابيع المقبلة.
يختتم السفير حواره مع المنصة بتوجيه رسالة إلى العالم، لـ"احترام إرادة الشعوب، وصوت الصندوق الإيراني ورفض توظيف الأقليات والمجتمعات لخدمة مشاريع الهيمنة".