في سؤال التنظيم| الفراغ السياسي في لحظة انتصار يناير
حين تنحّى مبارك في فبراير 2011، كانت مصر بلا كيان سياسي يعبر عن ملايين الثوار الذين ملأوا الشوارع. فقد تكفّلت ثلاثون عامًا من القمع والتجريف السياسي بالقضاء على أي إطار منظم قادر على حمل مطالب الناس، والتحدث باسمهم، وقيادة لحظة ما بعد السقوط.
ثورات أخرى امتلكت حظوظًا أوفر؛ لأنها امتلكت كيانًا جامعًا يوجّه طاقتها ويمنحها بوصلة، فلا تتحول إلى غضب مشتت بلا اتجاه. في روسيا كان الحزب البلشفي، وفي الهند حزب المؤتمر، وفي بولندا نقابة تضامن، وفي تونس الاتحاد العام للشغل.
لم تكن هذه الكيانات مجرد أدوات تعبئة، بل صوت الثورة وممثلها السياسي. حددت الاتجاه العام، ورتبت الأولويات، ووحدت المطالب، وطرحت التكتيكات، وربطت بين القوى المختلفة، فصارت الثورة تتحرك كجسد واحد.
وعندما حلّت لحظة تقرير المصير، جلست هذه الكيانات إلى طاولة التفاوض باسم الثورة، ثم تحولت إلى الراية التي احتشدت حولها الجماهير عند الانتقال من الشارع إلى صناديق الاقتراع. وجود كيان سياسي في لحظة الثورة ليس ترفًا، بل شرط أساسي لتحويل انتصار الشارع إلى تغيير مادي يخدم الملايين. في مصر لم يكن هذا الكيان موجودًا، فقط قماشته.
نسيج متناقض لكنه واعد
عند سقوط مبارك، كان المشهد التنظيمي للقوى المطالبة بالتغيير متنوعًا، مبعثرًا، ومعقدًا. تمركز التيار الناصري أساسًا حول مشروع حزب الكرامة، بينما توزع الليبراليون بين حزبي الجبهة والغد.
خرج أيمن نور من السجن عام 2009 ليجد حزب الغد منقسمًا بعد انشقاق جناح موسى مصطفى موسى وحصوله على ترخيص لجنة شؤون الأحزاب، بينما ظل جناح نور بلا اعتراف رسمي وبقدرات تنظيمية محدودة، وكان الحكم الصادر ضده يمنعه من الترشح للرئاسة.
بعد سنوات من المواجهة المباشرة مع النظام، دفع ثمنها سجنًا وتفكيكًا لحزبه، وجد نفسه مضطرًا، وعلى مضض، إلى الالتحاق بالجمعية الوطنية للتغيير ومسار دعم البرادعي، باعتباره الإطار المعارض المتاح.
أما جماعة الإخوان المسلمين فكانت في حالة تردد وانقسام داخلي بين تيار محافظ يميل إلى تجنب الصدام وتمكين الجماعة تدريجيًا، وآخر إصلاحي أقرب إلى روح الثورة. ولم تمضِ سوى أشهر قليلة حتى حسمت القيادة هذا الخلاف بقرارها فصل عبد المنعم أبو الفتوح وعدد من رموز الجناح الشبابي.
في الوقت نفسه، حصل حزب الوسط، المنشق عن الجماعة منذ التسعينيات، على حكم بتأسيس الحزب بعد أيام قليلة من سقوط مبارك.
اليسار من جهته، افتقد الراية الموحدة. طيفٌ واسعٌ وغير مترابط يضم مجموعاتٍ شيوعيةً صغيرة مثل الاشتراكيين الثوريين وتيار التجديد الاشتراكي، ونواةً لليسار الديمقراطي، ويسارًا مستقلًا من جيل السبعينيات، إضافة إلى حقوقيين ونشطاء مجتمع مدني ومجموعات أناركية غير منظمة.
على مستوى الحركات الشبابية، كانت حركة 6 أبريل هي الأكبر والأكثر حضورًا، لكنها عانت منذ عام 2009 من خلافات داخلية حادة وضعتها على حافة الانقسام. وإلى جانبها برزت مجموعات أخرى مثل شباب العدالة والحرية، وحملات دعم البرادعي، وحملة طرق الأبواب.
على الصعيد الاجتماعي، افتقر المشهد لاتحادات طلابية ديمقراطية، إلا أن ذلك لم يمنع الطلاب من مراكمة خبرات عملية في العمل الجماعي. وبالمثل، ورغم الندرة الشديدة في النقابات العمالية المستقلة؛ برز عمال وموظفون صقلتهم تجارب نضالية طويلة داخل ميادين عملهم.
وخلال الأيام الأولى للثورة، بدأت لجان الإضراب في المواقع الصناعية والخدمية تتحول إلى نقابات مستقلة، لتنضم إلى نقابة الضرائب العقارية ونقابة المعلمين المستقلة ونقابة الفنيين الصحيين واتحاد أصحاب المعاشات، التي تأسست قبل الثورة لتعلن معًا، في قلب ميدان التحرير يوم 30 يناير/كانون الثاني 2011، تأسيس الاتحاد المصري للنقابات المستقلة، أول اتحاد حر للعمال في تاريخ مصر الحديث، إضافة إلى مجموعات نشطة داخل النقابات المهنية، وتيار استقلال القضاء، وشباب الأقباط، ومجموعات الألتراس. أما الجمعية الوطنية للتغيير فلم تحظ بأهمية في حد ذاتها، وظلَّ البرادعي، كشخص، أثقل وزنًا منها كتنظيم.
شكلت هذه العناصر مجتمعةً النسيج الحقيقي للثورة، بما يحمله من تنوع وتناقضات وفرص واعدة. وحينها كان منطقيًا التفكير في مسارين متوازيين: جبهة سياسية تعكس تعقيدات هذا المشهد، تقود وتنسق وتمثل، وحزب يساري يسعى إلى تجذير الثورة اجتماعيًا. اقتضت المرحلة تلازم هذين المسارين، إذ ارتبط استمرار الثورة بوجودهما معًا جنبًا إلى جنب.
جبهة لم تولد وثورة بلا ممثل
كان يمكن لهذا النسيج، الذي تشكَّل من تراكم نضالات عقد كامل، أن يلد جبهة تضم من ناضلوا لسنوات ومن خرجوا فجأة يهتفون بالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية. تنطلق من الإيمان بأن النصر لا تصنعه النخب، مهما كانت مخلصة وشجاعة، بل الملايين التي نزلت إلى الشارع حاملة كفنها على يدها في سبيل حلم مشترك.
جبهة تدرك أن قطاعًا واسعًا ممن ملأوا الميادين اعتبروا الثورة منتهية بسقوط مبارك، وتسعى في المقابل إلى جمع التيار الذي يريد تحويلها إلى مسار تغيير سياسي واجتماعي ملموس. جبهة قادرة على تمثيل الثورة سياسيًا والضغط باسمها من موقع قوة في مواجهة المجلس العسكري الذي أصبح فجأة على رأس السلطة.
كان ينبغي أن نغادر الميدان يوم 11 فبراير حاملين هذا الكيان بين أيدينا. لكن ذلك لم يحدث.
اتخذت جماعة الإخوان المسلمين خلال اعتصام الـ18 يومًا موقفًا غريبًا وفجًا؛ إذ منعت أي نقاش جدي حول سيناريوهات ما بعد مبارك. وكانت كل محاولة لفتح هذا النقاش تُقابل بإخراج صاحبها من الميدان أو سحب الميكروفون منه.
أما البرادعي، الذي طمح إلى إدارة المرحلة الانتقالية، فقد أعدَّ بالتعاون مع الخبير القانوني هشام نزيه، مشروعًا لمجلس رئاسي مدني يتولى السلطة بعد مبارك. وكان ينتظر وصول هشام البسطويسي من الكويت لعرض الفكرة عليه، لكن إعلان تنحي مبارك وتولي المجلس العسكري السلطة سبقه، فأُغلق الطريق على هذا المسار.
لم يَرض كثيرون عن تولي المجلس العسكري السلطة، لكن أيديهم بقيت مقيدة. ففور صدور بيان التنحي، غادر الإخوان الميادين، وظهر فجأة شباب مجهولون يُحاولون إسكات أي صوت ينادي باستمرار الاعتصام.
وفي اليوم التالي مباشرة، ظهرت مجموعات "شباب بتحب مصر" تكنس الشوارع والأرصفة في تعبير رمزي عن انتهاء الاعتصام. رغم ذلك، استطاعت مجموعة صغيرة البقاء في التحرير، لكن بلا تأثير، وصُنِّف أفرادها كمتطرفين. ابتهج الناس في تلك الأيام، وحقّ لهم كذلك، فالإنجاز عظيم، والإحساس بالقدرة على الفعل كان طازجًا ومُلهمًا. فللمرة الأولى منذ عقود، شعر كثيرون أنهم يستطيعون التنظيم والكلام والمبادرة بلا إذن.
تجاوز المجلس العسكري استفتاء مارس برمته، وأصدر إعلانًا دستوريًا حدد فيه منفردًا خريطة المرحلة الانتقالية
انطلقت مئات التكوينات في كل المجالات السياسية والعمالية والمهنية والثقافية والفنية والحقوقية في مشهد مدهش ومبشر، لكنه دالٌّ أيضًا على التشتت؛ فساعة الجد لم تجد هذه الطاقات صوتًا موحدًا يمثلها ويدافع عن مصالحها.
في غياب هذا الصوت، أصبح المجلس العسكري هو من يختار من يتفاوض معه. بل إن كثيرًا ممن جلسوا للتفاوض لم يروا في المجلس خصمًا في معركة تخوضها الجماهير بأجسادها، بل شريكٌ في صيغة جديدة للحكم. كانت هذه رؤية القوتين الوحيدتين القادرتين على تغيير المعادلة؛ الإخوان والبرادعي، إذ قبلا بانفراد المجلس العسكري بالسلطة خلال المرحلة الانتقالية دون أدنى مقاومة. الناس خارج حساباتهم. بالنسبة لهم دور الشارع انتهى، وحان وقت النخب للتفاوض على الدور في رسم صورة المستقبل.
لم تكن مشكلة البرادعي في تولي الجيش السلطة بقدر ما كانت في التقارب بينه وبين الإخوان؛ لذلك بدأ الخلاف مع استفتاء مارس.
دعم الإخوان التصويت بـ"نعم"، لأن التعديلات منحت البرلمان المنتخب حق تشكيل الجمعية التأسيسية التي ستضع الدستور الدائم، مطمئنين إلى قدرتهم على حصد أغلبية البرلمان في أي انتخابات نزيهة، وبالتالي امتلاك اليد العليا في صياغة الدستور.
وللسبب نفسه رفض البرادعي هذه التعديلات، ودافع عن طرح فوقي غير ديمقراطي يقضي بتشكيل جمعية تأسيسية غير منتخبة تضع الدستور أولًا قبل إجراء الانتخابات.
ورغم موافقة نحو 77.2% من الناخبين على التعديلات، تجاوز المجلس العسكري الاستفتاء برمته، وأصدر إعلانًا دستوريًا شاملًا حدد فيه منفردًا خريطة المرحلة الانتقالية، وصلاحيات السلطة، وترتيب الانتخابات، وآلية صياغة الدستور.
الائتلاف بين الخلافات والقيود البنيوية
كان ائتلاف شباب الثورة الكيان الأقدر، نظريًا، على إطلاق مبادرة لتشكيل جبهة تضم أغلب القوى المؤمنة باستمرار الثورة، والرافضة لتولي الجيش السلطة، والساعية إلى استبداله بكيان مدني، خاصة بعد أن حقق حضورًا ميدانيًا وإعلاميًا واسعًا بمواقف ثورية صلبة.
لكنه عمليًا، وجد نفسه في موقع لسدّ فراغ تمثيلي طارئ، دون ادعاء امتلاك تفويض شعبي شامل أو مشروع سياسي متكامل. ومع ذلك سعى المجلس العسكري مبكرًا إلى تحييد هذا الدور، مع إدراكه لصعوبة احتواء الائتلاف الرافض لاستمراره في قيادة المرحلة الانتقالية، ما حفز ظهور عشرات "الائتلافات الثورية" الأخرى، في محاولة لتفتيت التمثيل وتقليص نفوذ أي طرف قد يدّعي الحديث باسم الثورة.
في المقابل، ضخَّم الإعلام حضور شباب الائتلاف واتخذهم متحدثين دائمين باسم الثورة. إذ حرصت وسائله، أو لنقل وسائل الثورة المضادة، على تصويرها أنها "ثورة شباب"، بهدف تهميش أبعادها الاجتماعية والسياسية الواسعة، ومن ثم تحجيم مطالبها الجذرية، وجعلها تبدو كحدث رمزي أو ثقافي، لا زلزالًا اجتماعيًا قادرًا على تهديد بنية النظام.
بلع الائتلاف الطُّعم. ربما بسبب حداثة أعمار أعضائه وقلة خبراتهم وفداحة الموقف، وربما أيضًا تحت تأثير بريق الشهرة والإعلام. وهكذا نشأت المفارقة: كيان يُستدعى للحديث باسم الثورة ويُدفَع إلى موقع القيادة، دون أن يتحول فعليًا إلى تنظيم سياسي قادر على أداء هذا الدور. كان الائتلاف مدركًا لهذه المفارقة، لكنه كان غارقًا في قيود ذاتية تمنعه من التوسع. فقد ضم شبابًا من اتجاهات وتنظيمات متعددة لم تمتلك الموقف نفسه من المرحلة الانتقالية.
ظهر هذا التباين بوضوح خلال استفتاء مارس 2011؛ إذ خرج بعض أعضاء الائتلاف في وسائل الإعلام للدفاع عن التصويت بـ"لا"، بينما دافع ممثلو شباب الإخوان داخل الائتلاف عن موقف الجماعة المؤيد للتصويت بـ"نعم". وعلاوة على هذه الاختلافات، لم تُبدِ معظم القوى والتنظيمات التي شارك شبابها في الائتلاف حماسًا لتأسيس جبهة جديدة.
فالإخوان، الذين بدا أنهم على توافق كامل مع المجلس العسكري، رفضوا بالطبع أي تنظيم جماهيري يسعى إلى استمرار الثورة أو إلى تعميق جذورها. أما حزب الجبهة فاهتمَّ أساسًا ببناء نفسه. وسعى إلى ضم ليبراليي الائتلاف إلى لجنة الشباب في الحزب، لكن العرض لم يكن مغريًا لهم بعد تحولهم إلى رقم ذي وزن سياسي أكبر بكثير من إطار الحزب الضيق. حتى شادي الغزالي حرب نفسه استقال من الحزب، وفق ما أخبر به كاتبة هذا المقال.
أما الجمعية الوطنية للتغيير فرأت نفسها "الجبهة" المفترضة للمعارضة، وكانت تتعامل بعدوانية مع أي إطار جامع جديد، بما في ذلك الائتلاف نفسه. فيما انقسمت حركة 6 أبريل، أحد أعمدة الائتلاف، سريعًا بعد الثورة. وانحاز الائتلاف إلى "6 أبريل – الجبهة الديمقراطية"، التي برز في قيادتها طارق الخولي، ثم أصبح من أبرز مؤيدي النظام بعد 2013.
لم يبقَ داخل الائتلاف سوى ممثلي تيار التجديد الاشتراكي وشباب من أجل العدالة والحرية مدافعين عن فكرة التوسع. لكن حتى هؤلاء لم يمتلكوا تصورًا واضحًا لاستخدام الزخم الذي أحاط بالائتلاف في بناء جبهة قاعدية ديمقراطية. لم يطرح أحد دعوةً لتشكيل مجموعات جغرافية ونوعية، وفي أماكن العمل، باسم الائتلاف.
كل تصورات التوسع المطروحة كانت إما خيالية تمامًا، مثل تحويل الائتلاف إلى حزب سياسي، وكأن من الممكن أن يتسع حزب واحد لهذا القدر من الاختلاف، أو حلولًا فوقية نخبوية تقوم على وضع قوائم أسماء يُفترض أن تمثل القوى المختلفة. لم يقترح الائتلاف وحده جبهات من هذا النوع؛ بل توالت محاولات مماثلة من أطراف عديدة، لكن لم تخرج يومًا من حيز الاقتراحات.
وانتهت جهود توسيع الائتلاف بمحاصصة عقيمة. فأضيف إلى مكتبه التنفيذي ممثل عن حزب الكرامة (تحت التأسيس)، وممثلون لأحزاب مثل التجمع والوفد، التي كانت قد غابت عن الشارع منذ عقود. بينما خسر ممثلو تيار التجديد وشباب العدالة والحرية كل تصويت طالبوا فيه بإضافة ممثل عن مجموعة مناضلة مهمة كالاشتراكيين الثوريين. وهكذا مال الائتلاف إلى صورة شكلية للتمثيل، بلا مضمون سياسي حقيقي.
ومع ضغط اللحظة، أصبح المكتب التنفيذي عمليًا هو جسم الائتلاف الفعلي، إذ لم تعد وتيرة الأحداث تسمح للأعضاء بالرجوع إلى مجموعاتهم للتشاور قبل كل قرار، ومع الوقت انقطعت صلات أغلب أعضاء المكتب التنفيذي بكياناتهم فعليًا.
ائتلاف يبحث عن دور في مواجهة العاصفة
كانت الثورة تتعرض لهجوم وحشي، وتنتقل من مجزرة إلى أخرى. مواجهات بالغاز والخرطوش والرصاص الحي، عيون تُستهدف عمدًا، اعتصامات تُفضُّ بالقوة، وجثث تُلقى في القمامة، تعذيب واعتقالات داخل المتحف المصري، انتهاكات جنسية بحق المعتقلات تحت مسمى كشوف العذرية، وتوسع متسارع في محاكمة المدنيين عسكريًا.
اعتصام يوليو 2011 في ميدان التحرير كإعلان صريح بأن الثورة لم تنتهِ، وبأن إدارة المرحلة الانتقالية قد فشلت
في ظل هذا العنف، مرّ قانون تجريم الاعتصام والإضراب، الذي استهدف العمال والحركة الاجتماعية، تحت عين قطاعات واسعة من النخب السياسية وبرضا ضمني منها، على اعتبار أن اللحظة لا تحتمل مطالب اجتماعية، فسمَّت نضالات العمال "احتجاجات فئوية" واعتبرتها مربكة لمسار الانتقال. كان هذا الموقف كاشفًا لمعنى الثورة لديها: انتقال سياسي منضبط، بلا كلفة اجتماعية، وبلا صدام مع رأس المال أو بنية السلطة القائمة.
في المقابل، مضت الحركة العمالية والاجتماعية في مسارها، غير عابئة بالقانون، وغير متوقفة عند سقوف النخب، حتى أصبحت المسار الوحيد تقريبًا الذي امتلك قوة مادية فعلية على الأرض. ومع ذلك ظل هذا المسار، في مفارقة صارخة، مفصولًا عن "السياسة العليا" ومساراتها التفاوضية.
وسط هذا الطوفان من الدم والخوف والغضب، حاول الائتلاف شق أي مسار ممكن. كان يعلن مواعيد المليونيات، ويصيغ شعاراتها العامة، ويحدد مطالب كل فعالية، كأنه يلوّح بعلم وسط العاصفة، محاولًا الحفاظ على استمرار الثورة التي يُشن عليها هجوم مفتوح من كل اتجاه. لكن لأن الائتلاف ظل كيانًا مغلقًا، فقد قدرته على التحول إلى قيادة حقيقية للثورة.
ولم تمضِ شهور قليلة حتى بدأ يفقد مكانته ويتراجع دوره. ولم يعد الجهة الوحيدة التي تدعو إلى المليونيات أو تحدد مسار التحركات، وتحول تدريجيًا إلى مجرد واجهة إعلامية، أُطلق عليها تندرًا اسم "ائتلاف شباب الكاميرا".
اعتصام يوليو 2011 وتنسيقية الثورة
ثم جاء اعتصام يوليو 2011 في ميدان التحرير كإعلان صريح بأن الثورة لم تنتهِ، وبأن إدارة المرحلة الانتقالية قد فشلت. وفي قلب هذا الاعتصام تشكلت "تنسيقية ثورة 25 يناير"، أو ما عُرف بـ"تنسيقية يوليو"، التي ضمت ممثلين عن أحزاب وحركات متعددة، الائتلاف مجرد طرف من بين أطرافها.
رفعت التنسيقية مطالب أكثر حدّة ووضوحًا: تسليم فوري للسلطة إلى حكم مدني، محاكمة رموز النظام السابق، وقف المحاكمات العسكرية للمدنيين، إقالة الحكومة، وتطهير مؤسسات الدولة. وللمرة الأولى يُشار للمجلس العسكري باسمه كخصم مباشر، لا كطرف محايد فوق الصراع. كانت تلك فرصة لتجميع التيار الذي يتبنى هذا الموقف. لكن هذه المحاولة لم تكتمل.
فلم تتحول التنسيقية إلى تنظيم دائم يدافع عن هذا الخط السياسي، ولم تُبنَ لها هياكل قادرة على الاستمرار خارج لحظة الاعتصام. ومع فضّ اعتصام يوليو، تفككت التنسيقية عمليًا، وتوزعت القوى من جديد، وعاد الائتلاف ليصبح صوتًا من بين أصوات عديدة. وعادت الثورة بلا ممثل، لتتكرر كلفة هذا الغياب عند كل منعطف حاسم لاحق، وتدخل كل مرحلة جديدة أضعف وأكثر عرضة للهزيمة.
هذه القصة من ملف في سؤال التنظيم| لماذا نحتاج إلى التنظيم اليوم؟
في سؤال التنظيم| عودة الروح مع الانتفاضة الفلسطينية
مع اندلاع الانتفاضة الثانية في سبتمبر 2000، تغير المشهد فجأة. حركت الانتفاضة مشاعر الناس ودفعتهم إلى الاحتجاج التلقائي، فعادت السياسة إلى الشارع من بوابة التضامن مع فلسطين.
في سؤال التنظيم| لماذا فشلت محاولات تجميع اليسار قبل الثورة؟
فائض من الحماس وتردد أكبر. كانت هذه هي المعادلة التي انتهت عندها كل محاولة لوحدة اليسار: كلٌ يريدها.. بشرط أن تحدث داخل مساحته، وبطريقته، وبلا تهديد لمكانته.
في سؤال التنظيم| لماذا فشل اليسار في قيادة حركة التغيير؟
لم تروج الحملة لنفسها بوصفها مشروعًا يمتلك التمايز السياسي والتنظيمي، ولم تسع بجدية إلى جذب المجموعات العفوية الجديدة المؤمنة بالتغيير، كما لم يكن بوسعها كسب المدونين والأناركيين.
في سؤال التنظيم| حركة التغيير بين نخبوية "كفاية" وإقصائيتها
روّجت كفاية لنفسها كمظلّة جامعة لكل التيارات، حتى وإن لم تكن كذلك فعليًا، ما منحها شرعية رمزية كبيرة. وكانت أول حركة علنية ترفع شعارات ضد النظام وتدعو لمظاهرات في قلب القاهرة
في سؤال التنظيم| نشطاء الإنترنت و"شباب من أجل التغيير" وميلاد جيل جديد
الشباب الذي اكتشف إمكانات الإنترنت في التنظيم والتعبئة وكسر احتكار الإعلام لم يرَ في "كفاية" مظلة له أصلًا؛ إذ اعتبروها جزءًا من المشكلة لا الحل. فالإنترنت منحهم مساحة حرة للتجريب.
في سؤال التنظيم| حيوية الحركات الشبابية وأزماتها البنيوية
حملت حركة 6 أبريل تناقضًا بنيويًا واضحًا. فهي، رغم تصورها عن نفسها كعنوان للانفتاح، كانت تنظيمًا إقصائيًا على أساس العمر. لم تكن كلمة "شباب" توصيفًا عابرًا، بل قيدًا فعليًا.
في سؤال التنظيم| عندما تَجاوز الواقع "كفاية"
مثّلت "كفاية" مرحلة النخبة السياسية والمثقفين الذين فتحوا المجال العام وكسروا حاجز الخوف، لكن بعد هذا الانفتاح الجزئي، دخلت إليه الفئات الاجتماعية الأوسع، وعلى رأسها العمال
في سؤال التنظيم| البرادعي وحركة التغيير
لم يظل المشهد محكومًا بتوازناته التقليدية طويلًا؛ إذ ظهر محمد البرادعي، المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، كناقد سياسي للمشهد المصري عبر تصريحات عامة ومقابلات إعلامية
في سؤال التنظيم| من الإنترنت إلى الشارع.. الطريق إلى 25 يناير
هكذا تحوّل يوم كان مخططًا له أن يكون احتجاجًا ضد ممارسات الشرطة، إلى انفجار شعبي واسع كسر الحسابات التقليدية وأطلق حراكًا لم يكن أحد، لا المنظمون ولا النظام، يتوقع مداه.
في سؤال التنظيم| معركة الميدان ضد محاولات الاحتواء
ظهر مبارك لاحقًا في خطاب تليفزيوني معلنًا إقالة حكومة أحمد نظيف، ومتعهّدًا بإصلاحات محدودة. ثم فُرض حظر التجول، لكن الخطاب والإجراءات الأمنية جاءا متأخرين وكان الناس اتخذوا قرارهم.
في سؤال التنظيم| الفراغ السياسي في لحظة انتصار يناير
حاول الائتلاف شق أي مسار ممكن. كان يعلن مواعيد المليونيات، ويصيغ شعاراتها العامة، ويحدد مطالب كل فعالية، كأنه يلوّح بعلم وسط العاصفة، محاولًا الحفاظ على استمرار الثورة.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.



