سماع خبرة الإدمان مع أشباح The Thirteenth Step
كمدمن متعافٍ، أحترم خصوصيات وعموميات تجربة الإدمان، وعلى عكس منطق التشخيص، أحاول السماع قبل التشخيص.
عكس الشائع، الإدمان لا يقتصر على استخدام المواد المغيرة للمزاج، ولا هو ذروة نشوة، ولا حتى سلسلة من الانتكاسات. الإدمان علاقة كاملة بالوجود يُعاد من خلالها قراءة العالم والذات والآخرين. من يدخل هذه العلاقة لن يعود ليرى الأشياء كما كانت؛ الزمن يتغير، ينهار المعنى، تصبح اللذة موضع ريبة، يتحوّل الجسد إلى معمل للتجريب، وتُبَسط الحياة إلى تكرارات متصلة، إلى جانب تحولات وجودية أخرى يمر بها عالم المدمن. لهذا السبب، تبدو محاولة نقل تجربة الإدمان إلى غير المدمن دائمًا ناقصة ومحكومة بالاختزال، مهما حسنت النوايا أو دقّت اللغة.
أممية الإدمان
في ظل اتساع الخطاب الطبي والنفسي التجاري، صار كل شيء تقريبًا قابلًا للوصَف بأنه "إدمان". نسمع عن إدمان التسوّق، إدمان الهاتف، إدمان منتجات العناية بالبشرة. هذه الـAddictification، أو الأدمنة، من مشكلاتها أنها تُفرغ الظاهرة من ثقلها الوجودي وتحوّلها إلى هويات سائلة أو مشكلات سلوكية عابرة. مع ذلك تظل تجربة مدمن المخدرات عصيّةً على الفهم، محاطة بغموض لا تلتقطه هذه الخطابات.
المدمن في مصر يفهم المدمن في فرنسا والعكس صحيح.. يمكن القول إن إدمان المخدرات لغة عولمية
أرى أن هذا الغموض يتمركز في جوهره حول علاقة الإدمان بالموت. ليس كل من يُسمّى مدمنًا قريبًا من الموت فعليًا، لكن أكثر تجارب الإدمان كثافةً وغموضًا هي تلك التي لامست الموت: من اقتربوا منه ونجوا، من ماتوا بالفعل، ومن اختاروا الحياة على حافته. هنا لا يعود الإدمان مجرد "إفراط في المتعة"، بل مواجهة يومية مع الفناء.
عالم المدمن عالم تكرار؛ تكرار له ملامح شبه كونية، حتى يبدو كأنه سيناريو متفق عليه عالميًا. المدمن في مصر يفهم المدمن في فرنسا، والعكس صحيح. يمكن القول إن إدمان المخدرات لغة عولمية لها لهجاتها الثقافية، لكنها مفهومة على كل الألسن. الاستغلال، الخضوع، الشعور بالذنب، الاختفاء، النبذ، التدجين، التسكين، الوصم، التشرد، الخطر، والاقتراب من الموت، كلها ليست أحداثًا استثنائية، بل خبرات دورية تتكرر داخل علاقة المدمن بالعالم. في هذه العلاقة نختبر هشاشة العالم كما نختبر هشاشتنا، ونرى كيف يمكن للإنسان أن يستغل نفسه والآخرين، ونكتشف السلعة المثالية: المخدر، الذي يمنح ما يعد به فنبيع أنفسنا من أجله.
هذه التجربة نادرًا ما تجد لغة تحتملها كما هي. الخطابات العلاجية تميل إلى ترتيب الإدمان داخل سرديات مريحة قابلة للقياس: سبب، عرض، علاج، تعافٍ. لكن ما يُمحى في هذا الترتيب هو الإيقاع الفعلي للتجربة، المواجهات المباشرة مع اليأس والموت، وفشل ما يقدمه العالم من مبررات للعيش. هنا تفشل اللغة التفسيرية، وتظهر الحاجة إلى وسيط آخر.
نحتاج إلى سماع الإدمان وما يكشفه عن عالمنا؛ أن نضع الأحكام العلمية والأخلاقية جانبًا لوهلة، وأن ننصت لعالم المدمن بوصفه شهادة على العالم الذي نشاركه العيش فيه. الإصرار على اختيار الدمار الشخصي أو الاقتراب من الموت ليس قرارًا يعبر عن رغبة أصيلة بقدر ما يعبر عن عالم لا يوفّر مبررات كافية للعيش. ماذا لو سمعنا الإدمان من دون أن نبدأ بإدانة أو تشخيص المدمن؟ ربما ساعتها نسمع شيئًا حقًا.
أعتقد أننا نستطيع حرفيًا الاستماع إلى الإدمان عبر الفن، والمقصود هنا الموسيقى تحديدًا. ليس عبر أغانٍ تكتفي بتجميل الإدمان أو تحويله إلى ما يشبه "إباحية الفقر"، بل عبر إنصات صادق للتجربة: إنصات لا يشرح الإدمان، لا يقدم وعظًا أو قصص تعافٍ ملهمة، بل يعيش مع المدمن أصواته وإيقاعاته وزوايا النظر المتعددة من داخل منطق الإدمان نفسه.
الإنصات للإدمان
يقدم ألبوم The Thirteenth Step/الخطوة الثالثة عشر، الذي صدر عام 2003 لفرقة الروك A Perfect Circle، هذه الخبرة، ويكشف الجدل بين الإدمان بوصفه علاقة وجودية وعرضًا اجتماعيًا في آنٍ واحد، كعمل ثقافي يتيح الاستماع إلى ما تحاول الخطابات السائدة والنموذج المرضي في الإدمان إسكاته. الاستماع هنا في رفقة مع تجربة الإدمان، ومع العالم الذي يجعله ممكنًا بل مرغوبًا لدى بعض الناس.
يحكي الألبوم المسمّى "الخطوة الثالثة عشر" على منوال الخطوات الاثنتي عشر لزمالة المدمنين المجهولين، عن الإدمان كله من زوايا مختلفة. كل أغنية تقدم من منظور مختلف: المدمن، المخدر، العالم، أصدقاء المدمن، وحالة الإنكار التي تصيب كل من هو قريب منه، ويُختَتم بلحظة اختيار العيش على حساب الموت.
يخلق The Thirteenth Step المناخ المناسب لسماع الإدمان عن قرب. يبدأ بـThe Package/الطرد بمناخ سوداوي قلق، نتهيأ فيه للحالة التي تتلبّس المدمن حين يريد أن يحصل على ما يريد. يهمس لنا مينارد جيمس كينان، المغني الرئيسي للفرقة، كيف يستخدم المدمن كل قدراته للحصول على مبتغاه، متصنعًا ومستغلًا الآخرين بأداء متقن. تتصاعد الأغنية تدريجيًا مع اقتراب المدمن من موضوعه حتى يحصل عليه، ثم تعم الفوضى.
نسمع في The Package الأنانية التي يعيشها المدمن، وعلاقته بالآخر التي تتحول إلى مجرد وسيلة للحصول على ما يريد. استغلال الذات والآخرين يحوّل المدمن إلى شيء وسط أشياء. تذكرني الأغنية بأخلاقيات سوق العمل التنافسية؛ أسمع من خلالها اللحن نفسه. هنا لا نشعر بالنشوة أو بالسقوط الدرامي، بل بمنطق الإدمان وهو يعمل بهدوء: لغة التشييء، اختفاء الآخر كذات، وتحويل العلاقة إلى معاملة. المدمن ليس مستهلكًا فحسب، بل جزء من سلسلة توزيع يرى نفسه والآخرين كـ"طرود" قابلة للتداول. هكذا يضعنا الألبوم منذ اللحظة الأولى داخل علاقة الإدمان، لا كحدث استثنائي، بل استمرار للعالم الرأسمالي القائم بالفعل.
تأتي أغنية Weak and Powerless/ضعيف وعاجز وتنقلنا إلى لحظة لاحقة. إذا سمعت في الأغنية الأولى آلة الإدمان وهي تعمل بكفاءة وبرودة، فهنا نسمع الوهن والاعتراف وفقدان السيطرة لدى من استُنفدت طاقته. نسمع اعترافًا يائسًا لا يؤدي بالضرورة إلى خلاص أو توبة، لأنه لا يُخاطب آخر، بل يُقال في فراغ، ولا تمنحك الموسيقى متسعًا للتنفس.
في The Noose/حبل المشنقة، نلتقط خطاب التعافي من زاوية غير تقليدية: التعافي الذي يتحول إلى قداسة مزيفة، وهوية التائب المتفوّق أخلاقيًا، ويعزز من غرور وذاتية المتعافين. تبدأ الأغنية بهدوء وغناء يوحيان بالقداسة، لكنها تنفجر في النهاية بصوت حاد يمزّق القناع عن هذا التعافي الزائف المبني على تنصُّل من مسؤولية أفعال الماضي "مرض الإدمان جعلني أفعلها"، والذي يصبح في النهاية حبلًا يلتف حول رقبة المدمن.
قرار العيش في عالمنا ليس سهلًا لأن عالمنا نفسه ليس من السهل العيش فيه
إنكار وتخفيف معاناة الآخرين الواضحة يتجسد في Blue/أزرق في قصة شخص لا يريد الاعتراف بإدمان صديقته إلى درجة أنه يرى تحول لون وجهها إلى الأزرق (لون الموت) مجرد إضافة جمالية جديدة. يبدو هنا أن الإنكار اختيار شخصي لأن الحقيقة أثقل من أن تُحتمل.
في Vanishing/تلاشي يختفي المدمن مع همسات وموسيقى ضبابية؛ يصير شبحًا يطفو في عالم لا ينتمي إليه، يذكرني بعنوان كتاب د. غابور ماتيه عن عمله مع المدمنين في عالم الأشباح الجائعة.
The Outsider/الدخيل، تعبّر عن نقيض ما دعوتُ إليه في البداية: الإنصات. الأغنية قائمة على الأحكام والاتهامات للمدمن، وعلى تغريبه عن الآخرين. نسمع بوضوح تجربة العنف الناتج عن عدم الفهم، والقرب من الموت، وكيف يصعب على الخارج إدراك واقع المدمن.
The Nurse Who Loved Me/الممرضة التي أحبتني، أغنية هادئة تشعرك بالأمان الذي يشعر به المدمن مع من يزوّد إدمانه. نعيش معها حالة من الوهم والتعلّق والهلوسة.
أما Pet/حيوان أليف فهي الأغنية الأكثر رعبًا وسوداوية: تتحدث بلسان المخدر نفسه، الذي يلعب دور السيّد في حياة المدمن كأنه حيوان أليف مُدجّن. يعد المخدر المدمن بالخلاص من "عالم لا يوفّر مبررات كافية للعيش". نسمع هنا أيديولوجيا المخدر، والوعد الكامن في حمايته للمدمن من الألم، من الحقيقة، ومن الاختيار والقرار. "ابقَ معي، في أمان وجهل"، يقول المخدر.
يُختَتم الألبوم بـGravity/الجاذبية. لحنها بطيء ومهيب، ويشعرك بثقل الخروج من الإدمان إلى المجهول، وبالارتطام بالواقع من جديد. هذه الأغنية ردّ على "فشل مبررات العيش". المدمن هنا لا يختار الحياة لأنها تستحق، أو لأنها وردية كما تحاول الإيديولوجيا السائدة إقناعنا، بل هو اعتراف بثقل الواقع واستسلام للحقيقة. وهي أيضًا نقيض الاعتراف في Weak and Powerless: الآخر هنا حاضر، مهم، موجود، ويُطلب منه المساعدة والإرشاد.
نسمع قرارًا بأن يكون المرء ثقيلًا، موجودًا، ووسط آخرين. قرار العيش في عالمنا ليس سهلًا، لأن عالمنا نفسه ليس من السهل العيش فيه. نسمع في الألبوم، وفي حياة المدمن، ما يشير إلى هذه الصعوبة. نعيش في عالم المدمن نفسه، ليس لأننا كلنا مدمنون كما يحاول خطاب "الأدمنة" أن يجعلنا نقول، بل لأن منطق الإدمان نفسه مُبرَّر، بل مُفضَّل في بعض الأحيان، وفي أركان الحياة الأهم والأوضح، مثل سوق العمل. الإدمان معرفة كاملة عن عالمنا، معرفة قبل تشخيصها، تحتاج إلى السماع.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.