تصميم سيف الدين أحمد، المنصة 2026
قارن نتنياهو المسيح بجانكيز خان معتبرًا أنَّ الأخلاق وحدها لا تكفي للبقاء

قراءة في "فن الحرب".. لا منتصر أبدي

منشور السبت 28 آذار/مارس 2026

التصريح المثير لرئيس وزراء الكيان، الذي وضع فيه المسيح وجنكيز خان في مقارنة قائلًا "إن يسوع المسيح ليس له أفضلية على جنكيز خان" يقصد أن القوة التي يمثلها قائد المغول تغلبت على الأخلاق التي يمثلها المسيح. الأخلاق وحدها لا تكفي للبقاء. اعتمد نتنياهو في مقارنته، كما ذكر لاحقًا، على المؤرخ والفيلسوف ويل ديورانت صاحب قصة الحضارة عندما قال إن التاريخ ليس انتصارًا للخير أو الشر، بل توازن متغير بين القوة والمعنى، أو الأخلاق.

القوة حالة مادية تملك أدوات مرئية، بينما الأخلاق فكرة رمزية مستجلبة من خارج هذا الواقع الذي تسيطر فيه القوة. ربما ظهرت الأخلاق طرفًا في تلك الثنائية لتحد من لا أخلاقية هذه القوة المادية.

ثمة علاقة أزلية بين القوة والأخلاق؛ فبينما تحضر القوة بآنيّةٍ طاغيةٍ، تحتاج الأخلاق زمنًا طويلًا لترسخ حضورها. وحينما يتحول الرمز الأخلاقي عبر التاريخ إلى فعلٍ مادي، فإن الأخلاق تغدو قوةً ملموسةً قادرةً على مجابهة القوى التي ناصبتها العداء. الآن، وعبر هذه الحروب غير المتكافئة، نخضع لسلطة هذه الأزمنة القصيرة للقوة وأخلاقها المستهلكة.

الزمن الطويل

هناك تصوُّر مخالفٌ للفيلسوف الألماني هيدجر ينحاز إلى مفهوم الزمن الطويل: القوة لا تكشف عن مكونات الوجود مثل الأخلاق، فرموز ومعاني الوجود العميقة ليست سطحية لتكشف عن نفسها ببساطة أمام تهديد القوة، وتزول بسيطرتها، لكن هذه الرموز والمعاني حاضرة دومًا في العمق، فالتضحيات التي تستدعيها للحفاظ على الأخلاق هي ما يمنح الوجود بعدًا جديدًا، لذا توسع التضحيات والمقاومة التي تبذل من أجل نصرة الأخلاق من حجم الواقع.

تبعًا لمفعول الزمن الطويل، فإن نموذج المسيح، الذي ذكره رئيس وزراء الكيان، اكتسبت تضحياته قوة موازية عبر الزمن، بينما تآكلت قوة جنكيز خان. فالتاريخ وحده هو الذي له الحق في تحديد المنتصر؛ القوة أم الأخلاق، الخير أم الشر. هذه الثنائية جزءٌ من ميراث العدالة لأي إنسان، أو جماعة، أو فلسفة.

اكتسبت ثنائية القوة/الأخلاق طوال فترات التاريخ المأزومة مكانة خاصة؛ ربما لأنها تشي ببراءة في المقارنة، مثل براءة اللونين الأبيض والأسود، أو براءة نموذج قابيل وهابيل، وغيرهما من الثنائيات، التي تمنح الحضارات الإنسانية العمود الفقري لكافة نشاطاتها وفلسفاتها.

ليس هناك منتصر أبدي ولا مهزوم أبدي فالانتصار والهزيمة يتجليان في لحظات سرعان ما تتبدل

أيضًا ثنائية الين واليانج في الحضارة الصينية التي ترى أن أي شيء في الوجود يتكون من قوتين متقابلتين وفي الوقت نفسه متكاملتين، وهو ما منح هذه الثقافة بعدًا إضافيًا في الصراع بين قوتين، هو رغبة التكامل والاتحاد والتداخل، فالجانب الأبيض الذي يمثل الين يحمل جزءًا صغيرًا من اللون الأسود الذي يمثل الطرف النقيض اليانج، والعكس صحيح. كل منهما يحمل جزءًا من الآخر، ليبقى التحول والتبادل سمة هذه العلاقة الثنائية.

تمامًا كما يحدث التداخل أحيانًا بين الأخلاق والقوة، ففي العصور الحديثة استعار مفهوم الأخلاق في الفلسفة النيتشوية، التي اتخذت موقفًا مضادًا للمسيح، بعضًا من عناصر وصفات القوة، ليمنح نفسه حصانة أمام مثالية الأخلاق التي يمثلها المسيح في نظرها.

 القوة والأخلاق

وُضع كتاب فن الحرب المنسوب للمؤلف المجهول صن تسو في زمن الممالك الصينية المتحاربة، الذي انتهى مع توحيد الصين تحت إمرة أسرة تشين في القرن الثالث قبل الميلاد تقريبًا.

لوحة لمعركة بين المغول وأسرة جين الصينية في عام 1211 ميلادية.

في هذا الكتاب تتداخل العلاقة بين النقيضين القوة والأخلاق كأن هناك صلة قربي بينهما قبل أن يفترقا كنقيضين غير قابلين للتجاور كما حدث في الثقافة الأوروبية الجدلية. العالم الذي خرج منه هذا الكتاب كان يرعى هذه الثنائيات ويراها جزءًا من ديمومة الحياة.

ظهر فن الحرب ليؤرخ للعلاقة بين القوة والمعنى، واضعًا تعريفًا جديدًا للانتصار وللهزيمة، فليس ثمة منتصر أبدي، ولا مهزوم أبدي، إذ يتجلى الانتصار والهزيمة في لحظات عابرة سرعان ما تتبدل، فالكون وقواه في حالة تحول مستمر ولا يعرف الثبات، وأي نظرة ضيقة، سواء من الإنسان العادي، أو من القائد في المعركة، ستعوق سريان حكمته.

شمولية النظرة للحياة

الحكمة التي يتسم بها فن الحرب، والفلسفات الصينية عامة، تعتمد على شمولية النظرة للأشياء، فالعالم تبعًا لها مؤلف من عناصر متغيرة ومتداخلة فيما بينها، من المهم رصد طريقة حركتها وتبدلها أثناء الحياة/المعركة، فالاستيلاء على دولة كاملة، كما يقول الكتاب، هو الأسلوب الأفضل، أما تدميرها فأقل من هذا شأنًا، كأن العدو لا بد أن يظل حاضرًا على الدوام جزءًا من ثنائية دائمة التغيُّر، لا يُقضى عليها.

شمولية نظرة الصن تسو تتجسد في أن ما يطبق على الحرب يمكن تطبيقه على أبسط الأشياء في حياتنا العادية ربما لأنه خرج أساسًا من بين ثنايا هذه الحياة العادية، قبل أن يكون منهاجًا لإدارة الحروب.

"فن الحرب" نصٌ عن الحرب يخفي داخله نصًا عن الحياة، لكي يحميه ربما غطاه بهذا الدرع الحربي، ففي البداية كانت الحروب جزءًا من تشكيل الحياة اليومية، ولم يكن لها الشكل المتخصص مثلما هي الآن.

هذا الازدواج المقصود، وربما غير المقصود، سواء في النص، أو في الثقافة الصينية، يصل عبر لغة بسيطة وعميقة كما يذكر مترجم الكتاب كامل يوسف حسين، تشبه اللغة الصوفية لها سطح وباطن وحسب مكان رؤيتك واستيعابك تحصل على المعنى المطلوب. فالقارئ العادي جزء من هذا النص وليس فقط القائد في المعركة الذي يُوجِّه له الكتاب حكمته.

التحول وليس الثبات

ربما خلاصة الحكمة في الكتاب هي كيفية تجاوز القارئ أيًا كان قائدًا أو حاكمًا أو إنسانًا عاديًّا لذاتيته. "هذا القائد الحكيم الذي يعد مثالًا فذًا للبراعة والحكمة الإنسانيتين، والذي عن طريق نظرته الكلية للأشياء يمكنه أن ينتصر دون خوض غمار القتال" حسب ما يقول الكتاب.

يفترض الصن تسو صراعًا نشب بصورة طبيعية ولا سبيل إلى تجنبه وأن الحماية هي الوظيفة العادية التي تضطلع بها القوة الحربية:

"مئة انتصار في مئة معركة ليست بالبراءة القصوى

أما إخضاع محاربي الآخر بلا معركة فهو البراعة القصوى"

ربما أهم حكمة يحملها الكتاب أن التحول وليس الثبات هو قانون الحياة والمعركة. فنحن لسنا أشياء ثابتة وإنما جزءٌ من عملية انتقال في الزمان والمكان نتفاعل وسط أحداثها على الدوام مع الآخرين، كما يحدث في الحرب؛ بداية من الجنود للبنادق للخرائط وصولًا إلى المناخ وغيره من التفاصيل جميعها تغدو جزءًا من الانتصار. العالم عبارة عن قطع متحركة لا حصر لها، تكبر قطعة أو تنكمش أخرى حسب السياق الذي وضعت فيه.

القوة الكامنة في ترتيب الأشياء

لكن من أين تأتي القوة وسط حركة وتداخل هذه التفاصيل الكثيرة، كيف تنتظم لتصبح لديها القدرة على حسم المعركة؟ يجيب "فن الحرب" بأن السرَّ في لحظة التوافق، أو القوة الكامنة التي تسري فيما بين هذه التفاصيل، التي عندها يتجاوز  كل جزء الشكل المحدد له، وتسمى الشيه، وتعني القوة الكامنة في ترتيب الأشياء. يشبهها بـ"اندفاع الماء العارم إلى حد الإطاحة بالصخر"، أو "الحياة المتوثبة التي تنطلق في الغمام"، فالقوة الحربية تعتمد على المخطِط الاستراتيجي الذي يقرأ عناصر المعركة والمناخ، والجغرافيا، للوصول إلى تلك اللحظة المتجاوزة التي يكتسب فيها كل عنصر قوته الكامنة، متوافقًا مع العناصر الأخرى.

الهدف من كل هذا هو الوصول إلى سر التعايش والتحاور بين العناصر

هذا "الشيه" يمكن صقله وتعهده بالرعاية من خلال مراكمة الطاقة، ثم تركزها في بؤرة محددة بصورة كاملة.

عندها تكون اللحظة الحاسمة والمناسبة للتدخل لإصابة الهدف وإطلاق هذه الطاقة المتوثبة، التي تسمى "الإيماءة" أو "ضربة الصقر في غمار النهشة القاتلة" هذه الفرقة الصغيرة التي تفصل كل جزء عن الذي يليه.

إن العالم يتحرك باستمرار، فيجب ألا نكون أشجارًا كما يقولون في أدلة السفر، بل نتحرك باستمرار مع إيقاع الحياة المتغير. أن تكون أفكارنا مثل "الماء المتدفق في منحدرات الوادي الضيق شديد الانحدار، ولا نعوق تدفقه حتى  لا نكون أعداء أنفسنا ونتشبث برؤية محدودة". نلاحظ أنه دائمًا ما تأتي تشبيهات الكتاب من الطبيعة. من هذا العالم المرئي والمادي معًا تأخذ الصين حكمة الحياة.

أنماط قديمة

يرجع الكتاب سبب التثبيت إلى انتشار أنماط قديمة من التفكير، تعوق تدفق الماء/الأفكار. فهذا التثبيت ينشئ تصورات تمنعنا من رؤية العدو لأننا لا نرى أنفسنا بوضوح. فرؤية الآخر/العدو لا تتم إلا برؤية الذات، وقدراتها. "لذا فإن العالم الذي يولد طازجًا وجديدًا في كل لحظة يتحول إلى شيء مألوف على نحو متصلب".

ترى ثقافة الطاو الصينية أن التثبيت ناتج عن رؤية أكثر محدودية وهي محاصرة على الدوام مثل أجحار في مجرى مياه تندفع هادرة، قد تقاوم وتتماسك للحظة، أو لأعوام قد تصل لقرون، لكن في النهاية ستُكتسح لأنها تقف عائقًا، ثابتة لا تجري مع الماء ولا تنضم لطاقته.

يجب أن ننظر لهذه الحالة من منظور أرحب، أن نصبح نحن، المجرى المندفع والحجر معًا، وإذا نظرنا إلى الحجر ذاته باعتباره طاقة أو "طاقة تأخذ شكل الحجر"، فهذا ليس تثبيتًا عندئذ ننفتح على ذهن أكبر يتجاوز الاهتمامات الصغيرة ويعلو على أهمية الذات، أو تتلاشى الذاتية وسط هذا الجريان الحر للماء وللحياة من خلالنا، سواء كنا بشرًا، أو وقودًا في معركة:

يقول النص:

إنه يتقدم غير أنه لا يسعى وراء الشهرة

يتراجع غير أنه لا يتجنب اللوم.