إشارات من الهند عن اقتصاد ما بعد العولمة
منذ أكثر من عقدٍ، وبمجردِ وصوله لسدة الحكم، أطلق رئيس الوزراء الهندي، اليميني القومي، ناريندرا مودي، حملةً قوميةً لإحلال الواردات. ما يبدو غريبًا ليس فقط تراجع هذه السياسات منذ ثمانينيات القرن الماضي، لكن أيضًا ارتباطها بمشروعات اليسار في حقبة ما بعد الاستقلال. وعلى الرغم من أن أصواتًا عديدةً التقيتها في الهند لا تتحمس كثيرًا لنتائج هذه المبادرة، فما يحققه هذا البلد من تقدم لا يمكن التقليل منه أو تجاهله، بل إن هذه السياسة باتت تعكس واقعًا لعالم جديد، تعود فيه فكرة الاكتفاء الذاتي إلى الصدارة بعد أن أوهمتنا الدعاية النيوليبرالية بأنها لا لزوم لها. بتعبيرٍ آخرَ سياسةُ مودي واحدة من الملامح الأساسية للحقبة الحالية التي يمكن أن نطلق عليها "ما بعد العولمة".
أيديولوجيات متصارعة في الهند
أتيحت لي فرصة زيارة الهند هذا العام والإقامة بها نحو شهر في إطار التعاون الأكاديمي مع إحدى الجامعات بالجنوب في بنجالور، المدينة المعروفة بـسيليكون فالي الهند بفضل تركز الصناعات والخدمات عالية التقنية بها، بما يقدم نموذجًا مهمًا لقدرة البلدان النامية على التنافس على هذا النمط من الصناعات الذي تهيمن عليه الاقتصادات الكبرى.
في خضم الإقامة هناك، عَقدتُ لقاءات مع أساتذة جامعيين وصحفيين وناشطين وسياسيين وتكنوقراط في مجالات الاقتصاد والمال. كثيرٌ منهم انتقد ما يجري في بلادهم من زوايا متعددة، بينما كان شغلي الشاغل محاولة فهم أبعاد ما يتحدثون عنه مع حجم التعدد والاختلاف في هذا البلد الذي يعيش فيه نحو 1.4 مليار نسمة ويتحدث أكثر من 20 لغة.
مع تركيزي الإرادي، وفي بعض الأحيان اللا إرادي، على الاقتصاد السياسي، لم أستطع إغفال وجود اتجاهين متعارضين في مجال التجارة والتصنيع.
الاتجاه الأول، وهو الأقرب للسياسات النيوليبرالية الصاعدة منذ الثمانينيات التي تروج لفكرة جذب جزء من مراحل التصنيع التي تقوم بها الشركات العالمية الكبرى إلى البلدان النامية، لكي يصبح البلد جزءًا من حلقات إنتاج منتشرة جغرافيًا، تنتهي إلى صناعة السلع التي يستهلكها الغرب المتقدم، وهكذا يجد العالم النامي لنفسه فرصةً في الثراء بالاعتماد على عوائد التصدير.
تنسبُ الحكومة الهندية لنفسها الفضلَ في توطين الصناعة مع ما منحه مودي من إعفاءات ضريبية ودعم للبحث العلمي والابتكار
تبدو النيوليبرالية حاضرةً بقوة في الهند إلى اليوم، خصوصًا بعد اتجاه شركة بحجم أبل الأمريكية مؤخرًا للتصنيع هناك، مع زيادة فرصِ هذا التوجه في الفترة الأخيرة بفضل الحرب التجارية وما خلقته من توتر بين الولايات المتحدة والصين، فأبل هناك من أجل تجنب العقوبات الأمريكية على الصين.
لكنَّ ثمةَ توجهًا آخر لا يقل أهمية يدعو للاعتماد على المستثمرين المحليين في تعميق الصناعة بهدف الاكتفاء الذاتي، الذي يبدو واضحًا في الخطاب الحكومي هناك، إذ تتحدث الحكومة عن زيادةٍ في إنتاج الهواتف المحمولة 28 ضعفًا منذ بدأت حملة "اصنع في الهند" في 2014، وإحلال واردات بنسبة 60% في قطاع الاتصالات، وصناعات ناهضة في مجال المعدات الطبية وغيرها.
تنسب الحكومة لنفسها الفضلَ في هذا التوطين للصناعة، مع ما منحه مودي من إعفاءات ضريبية ودعم لموازنات البحث العلمي والابتكار، وغيرها من الامتيازات.
آراء مختلفة في بلدٍ متعدد
يرى بعض ناقدي سياسات حكومة مودي أن هذا الخطاب لا يعدو كونه دعايةً في أوساط الناخبين ذوي التوجه القومي، ولا ينسجم مع رهانات الاقتصاد الهندي على النموذج النيوليبرالي الذي يهدف إلى احتلال موقع أفضل في سلاسل القيمة العالمية، خاصة في القطاعات التي تتميز فيها مثل الاقتصاد الرقمي.
لكن من واقع مشاهداتي وقراءاتي، لا يقتصر خطاب توطين الصناعة على الدعاية السياسية. دافعي لهذا الرأى بالطبع ليس حماسي لمودي، لكن لأن هناك عوامل مادية تفسر لنا بسهولةٍ لماذا يهتم هذا الرئيس اليميني بإحلال الواردات.
من أهم هذه العوامل الكثافة السكانية الضخمة للهند، ما يعني ببساطة سوقًا محليةً كبيرةً تستطيع استيعاب صناعات وطنية جديدة، ويمكّنها من تحقيق معدلات عالية من التراكم.
هناك أيضًا حسابات أمنية وجيوسياسية لهذا التوطين، على رأسها مخاوف الهند من التبعية التكنولوجية للصين، كما أن نموذج النمو الاقتصادي المعتمد على التصدير بدا محفوفًا بالمخاطر التي تجلت بالفعل في استهداف ترامب للصادرات الهندية بتعريفات جمركية مرتفعة للضغط على نيودلهي للتخلي عن استيراد النفط الروسي.
تنبئ سياسة مودي لإحلال الواردات بإدراك النخبة الحاكمة في هذا البلد لحجم وعمق التغير الذي طرأ على العالم
رغم كل هذه الاعتبارات، فإن المتشككين في قدرة مودي على تحقيق ما يصبو إليه، سواء فيما يتعلق بتحسين وضع الهند في الاقتصاد العالمي أو في استراتيجيات الاعتماد على الذات والتصنيع المحلي، يشعرون بالقلق من المصاعب المؤسسية التي قد تعوق سياسة التوطين، والمتعلقة بمدى قدرة أجهزة الدولة في المدى الطويل على تمهيد الطريق أمام القطاع الخاص.
عصر ما بعد العولمة
على أي حال، لا تعنيني كثيرًا قدرة الهند على تحقيق ما تبتغيه على صعيد وضعها العالمي اقتصاديًا أو جيوسياسيًا، إنما ما يثير الانتباه هو حضور سياسات موروثة من يسار الستينيات في اقتصاد بهذه الضخامة وبهذه الأهمية.
تنبئ سياسة مودي لإحلال الواردات بإدراك النخبة الحاكمة في هذا البلد لحجم وعمق التغير الذي طرأ على العالم في العقد الماضي، خاصة مع تراجع الرهانات على العولمة الاقتصادية على وقع أزمة وباء كورونا ثم تصاعد المواجهات والتوترات العسكرية بين دول كبرى، وصعود الاعتبارات الأمنية والجيوسياسية على حساب اعتبارات الربح أو التنافس في الأسواق العالمية.
ربما لا تزال بعض ملامح نيوليبرالية التسعينيات قائمةً في الاقتصاد العالمي؛ في مجالات مثل التجارة والاستثمار العالميين، لكن بات واضحًا أن هذه القنوات والتدفقات أصبحت خاضعة بشكل متزايد لتدخلات الدول، وهذه التدخلات مدفوعة بحسابات غير اقتصادية تعلي من قيمة الأمن والتنافس الجيوسياسي، وفي هذا الخضم يزداد الرهان على الأسواق المحلية والاستثمار المحلي وبناء قدرات صناعية موجهة للداخل.
باختصار، يشهد اقتصاد الهند تعدديةً من نوع غريب، تشبه التعدد الثقافي الهائل لشعبه، حيث تتعايش النيوليبرالية وسياسات مناهضة التبعية سويًا، ما يمثل مدخلًا مهمًا لفهم الاقتصاد العالمي، فنحن نتحدث عن بلد صعد إلى مرتبة رابع أكبر اقتصاد في العالم بعد أن تخطى اليابان في 2025.