نيران ترامب تضرب مال الخليج وليس فقط نفطه
اختار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دول الخليج محطةً لزيارته الخارجية الأولى في بداية فترة رئاسته الثانية، والسبب معروف؛ فدور هذه الدول في الاقتصاد العالمي لم يعد مقتصرًا على تصدير النفط مع تحوّلها إلى مركز هائل لتصدير رؤوس الأموال التي يرغب الرئيس تاجر العقارات في جذب قدر إضافي منها.
لكن مع فقدان دول الخليج جزءًا كبيرًا من صادراتها البترولية إثر إغلاق إيران مضيق هرمز ردًا على العدوان الأمريكي الإسرائيلي، تزداد حاجة الخليج لتسييل استثماراته المالية في الولايات المتحدة وغيرها من الأسواق المتقدمة، لتصبح تلك الأزمة واحدة من نيران ترامب الصديقة التي تضرب، كـالمعتاد، الاقتصاد الأمريكي.
في بداية الحرب، تناولت أغلب التحليلات والتعليقات آثارها المباشرة على أسواق الطاقة، بالنظر إلى أن الخليج العربي هو مصدر نحو 28% من صادرات النفط الخام عالميًا.
ومع استمرار الهجوم لنحو 40 يومًا والردود الإيرانية المؤثرة على حركة التجارة العالمية قبل الهدنة؛ تناولت التحليلات تأثر سلاسل الإمداد العالمية، وانعكاس ذلك على سلع مثل الأسمدة أو الألومنيوم وصولًا إلى الرقائق الإلكترونية، واعتبر CNN أن الأزمة التي بدأت من النفط امتدت إلى كل شيء.
ولم تكن تلك الاضطرابات بعيدة عن أسواق المال، فقد شهدنا ارتفاع العائد على السندات الحكومية الأمريكية، وهو مؤشر على إحساس المستثمرين بمخاطر هذه السوق. وتشكك البعض في استمرار نظام البترودولار، بعد أن صارت إيران قادرة على قطع طريق هذا النفط.
تقدر إجمالي الأصول التي تملكها صناديق دول الخليج بـ5.6 تريليون دولار أمريكي
لكن بجانب كل هذا الزخم، ورغم الهدنة، ففي حال استؤنفت الحرب واتسع نطاقها قد نشهد نقاشات أوسع حول تأثيرها على الخليج كمستثمر مالي في الغرب والأسواق المتقدمة.
لقد تحولت دول الخليج العربي في العقود الماضية، لا سيما الصغيرة في الحجم صاحبة الثروات النفطية الضخمة، إلى مصدر أساسي لرؤوس الأموال، ولعل أكبر ما يدل على هذا الدور هو الحضور القوي للصناديق السيادية وأشباهها من أذرع استثمارية تديرها حكومات السعودية والإمارات وقطر والكويت بدرجة أساسية.
وتقدر إجمالي الأصول التي تملكها صناديق الدول سالفة الذكر بـ5.6 تريليون دولار أمريكي في 2025-2026، وهي تتنوع بين سندات وأذون حكومية. كما تشمل أسهمًا في بعض كبريات الشركات مثل الاستثمارات السعودية في شركة إكس ومطارات مثل هيثرو الذي يمتلك صندوق الاستثمار السعودي 15% من رأسماله.
بعد هذا التوسع الكبير للاستثمار المالي الخليجي، قد تقطع الحرب حركة المال من الشرق إلى الغرب، أو ربما تغير اتجاهها لتعود من جديد إلى وطنها الأم في الخليج
التسييل لتعويض الخسائر
أول الأسباب التي قد تدفع إلى تغيير اتجاه حركة المال عالميًا هو حاجة حكومات الخليج إلى تعويض الخسائر التي لحقت بها من تعطل قدراتها على تصدير النفط والغاز.
لا تزال الطاقة غالبة على صادرات الخليج بنسبة تصل إلى نحو 80% في السعودية، وحتى في الإمارات التي يرى البعض أنها أنتجت تجربة ناجحة في التنويع الاقتصادي، ما زالت صادرات الوقود الأحفوري تمثل ما بين 50 و60% من إجمالي صادراتها السلعية.
قد يُعاد توجيه الاستثمارات الخليجية عن الولايات المتحدة كوسيلة للتعبير عن الاستياء من ترامب
ومن هنا، فإن تعويض التوقف الجاري في التصدير (علمًا بأن تعافي القدرات التصديرية سيستغرق عدة شهور حتى في حال أنتج وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه مؤخرًا تسوية قابلة للاستمرار)، وما يتبعه من انخفاض في الإيرادات، سيعتمد إما على التوسع في الاقتراض أو تسييل جزء من الاستثمارات في الخارج.
وإلى جانب ذلك، هناك اعتبارات سياسية أكثر منها اقتصادية، تتعلق بكيفية استخدام حكومات الخليج مركزها كمُصدِّرة لرأس المال، في تحسين موقعها الجيوسياسي إقليميًا وعالميًا، مع انكشافها الذي أكدته الحرب الأخيرة في مواجهة الهجمات الإيرانية، وإشكالات الدور الأمريكي الذي عرّض تلك الدول للعديد من المخاطر دون أن يأخذ مصالحها في الحسبان بأي شكل ملموس.
في هذا السياق قد يُعاد توجيه الاستثمارات الخليجية عن الولايات المتحدة كوسيلة للتعبير عن الاستياء من ترامب، أو قد تميل دول الخليج لزيادة استخدام اليوان الصيني أو غيره من العملات الآسيوية لكي تمنح صادراتها فرصة أكبر في عبور مضيق هرمز.
هذه كلها سيناريوهات غير مؤكدة، لكنها في الغالب تدور في أذهان صانعي القرار الخليجي، وسيكون لها تأثيرها ولا شك على مستقبل لا المال فحسب بل الاقتصاد السياسي العالمي كافة.