تصميم: سيف الدين أحمد، المنصة 2026
برنامج رامز جلال يثير ضجة، بين كراهية وشماتة

"الكولوسيوم" الرمضاني: لماذا نكره رامز جلال ولا نتوقف عن مشاهدته؟

لماذا يُحب الناس رامز جلال ويكرهونه في نفس الوقت؟

منشور الأربعاء 11 آذار/مارس 2026

مُنذ نحو 15 عامًا، نجح ممثل شاب، تخرج في المعهد العالي للفنون المسرحية، في تغيير ملامح الشاشة الرمضانية. تاريخيًا، كان يرتبط التجمع العائلي حول شاشة التلفاز بعد الإفطار بالفوازير أو دراما المسلسلات، لكن الأسر اليوم تلتف حول البرنامج الأكثر شهرة، مقالب رامز جلال.

خلصت دراسة صادرة عن "مركز القرار للدراسات الإعلامية" بعنوان "برنامج رامز مجنون رسمي: دراسة تحليلية لاتجاهات وتفاعلات المغرّدين على تويتر" إلى أن "الكتلة الأكبر من المتفاعلين ترفض هذا النمط البرامجي شكلًا ومضمونًا، بل وتُصعد الأمر للمطالبة بتدخلات قانونية وحكومية حازمة لوقفه"، بالرغم من ذلك، و في هذا العام، حققت أول خمس حلقات أكثر من 415 مليون مشاهدة خلال خمسة أيام فقط عبر الصفحات الرسمية لـ"MBC مصر" وحسابات رامز.

لماذا يكره الناس رامز ويشاهدونه

لا تكمن المفارقة في استمرار نجاح البرنامج لسنوات طوال، رغم قيامه على فكرة واحدة وتكرار حبكاته، لكن تكمن في "الحالة الفصامية" تجاه البرنامج: أرقام مشاهدات فلكية تتصدر القوائم يوميًا، يقابلها هجوم كاسح، واستنكار شديد اللهجة، ومطالبات سنوية بمنعه أو مقاطعته. تتشابه هذه الحالة مع حالة الكولوسيوم الروماني (ساحة الموت الرومانية) التي تمتزج فيها المتعة البصرية بالاشمئزاز، والتشفي.  

قُدمت تحليلات مختلفة لهذه المفارقة. على سبيل المثال، تقترح جوي سليم، من بي بي سي عربي، في مقال لها بعنوان "بعد 15 عامًا، لماذا يواصل الجمهور مشاهدة رامز؟" أن استمرار شعبية البرنامج بعد أكثر من خمسة عشر عامًا لا يعود إلى اقتناع الجمهور بمصداقيته أو جودة محتواه، بل إلى اندماجه العميق في البنية الطقسية لشهر رمضان حيث يعمل بوصفه خلفية مألوفة لمشهد الإفطار العائلي أكثر من كونه مادة تُتابَع بتركيز كامل.

تضيف إلى ذلك دور ما يُعرف بـ"المشاهدة بدافع الكراهية"، إذ يتحول الرفض والسخرية والجدل الأخلاقي إلى طاقة تداول رقمي تُغذّي حضوره. كما يلفت المقال النظر إلى أن البرنامج يقدّم انقلابًا رمزيًا مؤقتًا على الهرمية الاجتماعية عبر تعريض المشاهير للخوف والإهانة، بما يوفّر "تنفيسًا" في سياق اجتماعي يتسم بتفاوتات حادة.

وفي تحليل آخر  على موقع مصراوي يقول الدكتور وليد هندي، استشاري الطب النفسي، إن بعض الأشخاص "الذين يعانون من الضغوطات النفسية والأزمات (يلجؤون) إلى مشاهدة المقالب كوسيلة للتنفيس الانفعالي ولتخفيف التوتر"، كما أنهم يجدون "متعة في رؤية ردود فعل الضيوف المفاجئة والمحرجة".

سيكولوجيا "التشفي"

قد يكون أحد أهم عوامل الإقبال الكثيف على هذه البرامج المفهوم النفسي المعروف بـ"التشفي" أو "الشماتة"/Schadenfreude؛ أي الشعور باللذة الخفية أو الرضا المكتوم تجاه سوء حظ الآخرين ومصائبهم. هنا نحن لسنا أمام شماتة عادية بين أنداد، بل أمام تفريغ نفسي/Catharsis جماعي موجه بدقة ضد فئة محددة، النخبة الفنية والمجتمعية والرياضية.

تلك النخبة التي يراها المواطن العادي بعيدة المنال لا تستحق تلك المكانة، ولا تلك الملايين، ولا تلك السيارات الفارهة. هنا، يبرز برنامج رامز كلحظة نزع القداسة/De-sanctification عن هؤلاء النجوم. فبواسطة رامز، يتحول النجم من كائن "فوق بشري" إلى مُجرد إنسان هش، مضطرب، خائف، ومُهان. في تلك اللحظة، يتساوى النجم تمامًا مع المشاهد العادي الذي يرزح تحت أثقال الحياة.

في تلك اللحظة أيضًا يُمْنَح المشاهد العادي شعورًا دفينًا بالانتصار، وتعويضًا نفسيًا عن إحساسه بالتهميش، ويمنحه البرنامج رسالة مبطنة بأن "هؤلاء الذين تحسدهم ليسوا سوى أشخاص يتبولون رعبًا مثلما تفعل أنت تمامًا إذا واجهت خطرًا".

في كل موسم يزيد رامز من جرعة الذل والمهانة والسخرية اللاذعة التي يوجهها لضيوفه

لا يمكن فصل النجاح الساحق للبرنامج عن السياق الاجتماعي والطبقي الأوسع. في مجتمعات تعاني من تفاوتات اقتصادية حادة وتضخم مالي وضغوط معيشية طاحنة، يتحول الغضب المكتوم والتوتر الطبقي إلى طاقة هائلة تبحث عن منفذ.

برامج المقالب توفر هذا المنفذ بأقل تكلفة ممكنة وبشكل آمن تمامًا لا يهدد السلم العام. هكذا يجد الجمهور القابع خلف الشاشات، الذي يصارع أزمات الحياة اليومية لتوفير الأساسيات، متعة غريبة وشبه سادية في مشاهدة أولئك الذين يُعتقد أنهم "لا يعانون أبدًا"، وهم يُساقون كالقطيع إلى فخاخ محكمة ليعانوا ويُهانوا ولو لبضع دقائق.

بالتأكيد يُدرك رامز جلال وفريق إعداد البرنامج هذه السيكولوجيا. ففي كل موسم يزيد رامز من جرعة الذل والمهانة والسخرية اللاذعة التي يوجهها لضيوفه. وكلما ازدادت تلك الجرعة، ازدادت مشاهدات البرنامج. رامز يحرص في كل مرة على مقدماته الساخرة التي يجلد فيها الضيف لفظيًا، ثم يجلده جسديًا ونفسيًا في المقلب، والجماهير تكافئه بالمشاهدة لأنها تتخذ منه وكيلًا حصريًا للانتقام الطبقي الرمزي من طبقة "الأثرياء الجدد" أو نجوم الشباك.

اقتصاد الغضب

يكمن الجزء الأكثر تعقيدًا في تحليل مفارقة رامز جلال في ما يُمكن تسميته بـ"اقتصاد الغضب"/Outrage Economy؛ الهجوم على البرنامج، صنع الميمز الساخرة منه، تسخيفه، وانتقاد "تدني مستوى" المشاركين فيه.

كل هذا يمنح المشاهد فرصةً مزدوجةً ومغريةً؛ هو أولًا يشبع فضوله الغريزي بمشاهدة الكارثة (تمامًا كما يتباطأ السائقون لمشاهدة ضحايا حادث سير مروع على الطريق السريع)، وهو ثانيًا يمارس عملية "تطهير أخلاقي"/Moral Grandstanding من خلال إعلان رفضه العلني لهذا الانحطاط.

نشاهد لننتقم رمزيًا من واقعنا ونهاجم لنشعر بتفوقنا الأخلاقي

المشاهد يضع نفسه في مرتبة أخلاقية وثقافية أسمى بكثير من صُنّاع البرنامج وضيوفه. هو يكتب منشورًا طويلًا يقول فيه ضمنيًا "أنا أشاهد لأنتقد، أنا أراقب هذا العبث لأثبت لنفسي وللأصدقاء في قائمتي مدى وعيي، رقي ذائقتي، وتفاهة هذا المحتوى". وهكذا، يكون الاستنكار والشتيمة جزءًا أصيلًا ومكملًا لمتعة الاستهلاك.

تدرك الجهات المنتجة والقنوات هذه المعادلة الخبيثة جيدًا؛ فهي لا تبحث أبدًا عن الإشادة النقدية، بل تبحث عن "الضجيج"/Buzz. لا تفرق خوارزميات المنصات الرأسمالية بين النقر للإعجاب والنقر للشتم، فالغضب يولد تفاعلًا أكبر، والتفاعل يُترجم إلى أرباح خيالية وإعلانات بملايين الدولارات.

لا يمكن ولا يجب اختزال ظاهرة رامز وبرامجه في كونها مجرد "إسفاف تلفزيوني" أو انحطاط فني عابر. نحن نشاهد لننتقم رمزيًا من واقعنا، ونهاجم لنشعر بتفوقنا الأخلاقي. نحن نجد في هذا البرنامج إرضاءً لغرائزنا، إحباطاتنا، وتناقضاتنا.