أصفهان نصف جهان
مصارع المدن تحت سنابك النفط
في خضمِّ التطاحن حول آبار النفط تحت لافتات تباينت في عبثيتها وإن توحَّدت في زيفها؛ أتانا خبر قصف إسرائيل منشآتٍ نوويةً ومصانعَ عسكريةً، وبنىً صناعيةً مرتبطةً بالوقود في المدينة الأعز على قلب كل إيراني، ودرة تاج الشرق: أصفهان.
توالت صور السحب الدخانية السوداء، ونظرات الغربان التائهة الفزعة، وسُجِّل بعض المناطق هطول أمطار حمضية سامة. بدت أصفهان امرأة زائغة العينين خرجت لتوها من تحت أنقاض دمار ساقه شره السلطة والمال.
تسنى لي قضاء رحلة ممتعة في دراسة المدن القديمة في منطقتنا المنكوبة ببهائها، من المدينة المنورة للقاهرة، ومن الإسكندرية إلى عكا، ومن بيروت إلى كابول، ومن بغداد إلى أصفهان، وذلك إبان التحضير لكتابة روايتي الأحدث دماء على خرائط الشرق. تفردت كل مدينة بشخصيتها، واتصلت بباقي المدن في عراقتها وطيب خيرها.
لم تأبه الأيدي المغتالة، بتاريخ، وحضارة، وبهاء، وذكريات، ومقابر، وأعياد حفلت بها المدينة السامقة.
ربما لن نرى أصفهان التي عهدناها مرة أخرى. لذا وجدت أن من حُسن الوفاء أن أعرض عليكم فصلَها في روايتي، عسى أن يَعلمَ أبناء منطقتنا أي جريمة تُرتكب في حق تاريخنا.
أصفهان نصف جهان 1844
في فجر عيد الفطر من سنة 1844، كان هواء أصفهان الخريفي نَدِيًّا، فيه عبق نهر "زاينده رود" ممزوجًا برائحة الكعك بالهيل وماء الورد. انفرجت أبواب البيوت الطينية والخزفية على اتساعها، وتزينت الشرفات بالقماش الملون والمصابيح الزجاجية التي ظلت مضيئة منذ الليلة الماضية.
أنيخ الجمل الذي يركبه أمير، فودعه صاحبه قافلًا إلى بغداد. سار في الطرقات المبتهجة والناس بثيابهم الجديدة الملونة. رجال في عباءات من قطن ناعم، عمائمهم ملوّنة بظلال الزعفران، ونساء بعباءات فضفاضة مطرزة بخيوط الفضة، وقد تخضّبت أيديهن بالحنّاء ونثرت جدائل الصغيرات بالياسمين، أما صغار الذكور فقد ساروا في وقار مقلدين الكبار في جلابيبهم المطرزة.
المآذن تتبادل التكبيرات، فتردد المدينة أصداءها بين القباب الزرقاء والنوافذ الخشبية القديمة. ساحة "نقش جهان" تتلألأ بألوان الناس والرايات والبسط المفروشة بالعطايا. الأطفال يركضون حاملين صناديق الحلوى، وأبواق الباعة تنادي بزبيب قزوين، وحلقات التمر المعجونة بالجوز، وسلال الفاكهة القادمة من البساتين.
سار أمير متسكعًا حتى بلغ المسجد الكبير، وقف في فنائه يتأمل صفوف المصلين، يسجدون سطرًا واحدًا. بلغ أمير السوق المزدحمة بلا صخب، اختلطت فيها روائح الحلوى برائحة شواء الضأن، وبخور العنبر، وعطور العود، وعبق بهارات القرفة والزنجبيل، وزهور الياسمين التي رَصَّعتْ ملابس الناس ورؤوسهم. الناس تتبادل أحاديثَ هادئةً بنبرة بطيئة. كل شيء على مهل، كأن الزمن يتسكع رفقة أمير. السوق أزحم من أن يقف أمير في منتصفها طالبًا العون. همس لبائع باسم منشغل ببيع دمية لصغيرة "غريب أبحث عن مأوى". أشار البائع برأسه ناحية مسجد، وهو يوصيه بتكية الأردبيلي.
سار أمير متباطئًا على ضفة نهر زاينده رود وهو يملأ رئتيه من نسيمه، تأمل سحابة بيضاء انطبعت على صفحة النهر الصافي، بدا كمرآة رسم عليها قناطر جسر "سي وسه بل" الحجري، وأطياف المارة، ثمة شعور بالراحة جرى في أوصاله، حتى دنا من مسجد صغير، واجهته الخارجية مكسوّة ببلاط فيروزي، تتخلله نقوش نباتية مذهّبة وآيات من "دعاء الافتتاح"، كتبت بخط الثلث بأيدٍ بارعة. قُبَّتُه فضيةٌ تعلوها راية سوداء ذَكَّرته بمساجد الحي الشيعي في "سورات".
في باحة المسجد، فُرشت على الأرض سجّادات من صوف كاشان، تُنقِّطها ظلال أشجار السرو والرمان المزروعة على الأطراف. الماء يتدفَّق من نافورة رخامية دائرية في المنتصف، والطيور ترفرف بين أغصان الصفصاف، كأنها تُشارك المصلين عيدهم.
على يمين الباحة مبنى مستطيل لونه أصفر سمني، تعلوه قبة صغيرة زرقاء، كتب فوق بوابته الخشبية باللغة الفارسية "تكية الأردبيلي". داخل التكية، غرفة الذكر واسعة، جدرانها مكسوّة بأقمشة خضراء وسوداء، معلّق عليها أسماء الأئمة الاثني عشر بخيوط من ذهب وفضة. في الزاوية، مقعد من الخشب القديم يجلس عليه الخطيب الذي سيُلقي دعاء العيد ويُعقّبه برثاء خافت لـ"المحرومين من العيد"؛ أولئك الذين لا عيد لهم إلا بلقاء صاحب الزمان. رجال يتشحون بالسواد، يجلسون مصفوفين في ترتيب وتنظيم، حاسري الرأس، شعورهم تتراوح ما بين الأسود المائل للزرقة إلى الكستنائي، تلمع في ضوء القناديل، منسدلة حتى أكتافهم أو تغطي رقابهم. يشربون الشاي الثقيل المخلوط بالهيل، ويتبادلون التهاني مع خفوت في نبراتهم، كما لو أن الفرح لا يُقال جهارًا في غيبة الإمام.
صورة كبيرة بطول الحائط الأيسر للإمام علي يجلس محتضنًا عددًا من الأطفال، كتب عليها "يا أبا الأرامل والأيتام". يجلس أمامها أطفال يرتدون ملابس جديدة وزّعتها التكية ليلة العيد. في إحدى الزوايا، ستار تنبعث من خلفه أصوات نسائية ناعمة مختلطة، وتفوح منه رائحة مشهية لطعام لم يتمكن أمير من تمييزه. تخرج بعضهن مرتديات عباءات منقوشة بالورد القرمزي، وفي أيديهن صواني الحلوى: كعك مضفر يزهر برائحة اللوز، وفطائر محلاة مُعطرة بالمستكة والزعفران. شاب من أهل الوقف يمرّ بسلة نقود صغيرة من الفضة، يوزّعها على الفقراء باسم الإمام الحجة، ويهمس "هذه من الغائب، ادعوا بتعجيل فرجه".
جلس أمير فدنت منه فتاة تقرب له الكعك والفطائر، فأخذ عددًا لا يستهان به منها، ووضعه في حجره، ثم سأل الفتاة عن مشروب. سألته بصوت رقيق إن كان يفضل الشاي بالزعفران أم اللبن المحلى بالعسل، فأجاب بأنه يفضل الأخير لو أنها زينته ببعض الزعفران. أومأت وهي تمسك بطرف عباءتها لتغطي بها ذقنها وشفتها السفلى وتبتسم. كان أمير جائعًا فالتهم الفطائر والكعك قبل أن تحضر له الفتاة المشروب الذي طلبه. نظرت إليه وفمه مملوء بآخر كعكة كانت في حجره، فوضعت الطبق أمامه وأشارت بيدها وهي ما زالت تغطي ذقنها بطرف عباءتها "كل.. أنت جائع".
بعد أن ملأ بطنه بالطعام والشراب، افترش أمير حقيبة متاعه التي آلمت رأسه لوجود الصندوق فيها، لكنه كان متعبًا فنام. أيقظته شمس الظهيرة وهي تلفح وجهه. فتح عينيه ثم غطاهما بكفه. نظر حوله فإذا بالتكية خالية إلَّا من بعض الشباب الذين شارفوا على الانتهاء من تنظيف المكان بعد مغادرة الزوار. تنبه أمير قلقًا على صندوقه، فتحسس الحقيبة، ثم جلس محتضنًا حقيبته، وضعها على فخذيه وربَّع ساقيه ثم مسح على وجهه بكفيه.
كان أحد الشباب المتشح بالسواد يمسك بجوال قماشي، يجمع فيه بقايا الزوار، مدَّ يده ليجمع بقايا طعام ساقط على الأرض بالقرب من أمير ويضعه في الجوال، وقال بشكل عابر "هل لديك بيت، أم ستقضي مقامك هنا؟". لم يكن الشاب ينظر إلى أمير؛ ما أوحى له بأنه لا يخاطبه. بعد الانتهاء من جمع البقايا في الجوال وقف الشاب مناديًا على زميل له "بهار.. لدينا أصم هنا". جاء صوت بهار من بعيد "أنا قادم". نظر أمير حوله باحثًا عن الأصم، أتى بهار مسرعًا وهو يشير إليه بإشارات لم يفهمها. قال أمير "هل فعلت شيئًا؟".
نظر بهار إلى زميله متسائلًا. أجاب الزميل مندهشًا "لماذا تجاهلتني حين سألتك؟".
- لم أدرك أنك تحدثني.
• وهل هناك شخص آخر في المكان غيرك؟
شعر أمير بالحرج، كان بهار جميل الطلة، رجولي المظهر، يشبه اللوحات التي كان يعلقها حسين با علي؛ التاجر الهندي الشيعي، في بيته، ويشبه الصورة المرسومة والمعلقة للإمام علي على حائط التكية. لكنه لم يكن ودودًا بالرغم من لطف تقاطيعه. سأله عن مقامه معلقًا بأنه يبدو غريبًا، وفارسيته مختلفة. أجابه أمير بأنه سيقيم هنا حتى يعثر على أقاربه. أشار إليه بهار ليسير خلفه.
بوجهٍ جادٍّ قاده إلى زاوية الغرف المصطفة أفقيًّا ورأسيًّا، ثم صعد به سلمًا خارجيًّا يصل الصف الأرضي من الغرف بالطابق الثاني منها، وسار به في ممر خشبي ضيق، حتى وقف أمام غرفة مغلقة بستائر من القطن الثقيل المنقوش بألوان متباينة يغلب عليه الأزرق السماوي. فتح الستار ودخل على الفور ليفتح الكوة المستديرة مدخلًا الهواء المنعش إليها. وقف أمير على الباب فأشار إليه بهار بوجه ثابت "برو برو"، أي "فوت فوت".
غرفة بسيطة لكنّها مفعمة بالسكينة، تحوطها رائحة الخشب القديم الممزوج بالدخان، وعبير خفيف لماء الورد الذي يُرشّ كل مساء على الوسائد والبطاطين.
أرضيتها من طين مصقول، مفروشة بحصير ناعم من ليف النخل، تُلقى فوقه أغطية من قماش قطني خفيف مرقّع بعناية، لكنه نظيف ممهور برائحة السدر. علق على أحد الجدران سُبحة من الخرز الأبيض.
الجدران من الطوب اللبن، مطلية بجير أبيض مائل إلى الصفرة، وعلّقت عليها آيات قرآنية وأحاديث من نهج البلاغة، مكتوبة بخط اليد على ورق بنيّ، ومثبتة بمسامير صغيرة. أعلى الجدار، يمرّ رفّ خشبي بسيط توضع عليه بعض الأواني النحاسية، ومصابيح الزيت، وكتب بالية من "مفاتيح الجنان" و"الصحيفة السجادية".
في أحد الأركان، تنبعث حرارة خفيفة من كانون طيني يُستخدم للتدفئة في الليالي الباردة، يعلوه إبريق نحاسي ضخم يُغلَى فيه الماءُ للشايِّ، أو تُسخّن فيه الأعشاب. بالقرب منه، جرّة ماء من فخار أزرق. السقف من خشب الجوز الداكن، يتدلَّى منه مصباح زجاجي نقش عليه باللون الأزرق ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. على الأرض فراش محشو بالليف، مغطى بملاءة سماوية. بجواره قبقاب للوضوء. أشار بهار إلى أمير، ناصحًا إياه أن يستريح، فالتعب بادٍ عليه.
كم هو أمر مضحك، يذهب لأشخاص لا يعرفهم، يخبرهم بأنه هندي، له أب عراقي، من جدة فارسية
خرج ثم عاد بصينية غداء بها طبق أرز فارسي أبيض، على أحد جوانبه قالب مستطيل صغير من الزبد الأصفر الذي بدأ يذوب من الحرارة، بجواره طبق من اليخني المكون من السبانخ والبقدونس والحلبة المجففة، وبه قطع من لحم الماعز، وليمونة مجففة، ورغيف خبز ساخن مغطى بالسمسم، وطبق من الفواكه المجففة المعبأة برائحة الزنجبيل والزعفران. وكوب فخاري به لبن رائب بالنعناع. قدم بهار الصينية ووجهه جاد أقرب للتجهم، جلس أمير أمام الصينية الشهية محجمًا عن الأكل. أشار بهار بذراعه بلهجة آمرة جادة "كل، أنت مرهق ولا بدَّ أنك جائع، كل. ثم نم قليلًا".
ظل بهار واقفًا ليطمئن أن أمير بدأ في تناول الطعام، ثم خرج وأسدل ستار الغرفة عليه. ناداه من خلف الستار "إذا احتجت شيئًا فأنا اسمي بهار".
أكل أمير كل ما بالصينية، ثم أخرجها من الغرفة ووضعها أمام الباب، وغسل يديه من الإبريق النحاسي الموضوع في أحد أركان الغرفة، ثم استلقى على الفراش مستدعيًا النوم.
بالرغم من إرهاق جسده الناحل، فإنه لم تأخذه سِنة من نوم. وجه أمه لا يفارقه، ندمه لأنه لم يصرّ على أن يصطحبها معه يعض قلبه، يعود ليواسي نفسه "كيف كانت ستخوض غمار هذه الرحلة المضنية؟ ربما مرضت في الطريق.. ربما تناولت الشراب المسمم الذي قدمه لي عمي قبل أن يتنبه خادم نرجس".
فكر في أن يصلي كي يطلب لها السلامة والأمان. لكنه احتار في صلاته. يعرف صلاة الهندوس، وتعلم صلاة المسلمين، ولم تبقَ إلا صلاة المسيحيين واليهود. لكنه لا يعلم أيها يجدي نفعًا. كل من حوله جربوا كل الصلوات، ولم ينتهِ بهم الأمر إلى المأمول. ترى ماذا فعلت زوجة "راج" وطفلاه؟ وكيف وجدت "مارجريتا ليو" مصر بابنيها وها هو يبحث عن أشخاص لا تجمعهم به سوى جدة أبيه، كم هو أمر مضحك، يذهب لأشخاص لا يعرفهم، يخبرهم بأنه هندي، له أب عراقي، من جدة فارسية أغلب الظن أنها تنتمي لأسرتهم، ومعه خطاب مهترئ يدلل به على ادعاءاته، هارب من الإنجليز في الهند، ومن عمه في العراق، فممن سوف يهرب في أصفهان؟
ظل محملقًا في السقف الخشبي حتى أغطش الليل وأظلمت الغرفة، وسمع صوت الكروان ينادي للتزاوج آتيًا من الكوة. نادى بهار بصوته الجاد من خلف الستار "لقد نمت كثيرًا، يبدو أنك كنت مرهقًا، السيد إبراهيم الأردبيلي يرغب في مقابلتك". ابتسم أمير وقام متثاقلًا، وأذن لبهار في الدخول. مدَّ بهار ذراعيه ليشعل القنديل، بينما كان يغسل أمير وجهه. سأله إن كان يرغب في الصلاة، فادعى أمير بأنه صلى.
فتح الرجل الصندوق بالمفتاح المعلق في الحلقة المثبتة فيه، ثم تناول الرسالة وبسطها. بدا الاندهاش الوقور على وجهه
في الساحة الداخلية للمسجد، جلس شيخ ينبعث بياض بشرته ولحيته من بين سواد عباءته وعمامته. كان يتوسط الساحة المفروشة بالسجاد الفارسي الناعم ذي النقوش المهومة، التي يغلب عليها اللون القرمزي. تقدم بهار أمير بينما يتأمل أمير المسجد ونقوشه وآياته المطلية بماء الذهب. هوى بهار على يد الشيخ فقبلها، ثم انتحى وهو ينظر إلى أمير الذي تردد ثم قبَّل يد الشيخ كما فعل بهار. الشيخ جاد كبهار، سأله عن مقصده في أصفهان. قال أمير باقتضاب إنه يبحث عن نسل الصفوي. رمقه الشيخ متسائلًا، فقال إنه منهم ومعه دليل.
سأله الشيخ عن الدليل، فأحجم متعللًا بأنه سيعرض الدليل على الأسرة. "إذن فاذهب من هنا وابحث عن الأسرة". أطرق بهار خجلًا من غضب الشيخ. تنبه أمير إلى أن الرجل غاضب بالرغم من أن تعبير وجهه لم يتغير، ونبرة صوته ثابتة.
أخرج الصندوق من الحقيبة، والرسالة من الصندوق. كان الشيخ يتأمل الصندوق الصدفي القديم ذا النقوش المتميزة. تغير تعبير وجهه بخفوت "من أين أتيت بهذا الصندوق يا ولد؟".
- هذا صندوق جدي، كان مدفونًا تحت بيته في بغداد.
مدَّ يده بتؤدة ليعطيه الصندوق، تردد أمير ثم نظر إلى بهار الذي أشار برأسه ناحية اليسار وهو يحثه على تسليم الصندوق للشيخ، فتح الرجل الصندوق بالمفتاح المعلق في الحلقة المثبتة فيه، ثم تناول الرسالة وبسطها. بدا الاندهاش الوقور على وجهه. سأله إن كان يعرف ما في الرسالة، فأجاب أمير بأنها رسالة من جد جده إلى ابنته والدة جده، يأمرها بالهرب بعد مذبحة لحقت بالصفويين.
• ما اسم جدتك؟
- كنا نظن أن اسمها نرجس، لكن اسمها الحقيقي شهربانو. هكذا يقول الخطاب.
نظر الشيخ إليه بنظرة تتراوح ما بين الحنين والتشكك "أنت حفيد الأمير حسين طهمساب؟".
أومأ أمير. فسأله عن سبب مجيئه للبحث عن أسرته؟ إن كان يظن أن ميراثًا ينتظره أو مُلكًا؛ فقد أجهد نفسه في البحث بلا طائل. مدَّ أمير يده ليأخذ الرسالة من بين يدي الشيخ، ثم وضع الرسالة في الصندوق وأحكم غلقه "أما عن سبب مجيئي فهذا لا شأن لك به يا شيخنا. إن كنت تعلم مكان عائلتي فدلني عليها، وإن كنت لا تعلم فاتركني أبحث، وإن كنت لا ترغب في استضافتي فسأبحث عن تكية أخرى". كان حزام الذهب الذي لفته نرجس حول خاصرة أمير يزداد في مضايقته، فحركه خلسة كي يحك جلده.
تأمله الشيخ ثم قال "أنت تحتاج إلى الاستحمام".
- بل أحتاج إلى ذويي.
نظر الشيخ إلى بهار، وتبادلا نظرات تتحدث بما لا يفهمه أمير. ثم التفت إلى أمير يسأله إن كان يعلم سلالته. أكد أمير أن هذه هي سلالته، الصفوية. فسأله إن كان يعلم ما هي سلالة الصفوية. صمت أمير خجلا. هزَّ الرجل رأسه وقال "سوف تقيم هنا في التكية، ولك كل ما تشتهي، وأنا أعلم مكان عائلتك، لكنني لن أدلك عليها حتى تبحث عن سلالتها". هزَّ أمير كتفيه وقال إنه سيبحث في المكتبات. أجابه الشيخ بأن سلالتهم ليست في المكتبات، ثم قام وتركه.
عاد أمير إلى غرفته يتفكر في تلك المهمة التي طلبها منه الشيخ، وكيف له البحث في بلد لا يعرف عنه شيئًا.
في صبيحة اليوم التالي، خرج أمير مبكرًا متجهًا إلى السوق. سأل عن مكتبات بها مخطوطات، فدلوه على مسجد الأردبيلي الذي أتى لتوه منه. عاد مرة أخرى يبحث عن المكتبة في المسجد فوجدها موصدة. جلس على باب المكتبة في انتظار شخص يملك مفاتحها. أقبل بهار وجلس بجواره "طلبك ليس في المكتبة، عليك أن تجمع أسماء الأجداد من النَسَّابة المتفرقين في المدينة". سأله أمير أن يدله على نَسَّابَة، فاعتذر بأن ذلك لم يؤذن له فيه.
عاد إلى السوق يسأل الباعة عن حي يقيم فيه النسابة وأهل العلم. كان الباعة يحتفظون بالوجه الجاد الذي يحتفظ به بهار، لكنهم كانوا يبذلون المساعدة بكرم. سأله بائع بجدية عما يبحث بالتحديد، لم يجد أمير بُدًّا من رواية القصة للبائع الذي استمع بوجه ثابت، ثم أشار إليه كي يأتي إلى حانوته، وقدم له الشاي بالزعفران، والكعك الذي علم أن اسمه قُطاب، ثم جلس يسرد له مناقب مدينة أصفهان، وكيف أنها أجمل مدن الدنيا، وأن هناك مثلًا فارسيًّا يقول "أصفهان نصف جهان"؛ أي "أصفهان نصف الدنيا"، وأن بها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وأن رجالها خير الرجال، ونساءها أشرف النساء، وعلماءها الأعلم والأكثر تواضعًا، ثم أخبره عن حي يقال له "باب الدشت"، وطلب منه أن ينتظره حتى ينهي أعمال الدكان ويأتي معه. حاول أمير إقناعه بأن يدله على الطريق وسيذهب وحده، إلا أن الرجل رفض بصرامة وقال في نبرة زاجرة "دعني أساعدك، لماذا تضنُّ عليَّ بالثواب؟".
في نهاية اليوم، وبعد طعام وشراب وحلوى أتخمت أمير حتى ما عاد يتسع في جوفه مكان للتنفس، سار مع الحاج بختيار الذي ركب به حنطورًا حتى وصل إلى باب الدشت. حيٌّ طُرقُه ضيقةٌ، مبلطةٌ بالحجر، تحفُّه البيوت الطينية، والأشجار القصيرة. بلغ به بيتًا من طابق واحد، بابه من الخشب، عليه مصاريع نحاسية، كتبت عليها آيات قرآنية.
طَرَق الباب ففتح له رجل رث الثياب، يرتدي جلبابًا رماديًّا، وطاقية بيضاء، وجهُهُ مثلثٌ وناحلٌ، حيَّاهُ بختيار بصوت عالٍ جدًّا وبألقاب تفخيمية لا تليق بمظهره المشعث، وكان الرجل مع نهاية كل جملة يجيب "هه؟"، فيعيد بختيار عبارته بصوت أعلى يكاد يأتي بنيان البيت المهترئ من القواعد.
جلسوا جميعًا في بهو مفروش بالسجاد الفارسي، ومحاط بوسائد قطيفية حمراء على شكل نصف دائرة، تتوسطها منضدة نحاسية ذات قوائم خشبية قصيرة. نادى الرجل على الشاي والحلوى. على الجانب الأيمن للبهو، كان هناك باب مقوس عليه ستار بُنيٌّ منقوش. بعد برهة دفع من خلف الستار بصينية كبيرة مرصوص عليها أكواب الشاي الصغيرة، وأطباق الحلوى، والفاكهة المجففة، والفاكهة الطازجة، وطبق به عدد من ثمر القثاء.
بعد حوار بطيء، عالٍ، متبادل بين بختيار والسيد الشاكري، يتخلله إلحاح جاد وزاجر على أمير ليأكل، واعتذارات لا يسمعها السيد الشاكري الذي يعاود فيصيح فيه غاضبًا متسائلًا عن سبب عدم تناوله الطعام؛ ما دفعه إلى تناول الحلوى بالرغم من شعوره بالامتلاء حتى كاد يتقيأ؛ خوفًا من غضب الرجل الذي لم يسمع اعتذاراته، قال بختيار للشاكري إن أمير يبحث عن سلسلة نسب الصفويين، ولم يجد من هو أعلم منه.
بعد سؤال واستقصاء عن سبب بحثه عن سلالة الصفوية، وإجابات صائحة من أمير حتى تصل إلى سمع العلامة كما يلقبه بختيار، وبعد استعراض لعلومه والشيوخ الذين تعلم على يديهم، واستعراض الشهادات التي كتبها له العلماء الأجلاء مقرظين علم السيد الشاكري، وذكر عدد من أسماء العلماء وهو يشير إلى ضرورة أن يكون أمير قد سمع بهم، لم يشأ أمير أن يظهر جهله بهم حتى لا يضطر إلى رفع صوته بالسؤال عنهم، فأخذ يهزّ رأسه مشيدًا وموافقًا. سأله عن أي فرع من الصفوية يسأل. أخبره بأنه يسأل عن الأمير حسين بن طهمساب. سأله: الأول، أم الثاني؟ فأجاب بأنه قتل عام 1115 فارسية.
قام السيد الشاكري متثاقلًا وهو يشير إليه كي يسير خلفه، نظر أمير خلفه مستدعيًا بختيار الذي أشار إليه ليذهب وحده، فدبَّ أمير قدمه في الأرض متشبثًا ببختيار. دخل بهما ردهة ضيقة قصيرة، في نهايتها باب خشبي قديم متشقق. أخرج الشاكري من جيبه مفتاحًا صدئًا، وأخذ يحاول عبثًا إدخال المفتاح في ثقب الباب، ثم انحنى واضعًا عينه في ثقب الباب، وقدم يده المرتعشة ليستقر المفتاح أخيرًا في الثقب، أدار الثقب فأحدث صوتًا جعل أمير يجزّ على أسنانه.
فُتح الباب فصرخت مفاصله بصوت الصدأ؛ ما جعل أمير يضع إصبعيه في أذنيه. دخل بهما غرفة مفعمة بالأتربة والمخطوطات المبعثرة على الأرفف تحيط بكل جدران الغرفة، ثم مسح كرسيًّا يعلوه الغبار بالكم الأيمن لجلبابه، وجلس قبالة المكتب الذي تراكمت فوقه المخطوطات والغبار.
الابتسامة تختصر نصف طريق الدفء الإنساني، هؤلاء الناس جادون بشكل مبالغ فيه
لمح أمير مخلوقًا صغيرًا يركض بين الكتب والمخطوطات استنتج أنه فأر. أسند الشاكري ظهره إلى الكرسي، ثم أخذ يتأمل الأرفف التي تكسو جدران الغرفة، ثم أشار إلى أعلى رفٍّ على الحائط الشمالي، وطلب من أمير أن يصعد ويحضر مخطوطًا من هذا الرفّ. جذب أمير كرسيًّا صغيرًا في توجس وصعد عليه وما إن مدَّ يده حتى تناثرت الفئران هاربة من يده، فسقط أمير على ظهره. بدا الهلع على وجه بختيار متراجعًا إلى الخلف وهو يسرع خارجًا من الغرفة منبئًا أمير بأنه ينتظره في الخارج، أما الشاكري فضحك ساخرًا من أمير الذي يخشى بضعة فئران.
أخذ يبحث الرجل في المراجع والمخطوطات التي جلبها له أمير من بين براثن القوارض، ثم أخبره بأنه لا يوجد في السلالة الصفوية شخص اسمه حسين بن طهمساب، وإنما هناك السلطان حسين أبو طهمساب. فأصرَّ أمير على أن اسمه حسين طهمساب، وهو أمير وليس سلطانًا. قد يكون اسم حسين طهمساب مركَّبا.
جلس بختيار يتناول غداءه في البهو، وقضى أمير اليوم مع السيد الشاكري وقد غطاه العفار واستقر قلبه مطمئنًا إلى صحبة الفئران، يبحث معه في المصادر، ويتتبع السلسلة، ويفتش مع الرجل في المخطوطات، ويرفع صوته بالتوضيحات والاستدلالات حتى يسمع الرجل الذي يشير برأسه مستهينًا باستنتاجات أمير. قفز إلى رأس أمير سؤال "ماذا عن أبناء الأميرات؟".
• لا يوجد لديَّ سوى مرجع عن باريخان خانم.
أنجبت باريخان خانم محمد عباس، الذي أنجب صفية خانم، التي أنجبت جولنار خانم، التي أنجبت حسين طهمساب، وأخيرًا وجد اسم جده. أما عن حسين طهمساب فقد قُتل هو وكل أولاده، هكذا دوّن المرجع.
- لا.. له ابنة اسمها شهربانو.
• هه؟
- لا شيء..
ثم رفع صوته ملء حنجرته "أريدك أنت تكتب لي سلسلة النسب من حسين طهمساب"، أجابه الرجل مستاءً "ولماذا ترفع صوتك هكذا؟". لأول مرة يبتسم الشاكري ويبتسم معه بختيار، بعد تلميحات حيية، وإشارات خفية، بشأن أن السيد الشاكري متشرف بزيارته، وأنه تحت النظر والأمر، وأنه سوف يجهد نفسه كثيرًا لمزيد من البحث، والجهد في التنسيق والترتيب، اختلى بختيار بأمير ليسأله "هل معك مال تدفعه للرجل؟". تردد أمير وهو يسأل عن أجره في هذا العمل، فقال بختيار "على الأقل خمس قطع من الذهب".
احمرَّت أذنا أمير، ثم نظر بتوجس لبختيار "وأنت؟". ارتسم الغضب على وجه بختيار "أنا أجري من الله، خدمة للغريب". صمت لبرهة، وتنهد قائلًا "لكنني لا أملك أن أدفع لك أجر الرجل".
تنشر المنصة مقطعًا من فصل "الجيل الثاني- من المحطة الأولى إلى الثانية. مصر - عكا - أصفهان"، من رواية "دماء على خرائط الشرق" الصادرة في يناير/كانون الثاني 2026 للكاتبة نوارة نجم، بإذن خاص من دار الشروق.



