قانون إعدام الأسرى.. لعبة قد تنفجر في يد صاحبها
التعديل التشريعي المعروف إعلاميًا بـقانون إعدام الأسرى، هو محطةٌ محوريةٌ في سلسلة محاولات التيار الصهيوني المتطرف لتقنين الإبادة، ومن المحتمل أيضًا أن يتحول إلى معركة كبرى قد تفجر المشهد السياسي والقانوني الإسرائيلي من الداخل إذا ما أصدرت المحكمة العليا الإسرائيلية حكمًا بإلغائه كليًا أو جزئيًا.
المؤشرات السياسية والمستجدات القانونية منذ 2023 تؤكد قيام الاحتمالين بنسب متقاربة، ربما كتلك التي خرج بها التصويت على مشروع القانون في الكنيست مؤخرًا بأغلبية 62 مقابل 48، أو بفارق أقل كالذي صدر به حكم المحكمة العليا في يناير/كانون الثاني 2024 بإلغاء عنصر رئيس من حزمة الإصلاحات القضائية التي أقرتها حكومة بنيامين نتنياهو قبل طوفان الأقصى، التي أثارت احتجاجات شعبية كبرى في أزمة دستورية وُصفت بـ"الأعنف في تاريخ إسرائيل".
آنذاك، وبعد أسابيع معدودة من بدء حرب الإبادة الجماعية في غزة، أصدرت المحكمة العليا، بأغلبية 8 قضاة مقابل 7، حكمًا بإلغاء قانون كان يمنع المحكمة من استخدام مبدأ المعقولية/the Doctrine of Reasonableness ضد قرارات الحكومة إذا اعتبرتها تعسفية أو غير منطقية، وكان هذا الحكم الأول من نوعه الذي يلغي فيه القضاء الإسرائيلي أحد "قوانين الأساس" التي تتكامل كخلفية دستورية للدولة. توقّع البعض أن ينال ذلك من شعبية نتنياهو لكن تطور العمليات العسكرية في غزة ولبنان وإيران أدتا إلى العكس.
حمَل ذلك الحكم دلالة على الانقسام الأيديولوجي بين الليبرالية والمحافظة، وبين العلمانية والتدين، وبين التفسير الواسع والضيق لدور القضاء داخل المحكمة العليا، التي اعتُبرت تاريخيًا ذات مواقف ليبرالية ومن أقوى المحاكم العليا في العالم، بسبب تداخلها الواسع مع أعمال السياسة في ظل غياب وثيقة دستورية للكيان الصهيوني.
تزيد فرص هذا الانقسام، بل واحتمالية تغير تركيبة أعضاء المحكمة على ضوء مشروعات الحكومة لتغيير طريقة تعيينهم وإلغاء الأقدمية المطلقة لرئيس المحكمة، وكذلك إقرار الكنيست بالقراءة الأولى في ديسمبر/كانون الأول 2025 مشروع النائب المتطرف سيمحا روتمان للتحديد العشوائي لتشكيل الدائرة القضائية داخل المحكمة عند نظر أي قضية لمنع تشكيل الدوائر حسب المداولات التي جرت سلفًا بين أعضاء المحكمة، وهو ما يقلص من استقلالها المفترض ويحد من سيطرة القضاة داخليًا على الدعاوى المعروضة أمامهم.
وتلتقي الأهداف السابقة مع قانون إعدام الأسرى وتتطابق مع بعض عناصره لتعبّر عن ذهنية الائتلاف الحاكم.
تحول بنيوي في تقنين الاحتلال
يتدخل القانون الكارثي الجديد في صميم العمل القضائي، ويكاد يحوّل القضاة إلى موظفين بسلطة محدودة إزاء ما يُعرض أمامهم من وقائع، حيث يمنع القاضي الجنائي من سلطته في تفريد العقوبة؛ أي الاختيار من عقوبتين أو أكثر، ويُلزمه بأن يحكم بالإعدام في وقائع معينة، ويمنعه أيضًا من النزول بالعقوبة، ويزيل قيد الإجماع الضروري للحكم بالإعدام مكتفيًا بالأغلبية البسيطة. فضلًا عن حظر استفادة المحكوم عليه من العفو وتحديد مهلة معينة لتنفيذ حكم الإعدام، والعيب الجوهري الفاضح بالتمييز بين المتهمين على أساس عرقي ومكاني في انحراف تشريعي واضح يتجاوز أسوأ كوابيس الأبارتايد.
نظرتنا إلى قانون إعدام الأسرى يجب ألّا تقتصر على كونه ثمرة فاسدة للمد اليميني المتطرف
إنه تحوّل شديد الوطأة في نظام لم يعرف تاريخيًا أحكام الإعدام إلّا مرتين: مائير توبيانسكي بتهمة التجسس عام 1948، والضابط النازي أدولف أيخمان بتهمة الضلوع في الهولوكوست عام 1962. كان الاعتناء الشديد بالصورة الدولية وادعاء احترام حقوق الإنسان هما الدافعان الأساسيان للامتناع عن توقيع عقوبة إعدام بحق فلسطينيين، حتى في حالات قتل عسكريين ومدنيين، منذ عملية فندق سافوي تل أبيب عام 1975 التي حوكم فيها الناشط الفتحاوي موسى الطلالقة.
أي أن نظرتنا إلى قانون إعدام الأسرى يجب ألّا تقتصر على كونه ثمرة فاسدة للمد اليميني المتطرف وزوال اعتبارات منعت تمريره لأكثر من 10 سنوات، كإفشال صفقات تبادل الأسرى أو الخوف من انفجار الأوضاع في الضفة الغربية. أنه جزء من عملية تغيير واسعة تقودها حكومة نتنياهو لقواعد إدارة العدالة في إسرائيل، وإبعاد تلك القواعد تمامًا عن أي مواءمات ليبرالية أو يسارية أو اعتبارات مقيّدة بأسس القانون الدولي الإنساني والمعاهدات الدولية، أو حتى متوافقة معه صوريًا، كما أشارت المحكمة العليا في حكمها عام 2021 بتأييد قانون الأساس الذي ينص على أن إسرائيل هي الدولة القومية للشعب اليهودي.
تعزز عملية التغيير الجارية وضع الكيان الصهيوني كدولة مارقة تعتمد السياسات العنصرية والقمع على الهوية، وتؤدي تدريجيًا إلى انخراط كل سلطاته في عملية الإبادة الممنهجة للشعب الفلسطيني وحقوقه الإنسانية، ولأي مقومات أخرى يمكن استغلالها مستقبلًا لإنشاء دولة فلسطينية قابلة للحياة.
وهذه المساعي المتوازية في الميادين العسكرية والسياسية والقانونية هي البرهان الحيّ على بقاء القضية الفلسطينية عصيةً على الحل بالقوة الغاشمة وحدها، وهي أبلغ رد على أولئك الذين يقللون من أهمية قانون إعدام الأسرى وغيره من المستجدات القانونية والقضائية بحجة أن الاحتلال قادر على تنفيذ أجندته كاملة بوسائل العنف المادية فقط في ظل الصمت العربي والدولي المطبق.
فلو استطاع الاحتلال ذلك لفعل، ولما احتاج إلى تقنين ممارساته عبر ساحات الكنيست والمحاكم. فالصهاينة يعون جيدًا قيمة خدعة "واحة الديمقراطية ودولة المؤسسات والفصل بين السلطات" في قلب منطقة تسيطر عليها الأنظمة الشمولية، والتي اجتذبوا بها دعم دوائر أمريكية وأوروبية لعقود.
وهنا يُطرح السؤال عما إذا كان القضاء الإسرائيلي قد شكّل في أي مرحلة عقبة أمام طموحات اليمين المتطرف إلى حد يدفع نتنياهو ووزراءه المهووسين مثل إيتمار بنغفير ويتسلئيل سموتريتش للضغط على القضاء والسيطرة على مجرياته، بدءًا من تغيير نظام اختيار القضاة بالمشروع الذي أقره الكنيست في مارس/آذار 2025 وحتى قانون إعدام الأسرى.
أنه غرور القوة والسعي نحو إنشاء إسرائيل جديدة تقود محيطها غير معنية بصورتها في العالم.
قالت المحكمة ببساطة إن "إسرائيل فوق القانون"
لم تعرقل المحكمة العليا مخططات الاحتلال، بل تؤدي تدخلاتها عمومًا إلى دعم السياسات العنصرية والتوسع الاستيطاني. فقد منحت الشرعية للجدار العازل (الباطل بقرار محكمة العدل الدولية) وقننت مصادرة الأراضي والملكيات الخاصة ومنعت البناء في محيط الجدار، مع ملاحظة أنها حكمت باعتماد مسار بديل للجدار في قرية بيت سوريك، في نموذج للعبها دورًا مزدوجًا يتمثل في شرعنة سياسات الاحتلال وحمايتها صوريًا من الطعن أمام القضاء الدولي بحجة استقلال القضاء المحلي، مقابل تقييد بعض الممارسات بصورة لا تمس جوهرها.
لا ننسى أنها أصدرت حكمًا في يونيو/حزيران 2020 بإلغاء قانون "تسوية الاستيطان" الذي كان يتيح نزع ملكية الأراضي الفلسطينية بالضفة الغربية إذا استولى عليها المستوطنون أو الجيش بأثر رجعي، لكن في سنوات المد اليميني الأخيرة برز رفضها في مايو/أيار 2022 للطعون ضد الإخلاء والتهجير القسري للقرى الفلسطينية مثل منطقة مسافر يطا جنوب الخليل وأحقية الجيش في استخدام المنطقة دون إخطار مسبق، وعلّق مركز بتسيلم لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة وقتها بأن المحكمة قالت ببساطة إن "إسرائيل فوق القانون". كما رفضت في يونيو 2025 الطعن على المعايير التمييزية في الإسكان والتنمية على أساس عنصري.
وفي الشهور الأخيرة لمسنا تباينًا واضحًا بين اتجاه المحكمة العليا لتهذيب الإدارة الداخلية للكيان، كما حدث في حكمي تعليق إقالة رئيس جهاز الأمن الداخلي ومنع عزل المستشارة القضائية للحكومة، وبين اتجاه آخر تصعيدي تجاه الفلسطينيين، وبالأخص في غزة، على خلفية دينية وعنصرية بحتة؛ ظهرت في حيثيات حكمها الصادر في مارس 2025 برفض الالتماسات الحقوقية للسماح بدخول المساعدات إلى غزة، والذي اعتبر العدوان بمثابة حرب توراتية لازمة "من أجل الحفاظ على الدولة اليهودية من الشرور التي تهددها" على حد وصف عضو المحكمة ديفيد مينتز في تقريره الخاص المدمج بالحكم.
من المتوقع أن تزيد الالتماسات والطعون ضد قانون إعدام الأسرى، ولا أحد يعلم هل ستطول هذه المواجهة القانونية أم ستُحسم سريعًا، لكن إلغاء بعض عناصر القانون أو جميعها سوف يؤدي إلى أزمة كبرى ستفوق أزمة "الإصلاحات القضائية" خطورة على تماسك الداخل الإسرائيلي.
والأكيد أيضًا أن التحولات التدريجية في بنية الاحتلال وأدواته أخطر بكثير من التعامل معها باستهانة المستهتر أو عدَمية المتشائم. وأن التصعيد الدبلوماسي والقانوني ضد التوحّش الصهيوني هو إسناد الضرورة، الآن وأكثر من أي وقت مضى، للقضية الفلسطينية والمقاومة المتوقع تصاعدها بصور مختلفة ضد مشاريع بنغفير وسموتريتش.

