برخصة المشاع الإبداعي، ويكيبيديا
ساحة ستانيسلاس، مدينة نانسي، فرنسا

رحلة إلى نانسي.. أدباء ومنفيون

منشور السبت 11 نيسان/أبريل 2026

دُعيت منذ أسبوعين إلى مدينة نانسي بإقليم اللورين بفرنسا للمشاركة في مهرجان أدبي بعنوان "كُتبٌ من مكان آخر". خصص المهرجان دورة هذا العام للأفارقة. يرتبط حضور إفريقيا بثيمات الهجرة والمنفى والاستعمار، الذاكرة الفردية وعلاقتها بالذاكرة الجمعية، الاستخدام المتطرف للسلطة، والهروب من أَسر ديكتاتورياتها إلى المنافي الأوروبية، بالإضافة إلى أدب السجون.

تأخرت الطائرة. وهناك قطار سأستقله إلى مدينة نانسي من محطة الشرق التي تبعد عن المطار 50 دقيقة. حذرني أحدهم من سائقي الليموزين ومغالاتهم في الأجرة. ورغم ذلك استسلمت عندما وجدتهم ينتظرون في صالة الاستقبال، يبدو أن التحذيرات تأتي بمفعول عكسي معي.

في كل محطة قطار وصالة مغادرة في المطار هناك بيانو ضخم في انتظار العازفين الهواة

استسلمت لابتسامة علي من مالي بعدما رفضت العديد من السائقين. حملت ابتسامته بعض المكر التقليدي، أبلغني بسعر التوصيلة لمحطة الشرق، حدد لي سعرًا يتجاوز السعر القانوني، كما عرفت فيما بعد، لم تشفع لي دراسته في الأزهر.

وصلتني رسالةٌ في القطار من إحدى المتطوعات في المهرجان من أهل المدينة بأنها ستنتظرني بجانب البيانو. في كل محطة قطار، وصالة مغادرة بالمطار، هناك بيانو ضخم في انتظار العازفين الهواة كجزء من مبادرة فنية واجتماعية لإضفاء البهجة على أماكن العبور، لأنها أماكن مليئة بالتوتر والخوف.


سرت وراء الموسيقى حتى وصلت حيث تقف مستقبلتي. أخبرتني أن هناك كاتبًا آخر  من السودان جاء على القطار نفسه من باريس، عبد العزيز بركة ساكن الذي قرأت له روايتي الجنقو مسامير الأرض ومسيح دارفور عن مأساة حروب جنوب السودان المأساوية.

تعجبني لغة بركة ساكن؛ خليط بين اللهجات المحلية والعربية الفصحى، الطرافة في المواقف والسخرية المبطنة تقلل من مأساة ما يتحدث عنه. هناك حياة طازجة يعيشها أناس بسطاء محاصرين بالقتل والفقر والخوف.

أخبرني عبد العزيز، الذي درس في جامعة أسيوط  في الثمانينيات، بمدى حبه لصاحب التاريخ السري لنعمان عبد الحافظ، و"ديروط الشريف" للساخر الكبير محمد مستجاب. هناك شبَهٌ يجمعها.

عبد العزيز واحد من الكتاب السودانيين الذين كان لزامًا عليهم أن يتركوا بلده خوفًا من بطش السلطة المركزية.

مثلت أيام المهرجان الثلاثة فرصة للتعرف على عالمه وبعض أبناء جاليته الفارين إلى أوروبا الذين التفوا حوله خلال المهرجان لتوقيع كتبه تضامنًا، وإعادة لتكوين الوطن المفقود في المنافي.

المنفى لا زمان ولا مكان

استيقظت هويتي الإفريقية وسط هذا الجمع من الكتاب الذين جاءوا من الكاميرون، زيمبابوي، السودان، موريشيوس، مدغشقر، الجزائر، المغرب، تونس، الكونغو، ساحل العاج، السنغال، نيجيريا، وبنين. بلاد علَّم عليها الاستعمار بلعنته الأبدية.

يكتسب مفهوم المنفى معنى ومكانًا جديدين، بعد أن كانت منافي ما بعد الحربين العالميتين مقتصرة على كتَّاب وفلاسفة أوروبا ومنظريها الفارين من الديكتاتوريات، ثم جاءت إفريقيا لتأخذ نصيبها من المنفى، سواء في عقود التحرر الوطني أو الديكتاتوريات الوطنية.

إحدى ندوات "كتب من عالم آخر"، مارس 2026

كان مضمون بعض اللقاءات مع الجمهور أن هناك تواطؤًا بين فساد حكام البلد الأصلي مع الطبقة السياسية في بلد المهجر من حكام أوروبا، بما يفضح الأحلاف التاريخية التي صنعت واقعًا يائسًا ووضعت الجميع أمام مستقبل بلا ضمير.

"المنفى لا زمان ولا مكان"؛ يستعين بركة ساكن بإدواد سعيد في كلمته ضمن الندوة التي جمعته بجاسبار، كاتب شاب من الكاميرون، وجوسلين من الكونغو، وهما من مواليد التسعينيات. يتقشر المكان والزمان من حول المنفِي أو المهاجر. ربما يحمل المنفِي إرثًا أكبر من الفراغ الوجودي المحيط به، حيث المكان والزمان يمنحانه الحماية. بدونهما يعيش بدون جاذبية دنيوية، يسبح دائمًا في شاطئ ضحل من المشاعر.

هذا الإحساس لدى بركة ساكن ليس نفسه عند زميليه في حلقة النقاش التي كان عنوانها "المنفيون والأحلام". لمست في تعليقات أولئك المنفيون الجدد من إفريقيا ما بعد الاستعمار شعورًا بالفرح بالمنفى الذي اكتسب سحرًا خاصًا بالنسبة لهما، دون الوقوف أمام هذا البحر الساكن للعدم الذي يسكنه، الذي لا يعكس صورتهما.

لوحة "امرأة تصطاد البرغوث" لجورج دي لاتور

ربما هذا الجيل المنفي الحديث يخلط بين المنفِي والمهاجر واللاجئ: الثلاثي الأسطوري في أدبيات مفكري جماعة فرانكفورت، خاصة تيودور أدورنو وفالتر بنيامين، اللذين هربا من جحيم النازية.

أمّرُ في الصباح الممطر، بصحبة المترجم سمير فريح، على متحف المدينة، الذي يغطي عصورًا فنية مختلفة من القرن الرابع عشر إلى الحادي والعشرين، بالإضافة إلى قطع فنية بارزة من حركة الفن الجديد/Art Nouveau المرتبطة بمدرسة نانسي.

تحمل عدد كبير من اللوحات التي صُودرت من الكنيسة بعد الثورة الفرنسية تلك البصمة الأيقونية للرسومات الكنسية لحكايات الكتاب المقدس، بجانب لوحات عن الطبيعة. تعرفت سريعًا على لوحة الفنان الفرنسي جورج دي لاتور "امرأة تصطاد البرغوث". بينما جزء كبير من بطنها عار، منحها الضوء المتدرج إضاءة وروحانية الأيقونات المسيحية، جو صلاة أو تبتل أو ندم برأسها الساقطة رغم الفعل العادي الذي تقوم به.

الضوء موضوع قائم بذاته في لوحات دي لاتور بغض النظر عن مضمونها. يبدو كما لو أنه يبحث عن ماهيّة التصوير، إذ ينكب تركيزه على تشييد لحظة عابرة وبلورتها بإتقان.(*)

الكتابة ليست آلة شخصية

في فندق المدينة، حيث تعقد ندوات المهرجان الذي تنظمه مؤسسة ديوان، هناك حضور لجمهور ربما يتجاوز الستين عامًا من الرجال والنساء، مع قلة من الشباب. أغلب الحاضرين يحملون أجندات يدونون فيها ملاحظات ربما لا يسعفهم زمن الندوة لإلقائها.

أستعيد مع قراءتي للشعر أمام هذا الجمهور مشاعر عميقة بالتحقق الذي كثيرًا ما أنساه في مصر

أين تذهب هذه الأجندات؟ هل تُركن بعيدًا في الأدراج، أم تمثل نقلة عبور صغيرة في طريق المعرفة؟ لا يزال هناك اهتمام بالمعرفة، ولو كان وراءه يأس تصدّره القارة العجوز، كما يسمونها، هذه العجوز شيدت مصانع للثقافة وأدواتها لتحافظ على حيويتها.

أستعيد مع قراءتي للشعر أمام هذا الجمهور مشاعر عميقة بالتحقق الذي كثيرًا ما أنساه في مصر، حيث يختفي تحت قاع من عدم الثقة والنسيان وأمور الحياة غير المواتية.

أُلقي القصائد باللغة العربية، وهناك ممثلة تقرأ النسخة الفرنسية. أثناء إلقائي، أوجه عيني ناحية عبد العزيز أو سمير، حتى أشعر باكتمال الدائرة بين الكاتب والقارئ، التي يلتحم طرفاها متأخرًا قليلًا بعد ترجمة الأشعار وأسمع صوت تصفيق الجمهور.

في حلقة نقاش بين الشعر والفلسفة بمشاركة الشاعر الجزائري المهاجر صلاح، وشاعر شاب من مدغشقر، أعيد حكايتي مع بداية الكتابة. ليست حكاية عن الكتابة فقط لكنها حكاية حياتي. الكتابة أو حكاية الكتابة مكان ولادتي الذي سأكرره حتى أموت أو أخفيه كأني وُلدت من العدم أو بدون أصل.

ردًا على سؤال من القاعة عن سبب الكتابة بالفرنسية وهي لغة المستعمر، ذكر الشاعر الجزائري كاتب ياسين أنه يفعل ذلك ليستولي على لغة المستعمِر. أما الشاعر الملغاشي الشاب، فولادته الشعرية جاءت بعد ولادة ابنه، عندما صارت له هويتين كأب وابن. عبر هذه الولادة انفتح شرخ وجودي في نفسه، يخرج منه الشعر.


حكاياتنا مرسومة على وجوهنا/ بعدد المئات الذين سنقابلهم في محطات القطار/ بعدد الأسئلة التي يحملها الغريب في بلد غريبة/ بعدد مرات سوء التفاهم في قراءة مواعيد المغادرة/ بعدد الأسئلة التي يحملها المسافر ولا إجابة لها/ الأسئلة تخلق أصدقاء في الطريق/ بعدد هواجس ألا نلحق القطار لمحطة أخرى/ الحكايات منثورة بعدد الآلاف الذين يحيطون بنا/  وينتظرون منا أن نبدأ بالحديث لأننا غرباء/ تنبثق العاطفة من الجميع/ ليس هناك ثقافة باردة، وأخرى دافئة/ هناك إنسان، مسافر أبدي، يبحث عن آخر/ بعدد الخرائط التي نحملها ونشهرها كعلامة على تيه أبدي/أسير والمطر يسير معي.


(*) مقال سيّد الضوء: كيف تفيض رؤيةُ جورج دي لاتور الرمزيةُ بأعمق سرائرنا| ستيفن غامبارديلا– ترجمة: فادي حنا https://mana.net/la-tour