مسلسلات رمضان 2026.. الدراما في بيت الطاعة
انقضى النصف الأول من شهر رمضان بعرض الحلقات الأخيرة من المجموعة الأولى وتابعنا الحلقات الخمس الأولى من مسلسات النصف الثاني من الموسم الدرامي الحالي، الذي بدأ ساخنًا مع تصدر اتهامات بالتحرش الجنسي لأحد كُتّابه، تلاها أمر بالقبض عليه، ما انعكس سلبًا على نسب مشاهدة العمل.
بدا ذلك فألًا سيئًّا على الدراما التي انفض الجمهور من حولها بنهاية الأسبوع الأول، ولم يصمد في صدارة المشاهدات سوى ثلاثة أعمال فقط من أصل ما يزيد على الـ20، وهي حسب ما أعلنت لجنة الدراما: صحاب الأرض، ورأس الأفعى، وعين سحرية.
لأسباب يمكن وصفها بالسياسية؛ سَخَّرت الشركة المتحدة، بصفتها الجهة المهيمنة على الإنتاج الدرامي، كافة إمكاناتها لإنتاج "صحاب الأرض" وهو ما يفسر توالي الإشادات بالعمل الذي يوثق زمن الإبادة، رغم صعوبة الفرجة على الأحداث التي عايشها الجمهور على مدار سنتين. بالمنطق ذاته يعيد مسلسل "رأس الأفعى" الدراما مرة أخرى إلى مربع تنصيب جماعة الإخوان المسلمين عدوًا متربصًا بالوطن، في إصرار على استدعاء حالة انتهت منذ 13 عامًا.
بينما غرد "عين سحرية" خارج هذا السرب، إذ استطاع فريق عمله، عبر كتابة جيدة وإخراج لافت وتمثيل حقيقي، اختراق حالة العزوف العام، وجذب الأنظار لمتابعة رحلة "المحامي والمهندس" في بحثهما المضني عن العدالة.
الوصايا السبع
يمكن ببساطةٍ تخمين الأسباب التي أدت إلى عزوف المشاهدين عن الأعمال الدرامية المعروضة على القنوات المختلفة، فهي لا تقتصر على حالة التوتر التي خلقها الحديث عن سلوك واحد من الكتاب الذي فتح الباب لمزيد من الشهادات الصادمة لمتهمين آخرين شغلت السوشيال ميديا لأيام، لكنها تشمل الزخم الذي صنعته الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وجذبها انتباه الجمهور في الأسبوع الثاني.
لذا العزوف صلةٌ أيضًا بـ"وصايا" لجنة دراسة "التأثيرات الاجتماعية للدراما المصرية والإعلام"، المُشكلة بقرار من رئاسة مجلس الوزراء في مارس/آذار الماضي بعد يومين من إشارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى حال الدراما خلال الإفطار السنوي للقوات المسلحة في رمضان الماضي بقوله "إوعوا تراعوا الغث فقط، وترعوا الهزل فقط، وترعوا الكلام اللي ما يبنيش أمة فقط، دوروا ع الصالح".
في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، انتشرت ملاحظات قيل إنها صادرة عن تلك اللجنة، شملت توجيهات بعدم الترويج للمخدرات أو التجارة فيها، والابتعاد عن إظهار الخيانة الزوجية، أو الفساد في مؤسسات الدولة، كرجال الأعمال أو الشرطة، والحد من مشاهد البلطجة، وتجنب تسليط الضوء على تجارة الأعضاء دون توضيح الفرق بين التجارة والتبرع، واحترام عقلية المتفرج، وعكس الواقع المصري دون تشويه، مع التركيز على إبراز القيم الاجتماعية والأخلاقية، وعدم إهانة صورة المرأة، بل دعم دورها في المجتمع.
ورغم نفي اللجنة والرقابة للتوصيات رسميًا، وتأكيد علا الشافعي إحدى عضوات اللجنة أنها نقاشات "بناءة وليست قرارات ملزمة"، فالواقع على الشاشة يحكي قصة أخرى.
تركت الوصايا أثرها على الموسم وهو ما اعترفت به "الشركة المتحدة" ضمنًا
انتشر حينها أن هذه الوصايا تسببت في مراجعات واسعة داخل الورش الفنية التي تتولى كتابة المسلسلات، ودفعت نحو تعديل نصوص، وتوقف مشاريع بشكل مؤقت أو نهائي، بل وأُعيدت صياغة خطوط درامية كاملة لضمان مواءمتها للمعايير الجديدة، في مشهد غير مسبوق في التحضير للموسم الرمضاني.
تركت الوصايا أثرها على الموسم، وهو ما اعترفت به "الشركة المتحدة" ضمنًا خلال احتفالية انطلاق الموسم، إذ أكدت في كلماتها الافتتاحية استمرارها في تقديم محتوى "هادف" يجمع بين الترفيه ومراعاة القيم.
تحقيقًا لما سبق وأعلنته قيادات المتحدة خلال اجتماع مع الرئيس السيسي، فإنها شكلت لجنة متخصصة للمحتوى، ضمت نخبة من الشخصيات البارزة وأصحاب الخبرات والمبدعين في مختلف المجالات، بما يضمن لها ما تعتبره تمثيلًا متوازنًا لمختلف القطاعات والفئات، وتحقيق رؤية أكثر شمولًا للارتقاء بالمحتوى الإعلامي ككل.
وأجرت المتحدة مراجعة شاملة للأعمال الُمقدمة، لتقييم نقاط القوة والضعف، وصولًا إلى توصيات مدروسة تضمن توافق المحتوى مع الأهداف الوطنية والتوعية، وبما يحقق التوازن بين الإبداع والمسؤولية الاجتماعية، وتطلعات الجمهور المصري من خلال تقديم أعمال تعكس القيم المجتمعية الإيجابية، وتسهم في بناء وعي متوافق مع متطلبات المرحلة الراهنة.
تنفيذ الوصايا
تطبيقًا لهذه المعايير، انحصر ظهور المخدرات في دراما المتحدة على مسلسل "مناعة"، الذي يوثق قصة المعلمة نبوية؛ أشهر تاجرة كيف في الثمانينيات، التي انتهى بها المطاف خلف القضبان، في رسالة ردع واضحة.
في المسلسل الذي تلعب دور البطولة فيه هند صبري، تظهر تاجرة المخدرات بشكل يكسر نمطية الصورة المتوارثة. وبسبب طبيعته، تضم مشاهده ما خلت منه بقية المسلسلات من رقص وتدخين وكحول.
إلا أن كل حلقة تبدأ بتنويه واضح "مستوحى من قصة حقيقية.. لكل زمن حكاية.. لكل حكاية عبرة" في إشارة واضحة إلى أن الأحداث التي يتناولها العمل ابنة زمنها ولا علاقة لها بالوقت الحالي.
لكن ذلك لا يعني التخلي عن صورة ضباط الداخلية التي تعارف منذ عدة مواسم على أن تظل دائمًا براقةً، متفهمةً، ومنضبطةً. الأقسام تلمع بواجهاتها الحديثة ومداخلها الرخامية، والضابط المناوب دائمًا مستعد للاستماع. لا موظف يرتكب مخالفة، وإذا فعل، فهو مظلوم بشكل أو بآخر. لا تُكسر صورة الضابط في أيٍ من المسلسلات المعروضة على شاشة المتحدة ولا سواها، فقد تحول المساس بملائكيتهم تابو لا يقوى أحد على كسره.
كما حفلت المشاهد الأخيرة من الأعمال بالكثير من المحاكم والقضاة ووكلاء النيابة والمحامين في مرافعات استغرقت عدة دقائق، أقرب إلى الخطب منها إلى الدراما.
قيم الأسرة
تدور أغلب قصص الأعمال الدرامية التي أنتجتها الشركة المتحدة في إطار القضايا الاجتماعية بالأساس مثل الطلاق في كان ياما كان، أو قصة مظلومية بطل شعبي كما في علي كلاي، أو صراع رجال أعمال غالبًا ما يكونون فاسدين كما في مسلسل أولاد الراعي، أو قضايا غسيل الأموال كما في حد أقصى.
أما عن المرأة التي أوصت اللجنة باحترام صورتها، فقد تُرجم ذلك عمليًا عبر "تطهير" الشاشة من الراقصات وأجواء الكباريهات؛ وكأن الحفاظ على كرامة المرأة يستدعي بالضرورة نفيها من الملاهي الليلية في الخيال الدرامي. انعكس هذا التوجه حتى في أفيشات الشوارع، حيث تصدرت النجمات بالحجاب، في محاكاة بصرية لسمات الطبقة المتوسطة التي تشكل الأغلبية، لتغدو الدراما شبيهة بالمصريين تمامًا كما تمنى الرئيس.
وعلى الرغم من شعارات دعم المرأة، فإن صورتها على الشاشة ظلّت حبيسة القوالب التقليدية؛ فالرجل يُقدَّم نموذجًا مثيرًا للإعجاب ويلاقي استحسانًا جماهيريًا مثل شخصية حسن التي قدمها آسر ياسين في مسلسل اتنين غيرنا، وهي ليست سوى شخصية ذكورية بامتياز، تتبنى أفكارًا رجعيةً تظهر بوضوح في وصايته المطلقة على شقيقته وتعامله الفوقي معها.
في المقابل، لم تتخلص الدراما من صورة النساء اللاتي يطاردن الرجال بلا هوادة، وكأن لا كيان لهن ولا تَحقق لذواتهن إلا من خلال الرجل، وهي السمة التي طغت على مسلسلات مثل علي كلاي ودرش وكلهم بيحبوا مودي، حيث تدور في فلك بطل واحد تتصارع النساء على نيل رضاه، في تكريس فج لصورة المرأة التابعة التي تفتقد للمشروع الشخصي المستقل بعيدًا عن حلم الارتباط.
ظهرت الحارة المصرية محكومة بضوابط أخلاقية صارمة ولم تعد البلطجة عنوانها كما كان في السابق
لم يتوقف الأمر عند المظهر؛ بل امتد لجوهر العلاقات التي انحصرت في إطار الزواج الشرعي، واختفت منها أي تمثيلات لعلاقات خارج هذا السياق، وإذا كان لا بد من علاقة أخرى في حياة الرجل فتكون زواجًا ثانيًا سريًّا كما في مسلسل توابع. كما حرصت الأعمال على تجنب الخيانة، وإن وُجدت كما في مسلسل اتنين غيرنا تأتي كإشارات عابرة ومحدودة على مدار 15 حلقة. هكذا أُعيد ترسيخ المفهوم التقليدي بأن صيانة قيم الأسرة وحراسة أخلاق المجتمع تقع، كما هو عهدهم دائمًا، على عاتق النساء وحدهن.
حتى الحارة المصرية، فقد ظهرت محكومةً بضوابط أخلاقية صارمة، ولم تعد البلطجة عنوانها كما كان في السابق. بالمثل انعكست التوجهات بوضوح على الطبقات الاجتماعية الممثلة على الشاشة؛ فبعد سنوات من دراما الكمباوندات، ظهرت بيوت الطبقات المتوسطة وما دونها، وشوارع المدينة القديمة التي خاصمت الكاميرات طويلًا بسبب قيود التصوير. ولعل من حسنات العامين الماضيين هو خروج الكاميرا للشارع لتظهر مصر التي نعرفها، بديلًا عن "Egypt" التي كنا نتلصص عليها من خلف أسوار الحكايات.
هذا التحرر المكاني لم يصحبه تحرر في المضمون؛ فبقدر ما كسرت الكاميرات الحصار الذي كان مفروضًا عليها وخرجت إلى الشوارع، بقدر ما افتقدت لسياقها الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. كأن القصص مولودة في فراغ، ولولا ملامح القاهرة واللهجة المصرية، لظن المتفرج أنها دراما منبتة الصلة بالواقع، يمكن أن تحدث في أي مكان في العالم.
قلّمت الرقابة التي أكد رئيسها عبد الرحيم كمال، أنه لا يتلقى وصايا من جهة ما، أظافر الدراما، فجاءت "مراعية للقيم، ومعززة للهوية الوطنية"، ولو كان ذلك على حساب جودة الأعمال، فتجلى ضعفُ وارتباك الخطوط الدرامية، وافتعال كثير من جوانبها إلى جانب غير منطقية أغلبها، كما غاب دور المخرجين لتظهر أداءات تمثيلية باهتة لا تعكس حرص "المتحدة" خلال العام الماضي في تنقيبها عن المواهب الشابة، التي لم تجد لها مكانًا وسط النجوم المكررين.
تحولت المسلسلات كذلك إلى دراما إرشادية تتعامل مع المشاهد كطفل في طور التعلم. ظهر ذلك بوضوح في التنويهات التي التزمت بها الأعمال في حالات العنف، أو غش الدواء، أو الابتزاز الإلكتروني، إذ حرص الصناع على إرفاق تنبيهات بالخطوط الساخنة للجهات المعنية عند التعرض لمثل هذه الجرائم.
ورغم أنها تبدو حركة توعوية ضرورية في ظاهرها، فإنها في جوهرها كرست طابع التوجيه المباشر الذي يثقل كاهل الدراما ويجردها من عفويتها الفنية، لنكون أمام أعمال تبحث عن الوعي على حساب القيمة الفنية والجودة التي ترضي المشاهد.

