تصوير سعد القرش لـ المنصة
لوحة محطة قطار سمنود، الغربية، 2026

محطة سمنود.. عن الذوق وهو يكاد يخرج من مصر

منشور الأربعاء 22 نيسان/أبريل 2026

ساعتان فقط في مدينة سَمَنُّود، مساء 5 أبريل/نيسان 2026، أثارتا الشجون. رحلة العودة بقطار الساعة التاسعة كشفت تجريفًا لا يقتصر على الانتقام من الأشجار في القاهرة وغيرها، ولا المحو الأبدي للمعمار التراثي. هذا التشويه العمومي قد يحتاج إلى عُمرٍ من الإصلاح، لو توفرت القدرة المسبوقة بإرادة الإصلاح.

في انتظار القطار، تذكرت حكاية بعيدة وأخرى قريبة، كلتاهما ترتبط بظلال الذوق. وللذوق علاقة بالحواس وميل الإنسان إلى استحسان الجمال. إذا استأنس الإنسان قبحًا، بدأ الخطر على الذوق والسلامة العامة.

قبحٌ يطارد الجمال

في نهاية الثمانينيات أقمتُ في غرفة بمنطقة الزاوية الحمراء. لا أحتاج إلى معرفة مرور الأتوبيس رقم 31 بمنطقة شادر السمك، فرائحة العفن تكفي. سكان البيوت المطلة على الشادر، وعمال السوق، لا تؤذيهم رائحة تؤرّق الذوق السليم، فالذوق المعطوب، بوطأة الاضطرار أو الاعتياد يألف القبح. لهذه الألفة، على مستويات متعددة ومركبة، آثار مخيفة عنوانها الجرائم والعنف الأسري.

رجل يقود دراجة حاملًا على رأسه قفص عيش، القاهرة، 2009

من ينشد الجمال يجده في صبي يحمل طاولة الخبز بيد، وبالثانية يقود دراجة. أو فلاح يعزق الأرض كأنه يخلع أردية التربة لتستحم بالشمس. في صباي وجدتُ الجمال في محطة القطار. لافتة "سمنود" المكتوبة بخط الثُلث فوق لوحة رخامية كأنها من جدارية بمعبد مصري قديم، تدعوني إلى مخالفة قواعد التعامل مع الآثار، فأمرّر إصبعي على ليونة الحروف المتراقصة، ثم أبتعد وأتأملها ضمن عناصر محطة مبنية بطوب يُغنيه لونه النبيذي عن الطلاء.

أعتزُّ بمحطة السكك الحديدية بسمنود، مثال البساطة والجمال والعراقة. يتوقف فيها أي قطار متَّجه إلى المنصورة، حتى لو لم يمرّ بطنطا. البناءُ أثريٌ، قطع الحجارة ربما ترجع إلى ما قبل اختراع الأسمنت. في ذلك المساء، كنتُ عائدًا من حفل زفاف العريس خالد حشاد، حفيد أختي، فرحان فأحزنني طلاء المبنى بلون محا جماله الطبيعي.

ربما تبرع صاحب محل للبويات بعلبة لاكيه، وقام بوهيجي بالطلاء مضطرًا أو مجاملًا مسؤولين فقراءَ الوعي بالجمال.

صنّاع البهجة

في تلك السن، جذبني معمار المحطة. وحيَّرني زحام دائم على محل لعصير القصب بسمنود، وبجواره محل خالٍ. في الأول أحببت النظر إلى فتاة على الخزينة، لم أسمع صوتها قطّ، أنيقة تعقص شعرها كعكةً. آنذاك تمنيت أن أشتغل محاميًا؛ لأن امرأة لم تجد من ينصفها. ومدرس تاريخ؛ لأن مُدرِّسة التاريخ في "أولى إعدادي" بليدة؛ فأردتُ إنقاذ الآتين بعدي منها، ومحصلًا في أتوبيس أو قطار؛ لأن الكمساري البدين دائمًا، يشبه لاعب السيرك، يتحرك في الزحام، ويجيد رصَّ الفلوس.

نحن شعب يجيد ابتداع الفرح بالحياة أخشى أن أقول: كنَّا

قلَّما يمتلك راكب عشرة جنيهات، والكمساري ينظم في يسراه الخمسة جنيهات، يليها الجنيه، فنصف الجنيه، فربع الجنيه، فالعشرة قروش، فالخمسة قروش. تعطيه نصف الجنيه، فيضعه بين الجنيه وربع الجنيه ويردّ إليك الباقي. يتناول جنيهًا فيفرده بين الخمسة جنيهات ونصف الجنيه. سرعة حركة، وسلاسة أداء.

نحن شعب يجيد ابتداع الفرح بالحياة. أخشى أن أقول "كنَّا". قارن التلاوة المصرية النَدِيَّة للقرآن الكريم بتلاوات بدوية جافة. بتلقائية مصَّرْنا الأديانَ والمذاهب والغزاة.

قبل قدوم رمضان يمرُّ الصبيان على البيوت، يجمعون "فلوس زينة رمضان"، فيعرف الزائر والغريب أن رمضان المصري على الأبواب. وليلة الصيام ينطلق صوت عبد المطلب "رمضان جانا أهلًا رمضان". وكذلك أغنية "وحوي يا وحوي إياحا" بأصوات متعددة، ليس أولها بصوت الطفلة اللبنانية هيام يونس مع الأطفال، في فيلم قلبي على ولدي، بطولة شقيقتها نزهة يونس، وإخراج بركات، وإنتاج اللبنانية المصرية آسيا داغر سنة 1953.

فن البسطاء

بين عيد الفطر وعيد الأضحى، كان في القرى عيد شعبي طمسه تجهُّم "السلفنة"، وكراهية البهجة التي كانت تصاحب رحلة الحج. شهدتُ الحج في قريتي حالةً إيمانيةً شعبيةً، أكبر من فريضة، الرحلة الكبرى، إذا استعرتُ عنوان فيلم المخرج المغربي إسماعيل فروخي.

للحج أغنياته، ترددها نساء الدار والقريبات وجارات متطوعات، أمام الفرن أثناء صنع الزاد للحاج، وللجيران. وقبل رجوع الحاج يستمر الغناء، وتتزين واجهة الدار بتوثيق التاريخين الهجري والميلادي، وآيات قرآنية، وأحاديث ومأثورات وأدعية، ووسائل السفر من الإبل والخيل إلى البواخر والطائرات.


ومن دون معرفة السريالية، انطلق الخيال الفطري فرسم الحصان المجنَّح، والحصان المجنَّح بوجه بشري، ورسم وجه الإمام عليّ عليه السلام. بعض هذه الفنون صوَّرتها الأمريكية آن باركر، وصدرت عام 1995 في كتاب رسومات الحج: فن التعبير الشعبي المصري عن الرحلة المقدسة، تحرير الأمريكي أفون نيل. وترجمه إلى العربية حسن عبد ربه المصري عام 2010.

لن يجد أفون نيل وآن باركر في قرى مصر الآن رسومًا للحج. الريف خلع البساطة بالتوازي مع ترييف المدن. هُدمت الدور القديمة برسومها، واستعلت الجديدة على الفرح بالحج الذي صار خطفًا، ذهابًا وعودة، من دون بهجة، ولا هيبة زالت أيضًا عن مبنى محطة سمنُّود، بطلائها الدال على تراجع الذوق العام، وذكرتني بحكاية بعيدة يلخصها المثل الشعبي "الذوق ما خرجش من مصر"، ولعل لها أصلًا تاريخيًّا يجسّده ضريح "سيدي الذوق"، في نهاية شارع المعز لدين الله الفاطمي.

وقيل إن "حسن الذوق" كان تاجرًا يصلح بين الخصوم. وبعد نزاع أكبر من قدرته على فضّه، قرَّر المغادرة، وقبل باب الفتوح سقط ميتًا، فشيدوا له ضريحًا. وشاع المثل الذي يستند إلى حكاية حسن الذوق. وللتورية دلالة أعمق، على الذوق وحسن الخلق القرين، والواقر، بمصر.

أما الحكاية القريبة، التي استدعتها ذاكرتي في "محطة سمنود"، فهي جملة حوارية في فيلم أجنبي عرضه مهرجان القاهرة السينمائي قبل سنوات. بطل الفيلم متوتّر، عاري الأعصاب، يسأله آخر: أين أجد ماكينة ATM؟ ينفعل ويتَّهم السائلَ بالغباء والثرثرة. عليه أن يسأل: أين أجد ATM؟ الحروف تعني ماكينة صرف آلي، فكيف يسأل: أين أجد ماكينة ماكينة صرف آلي؟

لست متوترًا ولا عاري الأعصاب مثل بطل الفيلم. صدري يضيق بقلّة الذوق، والثرثرة اللفظية واللونية في محطة سمنود وفي غيرها. محطة سمنود فضاء مفتوح بلا بوابات. والمحطات المغلقة يُكتب اسمها أعلى بواباتها مسبوقًا بكلمة "محطة"، مثل "محطة شبين الكوم".

وفي الداخل يعرف الركاب أنهم في محطة، تكفيهم لافتات: "سمنود"، "طنطا"، "سوهاج"، "الأقصر". في مترو الأنفاق نقرأ "غمرة"، "الشهداء"، "الأوبرا" مفردة، من دون إضافة "محطة". وقد فوجئت باختفاء لوحة "سمنود" بالخط القديم، الدافئ الأشبه بصوت نجاة، ووجود "محطة سمنود" فوق حاملين معدنيين، بخط النسخ الأحدّ من صوت أصالة نصري.

تكرر خط النسخ، في المحطات التالية، على مستطيلات من الصاج تحملها قوائم معدنية. في "محطة قويسنا" وقَّع الخطاط اسمه، ولم أتبيَّنه بسبب السرعة. وحروف لافتة "شبرا الخيمة" قبيحة ورديئة. لا أجد وصفًا أسوأ من القبح والرداءة.

بالوصول إلى القاهرة لم أجد إلا "القاهرة"، بالخط الحرّ، وتحتها بالإنجليزية "Cairo St". في زيارتي الأولى للهند، صيف 2007، شاهدت فيلم باب الحديد على شاشة السينما. العرض أدهش سينمائيين آسيويين، لا يعرف البعض منهم عن مصر إلا الأهرام وجمال عبد الناصر. كلما عرف أحدهم أنني مصري، ردَّد بإعجاب: Oh, Cairo station.

مصر تتغير. أخشى ألا يبقى بعد التجريف إلا الصور.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.