تصميم سيف الدين أحمد، المنصة 2026
تهان الثقافة على أيدي مسؤولين جهلاء، وحين تُستدعى للدعاية أو الإلهاء أو الترفيه

التنمية الإبداعية ثمرة محرَّمة في العالم العربي

منشور الأربعاء 25 آذار/مارس 2026

وعدني الشاعر المترجم العالم أحمد مستجير باصطحابي لأشهد تجربة زراعة سلالة من الأرز في المياه المالحة. لمستجير تجارب في مجال التحسين الوراثي الحيواني. وقد أنجز بمشروع الأرز، وهو أكثر المحاصيل استهلاكًا للمياه، قفزة محفوفة بعداء مافيا الاستيراد.

قبل ذهابنا اشتد عليه المرض، شعر بالهوان والعجز، أثناء العدوان الصهيوني على لبنان في تموز/يوليو 2006؛ فمات كمدًا في الشهر التالي. أتذكر مستجير ومشروعه المغدور، ومشاريع تفاوتت خطوات تنفيذها وبعضها حبيس الأوراق، وأنا أقرأ كتاب أحمد السيد النجار "التنمية العربية المستقلة والإبداعية في عصر الفاشية الاقتصادية الأمريكية"، إذ يشيد بالصناعات الإبداعية، ويستشهد بنجاح باحثين أمريكيين في استخلاص النفط والغاز من الصخور المشبعة بهما.

بإبداع هؤلاء الموهوبين توفرت الملايين من الوظائف في قطاع النفط الصخري الذي يعمل فيه 522 حفارًا عملاقًا، وينتج نحو 8.5 مليون برميل يوميًّا، فارتفع الاحتياطي الأمريكي من 19.1 مليار برميل عام 2009 إلى 79.1 مليار برميل عام 2022. واحتلت أمريكا المرتبة 13 عالميًّا.

أرقام مقلقة

يشيد النجار بالحلول الإبداعية التي تحققها قوة المعرفة، ولا يقترب من هوس "الدعاة" السلفيين بتحقير العلم. أحدهم يقول إن الله سخر الغرب وعلومه لخدمتنا. وكان محمد متولي الشعراوي يؤكد، في خطب جماهيرية تنقلها الأقمار الصناعية ويتيحها يوتيوب، أن المناديل الورقية أنفع للناس من الوصول إلى القمر، وأن المخترعين من غير المسلمين مصيرهم النار؛ لأن "أعمالهم في الخير كسَراب".

في تقدير القوة، يرجّح البنك الدولي كفة المعرفة على الموارد الطبيعية. والصناعات الإبداعية رافدها التعليم، وإعلاء شأن الثقافة والمثقفين في المجتمع، والحريات العامة، وحرية البحث العلمي وتمويله. يورد المؤلف مقارنات كاشفة، فادحة وفاضحة. نسبة الأمية بين البالغين في العالم العربي 20.5% عام 2021.

في مؤشر دافوس لجودة التعليم عام 2023، تتصدر الكويت الدول العربية بإنفاق 6.6% من إجمالي الدخل الوطني على التعليم، تليها السعودية وفلسطين. أما مصر، التي تنفق 1.9%، فتحتل المرتبة قبل الأخيرة (139) في جودة التعليم الابتدائي، وفي جودة التعليم العالي أيضًا تحتفظ بالمركز نفسه (139). فماذا عن الإنفاق على البحث العلمي؟

عوائد الكيان الصهيوني من حقوق الملكية الفكرية كانت 2.8 مليار دولار

وفقًا لبيانات البنك الدولي، فإن متوسط الإنفاق على البحث العلمي 2.58% من الناتج العالمي عام 2021. وتنفق الولايات المتحدة 3.48%، وكوريا الجنوبية 4.91%، والكيان الصهيوني 5.58% من الناتج المحلي، أي أكثر من 27 مليار دولار. الرقم يزيد على إجمالي الإنفاق العربي بأكثر من 6 مليارات دولار، إذ أنفق العالم العربي في العام نفسه 0.71% من إجمالي الناتج المحلي.

وتخصص النسبة الكبرى من هذا المبلغ للجهاز الإداري ورواتب الموظفين، لا لتمويل الأبحاث العلمية. الاهتمام بالبحث العلمي ليس ترفًا؛ فزيادة الإنتاج في القطاعات الزراعية والصناعية والخدمية ثمرة التحديثات الناتجة عن الابتكار والتطوير العلمي.

تكلفة التخلف

في ضوء إهمال العرب للبحث العلمي، لا يتعجب أحمد السيد النجار لقلّة عائد العالم العربي من حقوق الملكية الفكرية عام 2022، عن 0.1% من المجموع العالمي. المتحصلات العربية نحو 237.1 مليون دولار فقط، ونحو 66% منها عن حقوق الملكية الفكرية لمصر وحدها، عن أعمال ثقافية وفنية سينمائية وتلفزيونية، "وليس عن براءات اختراع علمية".

أما عوائد الكيان الصهيوني من حقوق الملكية الفكرية فكانت 2.8 مليار دولار. وفي رأي المؤلف هذا الوضع البائس لن يتغير "إلا بإحداث ثورة تعليمية وعلمية وثقافية، ومضاعفة الإنفاق العام على البحث والتطوير العلميين ورعاية الموهوبين والمبتكرين"، وربط مراكز الأبحاث بمختلف قطاعات الإنتاج.

تهان الثقافة مرتين، مرة بإهمالها على أيدي مسؤولين جهلاء يرونها ترفًا لا يستحق الإنفاق عليه، وأخرى حين تُستدعى في احتفالات سياسية ودينية وتراثية، للدعاية أو الإلهاء أو الترفيه. دور الثقافة، كما يشدد المؤلف، "هو التعبير عن روح الأمة وآمالها وتطلعاتها وتشكيل وعيها... وتكوين وتطوير إدراكها لذاتها وهويتها".

يعادل الإنفاق على النشاط الثقافي 0.2% من مخصصات الوزارة و0.04% من الناتج المحلي الإجمالي

وفضلًا عن دور الإبداع غير المادي في تشكيل الذوق العام وتكوين العقل النقدي، فإن للإنفاق الثقافي عائدًا ماديًّا يتمثل في القيمة السوقية للمنتجات الثقافية، كما تسهم إذاعتها داخل البلاد وخارجها في الرواج السياحي. يقصد صقلية سائحون يبحثون عن منزل دون كورليوني بطل فيلم "الأب الروحي"، كما أدت جاذبية المسلسلات التلفزيونية التركية إلى تنشيط قطاع السياحة.

على الرغم من هزيمة 1967، وحرب الاستنزاف والاستعداد لمعركة التحرير، لم تنسَ الدولة دورها في إنتاج أفلام تُصنف الآن من كلاسيكيات السينما، منها الزوجة الثانية، وشيء من الخوف، والأرض، وغروب وشروق، والمومياء، وزوجتي والكلب، وميرامار، والاختيار. وبعد تفكيك القطاع العام، والانتقام من ميراث عبد الناصر تخلَّت عن دورها. لا حرب ولا تعليم ولا ثقافة.

يذكر أحمد النجار أن مخصصات وزارة الثقافة، في قطاعاتها كافة عام 2020/2021 بلغت حوالي 3.5 مليار جنيه. الجزء الأكبر رواتب العاملين في الجهاز الإداري، ويتبقى للنشاط الثقافي 18% (637 مليون جنيه). وهكذا يعادل الإنفاق على النشاط الثقافي 0.2% من مخصصات الوزارة، 0.04% من الناتج المحلي الإجمالي.

التفوق التكنولوجي ثمرة عوامل أولها احترام القانون. يحكي نوبار باشا في مذكراته عن إبراهيم باشا، القائد الذي هدد عرش السلطان العثماني. في مدينة ليفربول رأى مشاجرة بين مواطنين مخمورين أشار إليهما الشرطي فانتهيا. فقال لنوبار "هذا يمثل عظمة إنجلترا، وليس فقط في المصانع التي قمنا بزيارتها".

ينم إدراك ضرورة سلطة القانون "عن قدرات وملكات ثقافية عالية" لدى إبراهيم الذي "يمثل لي الرزانة والانسجام في الملكات والقدرات، وبتعبير أدق: كان إبراهيم يصل إلى حدود العبقرية". وبعد زيارة المدرسة المصرية في باريس، أوضح إبراهيم "الفرق بين التعليم والثقافة وهو فرق لا يتوصل إلى معرفته إلا قليل من الرجال في الشرق حين ذاك".

العلم تقوده الديمقراطية

يفرق النجار أيضًا بين تحصيل المعلومات المدرسية، وإطلاق الخيال في سياق إبداعي. ويربط التنمية الإبداعية بمحيطها الديمقراطي الحقيقي. ويقترح نموذج الاقتصاد المختلط الذي يسهم فيه القطاع الخاص والتعاوني، "بمشاركة فعالة من الدولة المدنية وحدها عبر إبعاد الجيوش وأجهزة الدولة عن التدخل في النشاط الاقتصادي كليًّا"؛ تفاديًا للفساد في غياب الرقابة الشعبية.

كما يخضع أداء الحكومة لأجهزة رقابية "مستقلة كليًّا، تقدم تقاريرها بصورة مباشرة للسلطتين التشريعية والقضائية وللرأي العام، بدلًا من تبعيتها الراهنة للسلطة التنفيذية التي من المفترض أن يكون دور تلك الأجهزة هو مراقبة تصرفاتها". الإصلاح الاقتصادي يتضمن ألا تنشغل أجهزة الدولة عن حماية الحدود بالسيطرة على الفضاء الاقتصادي المدني.

غلاف كتاب التنمية العربية المستقلة في عصر الفاشية الاقتصادية الأمريكية، لأحمد السيد النجار.

حصة العرب 9.6% من اليابسة، وعددهم 5.6% من سكان العالم، ولا تنقصهم الموارد الطبيعية، إنما الديمقراطية والوعي بالتنمية المستقلة، ورعاية الموهوبين، واحتواء القدرات العقلية اللازمة للصناعات الإبداعية، حيث تتجلى "قيمة وقوة وقسوة الإبداع العلمي في المعركة الوجودية الدائرة رحاها في فلسطين المحتلة ولبنان المقاوِم".

في مجال العلوم، نقف "موقف المتفرج البائس على تلك المباراة العلمية"، باستخدام تقنيات قد "تتحول إلى قنابل ضد حائزيها العرب لو دخلوا في أي صدام مع الغرب وكيانه الصهيوني"، كما جرى في لبنان عام 2024 بتفجير الآلاف من أجهزة "بيجر" في وقت متزامن. وفي اليوم التالي انفجرت أجهزة "ووكي توكي" اللاسلكية.

أدت تفجيرات البيجر والووكي توكي إلى مقتل 39، وإصابة أكثر من 3400 بينهم أطفال ومدنيون تصادف وجودهم بالقرب من الأجهزة لحظة الانفجار. وأثقلت التفجيرات يد إسرائيل على مناطق في لبنان، وأضعفت قدرات حزب الله.

بعد شهرين من التفجيرات قال متحدث باسم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن رئيس الوزراء، المطلوب للعدالة الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب، هو من أعطى الضوء الأخضر لشن هذا الهجوم. وكشف تحقيق لوكالة رويترز أن إسرائيل أخفت شحنة صغيرة شديدة الانفجار من مادة متفجرة بلاستيكية، مع صاعق تفجير داخل الآلاف من أجهزة البيجر التي اشترتها جماعة حزب الله، وكانت بحوزة مقاتلين وأفراد بمراكز للخدمات الاجتماعية والطبية.

كتاب "التنمية العربية المستقلة والإبداعية"، الصادر عن مركز الحضارة العربية بالقاهرة، يجب ألا يمرَّ مثل غيره. إنه دليل، سلاح في معركة الوعي، إضاءة زوايا يمكن الاعتماد عليها في استعادة القدرة على النهوض. والمؤلف أحمد السيد النجار، الرئيس السابق لمجلس إدارة مؤسسة الأهرام، فاز مبكرًا بجائزة الدولة التشجيعية في الاقتصاد عام 1999، عن كتابه بناء دولة: المساعدات الخارجية لإسرائيل 1948 ـ 1996.

هذا كاتب له قضية يجيد الدفاع عنها. لا ييأس من تكرار الأذان في مالطا، لعل طائرًا طيبًا يحمل رسالة النذير، ويستقبلها القادر على التغيير، شعبًا أو فردًا. أراهن على لحظة يناير 2011، وأؤمن أيضًا بدور الفرد في التحولات التاريخية.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.