تصميم: سلمى أنديل
نظارة السجن

ليلة القبض على "تنظيم الحلم"

منشور السبت 21 آذار/مارس 2026

لم يَدرِ هشام المداح أن صحنَ عدسٍ مع البصل الأخضر وأربعة من أرغفة الخبز الطري، ستكبس على صدره، فيشرد في هذا الحلم العجيب الذي أودى به إلى السجن. اِلتَهَم طعامَه بشهية مفتوحة، وغلبه النوم فقام متثاقلًا إلى مخدعه، وهو يتثاءب بإفراط حتى شعر أن فمه المفتوح طول الوقت لن ينغلق أبدًا.

استيقظ صباحًا ليستعيد الحلم الذي داهمه. انتبه إلى انزياح البطانية عن جسده، ومعها بنطال بيجامته الكستور، شده على الفور قبل أن يرى أحدٌ من أهل بيته مؤخرتَه عاريةً. لكنَّ فزعه الأكبر كان مما عاشه في هذا الحلم الغريب، وقال لنفسه: لا شك أنه كابوس، وعليَّ نسيانه.

لكنَّ الحلم العجيب راح يطارده، فاستغرق مفكرًا  في تفاصيله والحيرة تأكله. حكى لأمه ما رآه، فضربت صدرها، وسألته: هل انضممت إلى جماعة إرهابية دون أن أعرف؟

قهقه، وأجابها: نعم، أنا المكلف بتنظيم القعدة.

صرخت: ماذا؟

ابتسم وقال لها: قعدة الخميس على المقهى مع أصدقائي.

قالت: تتصل بالخمسة أمامي فردًا فردًا حتى لا يتخلف أحد منهم. ثم لطمت خدّيها وقالت: حتى لو كنتم تجلسون للعب الدومينو أو الطاولة، فيمكن لمن يريد اتهامكم بتكوين تنظيم أن يجد مبررًا لذلك.

ثم اقتربت منه وقالت وهي تتلفت حولها: العيون في كل مكان، وليس في هذا هزار.

عبثًا حاول أن ينسى ما جرى له، فلم يجد أمامه أحدًا يمكن أن يُهدِّئ من روعه سوى شيخ المسجد. انتحى به جانبًا بعد صلاة العصر، وقال له: رأيت في منامي ما يزعجني، وألتمس عندك تفسيرًا له، فالله سبحانه وتعالى يقول "اسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون".

ابتسم الشيخ وقال: هات ما عندك يا ولدي.

تردد قليلًا، فشجّعه الشيخ: سرك في بئر يا بني. لا تخشَ شيئًا فالمجالس أمانات.

تنحنح، وقال: رأيتني أركب موتوسيكلًا فخمًا، من ذلك الذي لا يقدر على شرائه سوى الأثرياء، وخلفي صاحبي حازم عبود، أسوق بيدٍ واحدةٍ وبالأخرى أُمسك رشاشًا خفيفًا. فجأة رأيت هيلاري كلينتون تمشي في شارعنا وبيدها صحن مملوء بالفول المدمس، وتشد على رأسها طرحة سوداء وكأنها متخفية، لكني عرفتها، وأطلقت عليها الرصاص، حتى فرغت الخزنة عن آخرها. سقط الفول على الأرض وجرفه الدم إلى حفرة في الأسفلت.

قام هشام من عند الشيخ مستبشرًا بخير ينتظره. هجرة شرعية أفضل من مراكب الموت في البحر

اتسعت عينا الشيخ دهشة، وسأل: هل تمكنت من الهرب؟

رد على الفور: طبعًا.

الشيخ: إلى أين؟

هشام: بيتنا.

الشيخ: وما عنوان بيتك؟

هشام: هل هذا مهم في تفسير الحلم؟

الشيخ: طبعًا.

أخبره هشام بالعنوان، فعاد الشيخ يسأل: وما اسمك الثلاثي؟

هشام: هل لهذا علاقة بتفسير الحلم؟

الشيخ: علاقة وطيدة.

صمت هشام، فسأل الشيخ: وهل ذهب معك صاحبك إلى البيت؟

هشام: نعم.

ساد صمت، فسأل هشام: هل تريد اسمه الثلاثي أيضًا؟

ابتسم الشيخ وأجاب: لا.

هشام: ولا عنوانه؟

الشيخ: أنت تعرفه طبعًا.

هشام: أعرفه.

صمت الشيخ برهة، وقال: خير يا بني، هذه المرأة عدو ستنتصر عليه، فهل لك أعداء؟

قهقه هشام، وأجاب: لا تخلو الدنيا من خصوم.

ابتسم الشيخ، وقال: هذه رؤية صالحة أتمنى أن تجني ثمارها.

هشام: وما هي؟

الشيخ: ستعرف في الأيام القادمة، أنا أُبشِّرك، ولي الحلاوة.

هشام: أعطني أيَّ طرف أطمئن إليه.

تنحنح الشيخ وقال: ستأتيك فرصة هجرة إلى أمريكا، وتصبح ثريًا، وإلا كيف لك بهذا الموتوسيكل الفخيم؟

قام هشام من عند الشيخ مستبشرًا بخيرٍ ينتظره. هجرة شرعية أفضل من مراكب الموت في البحر. قضى ساعات على المقهى مع صديقه يحدثه عن بشارة شيخ الجامع، حتى انتصف الليل فعاد إلى بيته. خلع ملابسه واستسلم لنوم مريح، لم يلبث أن صار فزعًا حين سمع طرقاتٍ شديدةً على الباب. جرى إليه وفتحه، ليجد ضابطًا وعشرة عساكر، لم ينتظروا إذنه، ومرقوا إلى البيت يفتشون كل شيء فيه، وأم هشام واقفة في حيرة، تسأل ولا أحد يجيبها، ثم أمسكوا به، وسأله الضابط: أين الموتوسيكل؟

نظر إليهم في عجب: لم أمتلك موتوسيكلًا أبدًا.

عاد الضابط يسأله: وأين الرشاش الخفيف؟

انتزع ابتسامة من قلب فزعه، وأجابه: ليس في بيتنا سوى سكاكين المطبخ.

رفع الضابط يده ليصفعه، لكنه امتلك زمام نفسه، مكتفيًا بضغطة على كتف هشام، وقال له: عرفنا كل شيء، ولا داعي للإنكار.

لم يجد هشام ما يقوله، فسأله الضابط: من صاحبك الذي كان يركب الموتوسيكل خلفك؟

هشام: اسمه حازم عبود

الضابط: وما عنوانه؟

هشام: يسكن قريب من هنا، في حي كركر، 3 حارة كشك، المتفرعة من شارع علي العريض، الدور الرابع.

أما المحقق فسأله: هل تحققت من أنها هيلاري كلينتون؟

ابتلع هشام ريقه، وأجاب: ربما كانت أنجيلا ميركل.

ابتسم المحقق، وقال: عقوبة اغتيال هذه أكبر، فالتزم باسم من قتلت، وعرفنا ضحية جريمتك الشنعاء.

كتم هشام ابتسامة، وقال: هيلاري حية ترزق.

الضابط: لكنك قتلتها.

هشام: كان حلمًا.

الضابط: هذا ما صوره لك خيالك، نحن نحقق في وقائع.

هشام: أي وقائع والأمر كلّه حلم، بل كابوس؟

الضابط: لا تراوغ، وعليك أن تدلنا على بقية أعضاء التنظيم.

هشام: لم يكن في الحلم تنظيم، إنما صاحبي فقط.

فالأحلام تكون أحيانًا انعكاسًا لرغبات مكبوتة، ولن ننتظر حتى تحققها، فتجر على البلاد ويلات

هز المحقق رأسه، وقال: تم القبض عليه، وسنحقق معه بعد أن نفرغ منك.

هشام: تحقق في ماذا؟

الضابط: اغتيال هيلاري كلينتون.

هشام: لكنني لم أزر أمريكا أبدًا، ولا أظن أنني فكرت في هذا، وإن فكرت فلن أقدر على السفر، وما قاله لي شيخ الجامع عن سفري هو مجرد كلام في كلام.

الضابط: وما حاجتك للسفر والاغتيال حدث هنا؟

هشام: وهل يمكن أن تحمل مدام كلينتون صحن فول مدمس في شارعٍ مترب بحيٍّ فقير؟

الضابط: ألا تعلم أن معنى ذلك أنها كانت ترغب في مساعدة فقراء المصريين الذين يأكلون الفول كل يوم، لكنك منعتها من القيام بهذا العمل النبيل حين أطلقت النار عليها؟ أنت متهم باغتيال مسؤولة بارزة لدولة صديقة.

لم يجد هشام ما يرد به، فلاذ بالصمت قليلًا، ثم نطق: أريد حضور محام.

رفع المحقق تقرير جهاز أمن البلاد، وغمس عينيه فيه دقيقة واحدة، مرت على هشام دهرًا، ثم قال: سنسمح لك باستقدام محام إن أبلغتنا بالمكان الذي خبأت فيه الموتوسيكل والرشاش.

هشام: لا أعرف عما تتحدث حضرتك.

الضابط: بلاغ شيخ الجامع يتحدث عن موتوسيكل ورشاش، ألم تقل له هذا؟

هشام: حكيت له حلمًا طالبًا منه تفسيره، وبشرني بخير يأتي.

قهقه المحقق، وقال: وهل هناك خير أكثر من ذلك؟ أنت اغتلت مسؤولة بارزة جدًا، وسيردد الناس اسمك في مشارق الأرض ومغاربها، وستصبح مشهورًا، وتدخل التاريخ.

هشام: لا أريد دخول التاريخ ولا الجغرافيا، إنما العودة إلى بيتنا.

ابتسم المحقق، وقال: معروف أين يبيت المجرم.

هشام: أتصفني بالمجرم؟

الضابط: لست وحدك، إنما معك صديقك، وقد قبضنا عليه، وإن لم تعترف أنت سيعترف هو، فوفِّر وقتنا، وأبلغنا ببقية أعضاء التنظيم.

هشام: لم يكن معي سوى صديقي.

الضابط: لكن هناك من أمدكم بالمال الذي اشتريت به الموتوسيكل والرشاش، وهناك من جمع لك معلومات عن خطة سير السيدة هيلاري.

هشام: كانت تمشي في شارعنا.

الضابط: من يريد تمويل اغتيالها سيجنّد أحد جيرانها.

هشام: لكنها لم تمت، وقبل القبض عليَّ بساعتين قرأت على الإنترنت خبرًا عن نشاط لها في واشنطن.

الضابط: تعترف إذن أنك تتعقب أخبارها.

هشام: العالم كله يتابع أخبارها.

الضابط: لكن لم يفكر في قتلها سواك.

ملأ هشام عينيه من وجه المحقق، ليتأكد من جديته، فوجده غاية في الصرامة، فانتزع ابتسامة جديدة، وقال: لأول مرة أعرف أن الإنسان مسؤول عما يفعله في أحلام الليل.

ضحك المحقق، وقال: كثير من الجرائم بدأت بأحلام.

هشام: وهل يمكن تكييف جريمة على هذا النحو؟

الضابط: طبعًا، فالأحلام تكون أحيانًا انعكاسًا لرغبات مكبوتة، ولن ننتظر حتى تحققها، فتجر على البلاد ويلات لا قبل لها بها.

وصمت المحقق برهة، وقال: عليك أن تحمد الله أن الرئيس كلينتون نفسه لم يكن معها، وإلا كانت المصيبة أكبر.

وطلب المحقق أن يأتوه بحازم الذي لم يكن يعرف سببًا لاعتقاله، فلمَّا ووجه بالاتهام، قال: هو من حلم، فما ذنبي أنا؟

ابتسم المحقق وقال: ذنبك أنك عضو في التنظيم.

حازم: أي تنظيم؟

مد المحقق بصره إلى ورقة أمامه، ورفعها إلى وجه حازم، وهو يحط إصبعه على كلمتين، وقال: تنظيم الحلم.

صدر القرار بحبس الشابين خمسة عشر يومًا على ذمة قضية حملت رقمًا وتاريخًا. ضم الحرس يديهما إلى كلابش واحد، وسيقا إلى عربة ترحيلات أخذتهما إلى السجن.

مع الأيام، راح هشام يجيب كل من يسأله عن سبب سجنه قائلًا: قتلتُ الملعونة هيلاري كلينتون، وأرحت العالم كله من شرها.

ولمَّا وجد السجناء في عينيه جدية ظاهرة وهو ينطق بهذا، ويصر عليه، قال أحدهم: مكانك أنت وصديقك ليس هنا، إنما مستشفى المجانين.

فقهقه هشام وقال: أولى بها من أتوا بي إلى هنا.