دعك من كلام أكسجين فالمشويات تملأ الزنازين
رمى عبد البديع الصرماني موبايله ضجرًا، بعد قراءة ما كتبه الصحفي المُفرج عنه حديثًا محمد أكسجين عما يجري في السجون، وعن عبد المنعم أبو الفتوح، الذي قال له "اسأل عني فقد أموت في هذه المقبرة دون أن يدري أحد عني شيئًا". وعن شقيق رجل الأعمال صفوان ثابت، الذي نقل معه رسالة لأخيه الذي سبقه في الخروج من سجن طال سنوات، مفادها: قل له نلتقي في الجنة إن شاء الله.
طوَّح يده في الهواء، ليهشَّ عن رأسه أي شعور بالهموم الآن، لا سيما حديث أكسجين عن ندمه على الخروج من السجن بعد أن اطّلع على بؤس الحال. كان عليه أن يُصفّي ذهنه تمامًا، وهو مقبل على التهام وجبة دسمة.
اتصل بالحاتي ليطلب لأسرته الوجبة الشهية المعتادة كلما ربح مبلغًا سخيًا من تسويق العقارات. ضغط الرقم المسجل لديه لكن دون رد. تعجب، فقد اعتاد أن يجد من يرد عليه بعد رنتين أو ثلاث على الأكثر.
"مقسوم الرزق لمطعم آخر"، قال لنفسه، وضغط زر البحث عن كلمة "مطعم"، فظهر له صفٌّ مسجلٌّ على ذاكرة الموبايل. راح يجرب واحدًا تلو الآخر، لكن النتيجة لم تكن مختلفة. رنين بلا رد.
فتح جوجل، وأخذ يجمع أرقام مطاعم المشويات وعناوينها، ووسائل اتصال أخرى على واتساب، وفيسبوك. تواصل بكل الوسائل، دون رد.
محل واحد رد عليه، فقال له على الفور: عاوز كيلو كفتة وطرب، وربع نيفة، وربع ريش، وفرخة شيش.
جاءته قهقهة تعجَّب لها، ثم الرد: إنت نزيل عندنا؟
اعتقد أنه قد اتصل بفندق، امتعض فرد: أنا زبون، أسكن في التجمع الخامس.
عاد الضحك: أين تسكن بالضبط؟
عبد البديع: قريب من محكمة شرق القاهرة، ونيابة أمن الدولة العليا.
الصوت: إذن اقتربت من أن تكون معنا، لتنعم بما لذ وطاب من أنواع المشويات.
لم يفهم ماذا يقصد محدثه، فسأل: هل يمكن أن أعرف من معي؟
الصوت: الصول سلامة الطرايني
عبد البديع: صول؟!!!
سلامة: أنا، بلا فخر، أمهر طباخ في سجن وادي النطرون.
اجتاحه خوف، فتمتم بكلمات غير مفهومة، ثم ضغط على "أنهِ المكالمة"، وهو بين الحيرة والظن. أراد قطع الشك باليقين، فارتدى ملابسه على عجل وركب الموتوسيكل الذي تركه أمام البناية. جاب كل عناوين مطاعم المشويات في التجمع الخامس والأول والرحاب فوجدها جميعًا مغلقة. هبط إلى المقطم ومنه إلى السيدة عائشة والسيدة زينب، فأخذه الطريق إلى وسط البلد. تتوالى العناوين على GPS دون أن يجد أيًا من هذه المطاعم مفتوحًا.
وجد زوجته وأولاده يتحلقون حول التليفزيون. كان المذيع يقف وسط ساحة أحد السجون، بينما الكاميرا غارقة في دخان المشويات
قال لنفسه: لا بد أن يكون أبو شقرة مفتوحًا، فمطعم عريق مثله لا يغلق بابه.
وصل إليه، فوجد ورقة ملصقة بالباب مكتوب عليها: هذه هي فروعنا الجديدة: سجن وادي النطرون، سجن العاشر من رمضان، سجن بدر، سجن العقرب، سجن المنيا، سجن الواحات، سجن الفيوم، سجن سوهاج، إلخ إلخ.
توالت أسماء السجون في سطور متتابعة حتى آخر الملصق، ثم وقعت عيناه على سهم يحيل إلى ملصق آخر مجاور مكتوب عليه "انتظروا فروعنا الأخرى في كل سجون مصر، وكل غرف الحجز المميزة في أقسام الشرطة والنيابات"، وإلى جوارها عبارة "هنيئًا مريئًا لكل النزلاء الكرام.. ألف صحة وعافية".
في الليلة السابقة، أبلغته زوجته أنها اتصلت مرات بالجزار فلم يرد أحد. لم يَلقَ بالًا وقتها لكلامها. تذكّر زميله في المرحلة الإعدادية الذي ترك المدرسة ليرث مهنة الجزارة عن أبيه في المدبح. اتصل به فجاءه صوته متماوجًا في صفير ريح شديدة، فقال له: يبدو أنك عند البحر.
قهقه، وقال: أنا في بحر الرمال.
سأل: بحر الرمال؟!!
الجزار: في طريقي مع تريللا محملة باللحوم المذبوحة، عجول بقر وجاموس وخراف وماعز وجمال، إلى سجن الواحات.
عبد البديع: قبضوا عليك؟!
الجزار: بعيد الشر، أنا أورد اللحوم لهذا السجن.
عبد البديع: سجن؟!!
الجزار: وزعوا السجون القريبة على جزارين من أصحاب الوسائط، تكلم مع أحد من معارفك لأورد إلى سجن قريب.
حين عاد إلى البيت وجد زوجته وأولاده يتحلقون حول التليفزيون. كان المذيع واقفًا وسط ساحة أحد السجون، بينما الكاميرا غارقة في دخان المشويات، ويقول بصوت عال متهللًا: رائحة المشويات تتدفق عفية إلى غرف النزلاء الكرام، لا شك أن لعابهم يسيل الآن استعدادًا لوجبة الغداء الشهية الدسمة.
ليس لدينا سجناء، ولا معتقلين كما يحلو للخونة وصفهم، إنما نزلاء مكرمين
استضاف أحد مسؤولي السجن، فراح يقول: كل هذا يتم تحت إشراف لجنة نزيهة من وزارة الصحة، تعاين اللحوم قبل استلامها من الجزارين، وتطمئن إلى سلامتها. وهناك ذواقون لا يسمحون بتوزيع المشويات إلا بعد أن يطيب لهم طعمها.
انتقلت الكاميرا إلى صوانٍ معدنية مرصوصة مملوءة بالطحينة، والبابا غنوج، والباذنجان المخلل، وشرائح البنجر، والسلطة الخضراء، وأخرى مملوءة عن آخرها بالبطاطس المحمرة، والأرز الأبيض، والخضار المسلوق المشكل من البازلاء والجزر والكوسة وأوراق الكرافس، في طبق يكاد يشرق من فرط السمن البلدي والدهون الحيوانية الصحية. إلى جانبها أطباق ضخمة من البلاستيك الأبيض مملوءة بأنواع من الفواكه. خلفها دوارق زجاجية مملوءة بالماء الرقراق.
راح المذيع يسرع وهو لا يكف عن التهليل، وخلفه بعض السجانين، ومندوبي الصحة، والأطباء، وعشرة أفراد من منظمات حقوقية، حتى وصلوا إلى ساحة عريضة، رُصّت فيها موائد بيضاء نظيفة، مفروشة فوقها أغطية من النايلون الخفيف تتدلى من أطرافها ألوان علم البلاد، وتطوقها مقاعد زرقاء. رفع مأمور السجن إصبعه والكاميرا تمضي رهن إشارته، وقال: يتناول السجناء وجباتهم هنا في الهواء الطلق.
ثم اختتم المذيع هذه الفقرة قائلًا: يا لها من تجربة عظيمة ملهمة، حسب ما لدي من معلومات رسمية، فقد طلبت كثير من دول العالم المتقدم أن ننقلها إليها، وسنصدرها بالطبع، ونقبض بالدولار.. الدولار الدولار الدولار.
فجأة، انتقلت الكاميرا إلى الأستوديو فظهر المذيع نفسه، يقول: هذا ما سجلناه بالأمس من سجن واحد، وسنذهب كل أسبوع إلى سجن آخر، فانتظروا أعزائي المشاهدين مزيدًا من الإبهار. إنها يا سادة فنادق خمس نجوم، بل سبعة. ليس لدينا سجناء، ولا معتقلين كما يحلو للخونة أن يرددوا، إنما نزلاء مكرمين. وحتى تتأكدوا من صدق ما نبثه إليكم ستدخل كاميراتنا إلى الغرف لترى عيونكم كيف أنها لا تقل روعة عن مثيلتها في فنادق القاهرة.
وضع أصبعه على الإيربيس وبدا أنه ينصت إلى صوت أحد المعدين في غرفة التحكم، ثم اكتسى وجهه بالغضب، وصاح رافعًا سبابته: لا تهاون مع أعداء الوطن الذين خرجت زمرة منهم بالأمس في الزاوية الحمراء والشرابية يهتفون كالمجانين مطالبين الحكومة أن يلتحقوا بالسجون.
سحب ثلاث جرعات من كوب ماء أمامه، وقال: أُحذر أيضًا مطلقي الشائعات، الذين يزعمون أن هناك واسطة ومحسوبية لنيل فرصة دخول السجن، وأقولها صراحة مدوية إن الحكومة تطبق بصرامة كل معايير الجدارة لضمان وصول الحبس لكافة مستحقيه، ولا مجال لفساد.
مد يده إلى ملف أمامه، وأخرج منه ورقة مسطورة، وقال: أعدت الجهات المعنية نموذجًا يحمل معايير الالتحاق بالسجون، وهناك التزام حرفي بتطبيق ما فيه، لقطع الطريق على الكاذبين.
ثم أخرج نموذجًا آخر، وقال دون أن يفارق التجهم ملامحه: هذا يخص نوع اللحوم التي تُشوى في السجون من أجل النزلاء الأعزاء. إنها لحوم بلدية، لا مجال هنا للحوم المجمدة المستوردة كما يزعم عناصر الطابور الخامس.
صمت المذيع فجأة، وأطلق ابتسامة عريضة انفتح لها فمه حتى بلغ أذنيه، وقال: لدي خبر سار، سأذيعه الآن، لتخرس أصوات المشككين في الإنجازات، فالحكومة خصصت في الموازنة الحالية ثلاثين مليار جنيه لبناء سجون جديدة تستوعب طالبي الالتحاق بها.
واكتسى وجهه بجدية ظاهرة، وقال: هذه إمكانيات الحكومة الحالية، وهناك طلب تم تقديمه لصندوق النقد الدولي قبل أيام، ليقرضنا خمسة مليارات دولار لبناء سجون جديدة، وهناك مفاجآت أخرى في الطريق.
استضاف المذيع في الفقرة الأخيرة أحد أعضاء مجمع اللغة العربية، الذي راح يشرح كيف ألغى المختصون كلمة سجن من القاموس، وقال بصوت متهدج من فرط التأثر: ليقل كل منكم من اليوم فصاعدًا النزيل وليس السجين، أما كلمة معتقل فلم يعد لها أثر في المعاجم والقواميس الجديدة، إنه أيها الأخوة "الضيف.. الضيف الكريم المعزز"، الذي سمحت له حكومتنا السنية بأوقات هنيئة للاستجمام والراحة السكينة، يتنعم فيها بالمشويات اللذيذة جدًا. حقًا، إنها جنة رضوان التي هبطت إلى الأرض.
ندرس الآن اقتراحًا ببناء سور عال يطوق مصر، كل المليون كيلو متر مربع لا يترك مليمترًا واحدًا
وما إن انتهى البرنامج حتى بدأت فقرة إعلانية مطولة، أُعدت بإحكام ومهارة، تطلب من القادرين أصحاب القلوب الرحيمة التبرع السخي لصندوق جديد اسمه "ابني سجنك بنفسك"، للحفاظ على مستوى الخدمات في السجون الحالية، وبناء أخرى مطلوبة بشدة.
في اليوم التالي قدم أحد أعضاء البرلمان استجوابًا إلى وزير الداخلية يتهمه بالإهمال في الاستجابة لمطالب الشعب بالتوسع في بناء السجون. وقف الوزير شامخًا، وفي يده ملف، فتحه على مهل، بينما عيون النواب جميعًا مصوبة إليه، والآذان منصتة بإمعان. أخرج ورقة ورفعها في عيون الحاضرين، وقال: نحن نسبق الجميع بخطوة، بل خطوات، ولا أبالغ إن قلت إننا نسبق بسنة ضوئية، فنحن ندرس الآن اقتراحًا مهمًا ببناء سور عال يطوق مصر، كل المليون كيلو متر مربع لا يترك مليمترًا واحدًا، حتى يعم على الشعب الشعور الذي يملأ نفوس نزلاء السجون والحجوزات والإصلاحيات الكرام.
صرخ مقدم الاستجواب: الشعور لا يكفي يا معالي الوزير، المواطنون يريدون امتلاء بطونهم وليست نفوسهم.
التفت وزير الداخلية إلى زميله وزير الزراعة والثروة الحيوانية وقال: نحن منظومة عمل متناغمة. عملنا حساب كل شيء، ألم أقل لكم إنها سنة ضوئية؟
مد يمناه، وأخرج ورقة أخرى من الملف وقال: هذا ملخص خطة للتوسع في بناء الزرائب والأحواش والمعالف حتى نحقق للجميع الاكتفاء من اللحم.
ثم اكتسى وجهه بجدية، وقال: لن نسمح لأحد بتناول وجبته من المشويات اللذيذة خارج السور الكبير، ومن يخرق التعليمات سنسحب منه الجنسية على الفور، ولا تهاون في ذلك بتاتًا البتة.
تابع "الصرماني" وقائع جلسة البرلمان، ثم التفت إلى زوجته وقال في فرح: عليّ من اليوم السعي لحجز مكان لأسرتنا إلى جانب السور الكبير.
ابتعلت ريقها الذي كانت تشعر بأن طعم الشواء قد سكنه، وقالت: لا يجب أن ننتظر بناء السور يا فالح.
نظر إليها في تعجب، وسألها: وماذا علينا أن نفعل؟
أجابته على الفور: بكرة، وقبل شروق الشمس، نخرج أنا وأنت والعيال في مظاهرة أمام المحكمة والنيابة، لعلهم يقبضون علينا، ويرسلوننا سريعًا إلى السجن الذي رأيته في التليفزيون.