تصميم سيف الدين أحمد، المنصة، 2025
جورجيا ميلوني، رئيسة وزراء إيطاليا

"حزمة ترامب" تفرمل صعود اليمين الأوربي

كيف غيّرت حروب الشرق الأوسط خيارات الناخب الأوروبي؟

منشور الأربعاء 25 آذار/مارس 2026

خلال السنوات الماضية؛ اكتسب اليمين المتطرف شعبيةً أكثر في المزاج العام الأوروبي؛ صعودٌ متتالٍ في استطلاعات الرأي، ووجوهٌ يمينيةٌ محافظةٌ تتقدّم الصفوف الأولى بخطاباتٍ الهوية القومية المغلّفة بوعود الأمن والاستقرار. وفي ظلِّ عودة دونالد ترامب؛ رمز القومية الاقتصادية والعداء للمهاجرين والتطبيع مع الاستبداد، إلى البيت الأبيض، بدا هذا اليمين في لحظة ازدهاره. إلا أن ما حدث يوم الأحد الماضي في إيطاليا وفرنسا يفتح الباب لأسئلة أخرى. 

في إيطاليا؛ صوَّت 54% من الناخبين ضد مقترحات "إصلاحات" قضائية طرحتها رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني، وتقول المعارضة إنها تفتح الباب لتقويض استقلال القضاء. أما في فرنسا؛ ففشل حزب التجمع الوطني اليمين في تحقيق انتصار كان متوقعًا في الانتخابات البلدية، بعد أن نجح اليسار في الحفاظ على الحواضر المدنية الكبرى.

بقراءة نتائج أول استحقاقين انتخابيين يجريان بعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، يمكن الحديث عن بداية تباطؤ الزحف اليميني في أوروبا، بعد اختبار كُلفته الاقتصادية على الشعوب الأوروبية، والأخلاقية على ضميرها، وينبغي تلقّي الإشارات المبكرة القادمة من الشارع الأوروبي، بأنه لم يعد يوقّع شيكات مفتوحة للمشاريع اليمينية، خاصة تلك التي تميل إلى تسييس القضاء في الداخل، والتصفيق للحروب والإبادات في الخارج.

الهزيمة الأولى لسياسية مُثابرة

من اليمين: رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر،. الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني، الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، خلال حضورهم قمة مجموعة السبع في منتجع كاناناسكيس الجبلي في كندا. 16 يونيو 2025

الاستفتاء الإيطالي في ظاهره كان يشير إلى "إصلاحات قضائية" تهدف إلى "تحديث النظام القضائي" وتتضمن الفصل بين القضاء والنيابة العامة ومحاربة ما يصفه اليمين منذ سنوات بـ"تسييس القضاء". أما في باطنه فكان محاولةً من حكومة ميلوني لخلق ثغرة تتيح الفرصة للتقليص من استقلالية القضاء الإيطالي في تصويت شعبي. وهو يتشابه في جوهره مع مساعي ترامب وإدارته لتقليل سلطة القضاء الفيدرالي.

وبينما كان الناخب الإيطالي يؤكد رفضه التخلي عن استقلال القضاء لصالح السلطة التنفيذية؛ اعتبر مراقبون نتائج الاستفتاء اختبارًا لتوافق مزاج الشارع الإيطالي مع الحكومة الحالية، التي تواجه إخفاقها الأول منذ أن عززت ميلوني صورتها منذ توليها رئاسة الحكومة عام 2022 كزعيمةٍ لا تقهر انتخابيًا. ومع ذلك؛ ها هي تعرض مشروعًا مركزيًا من مشاريعها الدستورية على الشعب، فيردّ عليها الناخبون بـ"لا" واضحة تقطع طريقها نحو إعادة هندسة توازن السلطات.

الأسوأ بالنسبة لميلوني هو أن المستقبل لا يحبها. فقد صوّت 62% من الناخبين بين 18 و35 عامًا بـ"لا"، مقابل 54% للفئة بين 35 و54 عامًا، وتفوّق خيار "نعم" لدى 51% من الناخبين الأكبر من 55 سنةً. بالإضافة إلى ذلك؛ تتعرّض السياسيّة اليمينية لخسارة هي الأولى في جنوب إيطاليا، الذي كان يُعتبر تاريخيًا خزانًا مضمونًا للأصوات اليمينية. 

لكنَّ مواقف ميلوني المؤيدة لإسرائيل في حربها على غزة، بالإضافة إلى سياسات العداء للمهاجرين ومحاولة النيل من استقلال القضاء؛ أوجدت مساحة تقاطع بين السياسات الداخلية والخارجية؛ جعلت لدى الناخب الإيطالي مخاوف من أن الحكومة التي لا تمانع الابادة وتقلِّص الحريات وتحاول تسييس القضاء، ستحاول في نهاية المطاف تقويض الديمقراطية وخلق تحالفات دولية مقلقة لمصالح الإيطاليين، خاصة مع التقارب الشديد مع ترامب، الذي تسببت حربه في الشرق الأوسط للتو في أضرار اقتصادية ألقت بظلالها عليهم دون تدخل حقيقي ومعلن. 

فرنسا – صعود في الاستطلاعات، تعثّر في المدن 

لم تشهد انتخابات المحليات في فرنسا سقوطًا مدويًا لليمين المتطرف، بل إخفاقٌ أكثر هدوءًا ولكنه ذو دلالة. فقد فشل حزب التجمع الوطني بزعامة مارين لوبان في الفوز في المدن الكبرى التي كانوا يراهنون على اختراقها انتخابيًا، وفق ما رجّحت المؤشرات. كل شيء كان يشير إلى انتصار رمزي واختراق لمناطق تفوق اليسار في المدن الكبرى مثل باريس ومارسيليا، لكنَّ المد اليميني تباطأ أيضًا هذه المرة. 

على مدار أشهر، كان يُنظر إلى اليمين المتطرف في فرنسا، قبل عام من الانتخابات الرئاسية، وكأنه "حكومة منتظرة" مع تقدّم قادته في استطلاعات الرأي على الجميع منافسيهم. ومع ذلك، خسر مرشحو اليمين المتطرف في مدينتين جنوبيتين رئيسيتين هما تولون ونيم، بينما حصد حزب فرنسا الأبية اليساري أقوى الأرقام.

الناخب الأوروبي أصبح أكثر ترددًا مؤخرًا في اختيار حكومة بشعار "استعادة السيطرة" و"حماية الهوية"

نتائج الاقتراع أظهرت أن حدود اليمين المتطرف ما زالت كما هي رغم كل المؤشرات؛ باريس في يد اليسار/يسار الوسط، ومدن أخرى كبيرة بعيدة تمامًا عن سيطرة اليمين، حتى في الحالات القليلة التي تقدم فيها اليمين كان الفوز رمزيًا وفي مدن متوسطة وصغيرة وضمن تحالفات مع اليمين المحافظ التقليدي أكثر منه اكتساحًا أو مكسبًا لأقصى اليمين.

لا يعني ذلك أن اليمين المتطرف بات ضعيفًا، بل يكشف بوضوح أن تطوره في هذه اللحظة على الأرض يصطدم بسقف عدم القدرة على تحويل المؤشرات الى سيطرة على مراكز النفوذ الاقتصادية والثقافية.

الناخب الأوروبي أصبح أكثر ترددًا مؤخرًا في اختيار حكومة بشعار "استعادة السيطرة" و"حماية الهوية". أحد الأسباب هو الخوف من الكلفة الاقتصادية والاجتماعية لهذه المشاريع. أدرك الأوربيون أن خطاب طرد المهاجرين ونغمة تخفيض الإنفاق الاجتماعي لصالح التسليح، استجابةً لضغوط ترامب، سيضرب الفئات الاجتماعية الأقل دخلًا ويزيد معدلات الفقر، خاصةً وأن أبناء المدن الكبرى أقل قبولًا للخطاب الشعبوي وتبرير الفشل بسبب "الغرباء" و"الإرهاب" و"المهاجرين" التي يبني عليها اليمين دعاياتهم.

حزمة يمين عالمي برعاية ترامب

ما يحدث في أوروبا يتقاطع بوضوح مع عودة دونالد ترامب واليمين المتطرف لقيادة أمريكا نحو مزيدٍ من الحروب، برمزيته التي تربط القومية بالعداء للمهاجرين بالاستبداد واحتقار القانون الدولي. مثّلت هذه العودة إشارة مهمة لليمين الأوروبي بأن اللحظة مواتية لتشكيل محور إمبريالي عابر للأطلسي.

هذه الفكرة ليست مغرية بأي شكل للناخب الأوروبي الذي يعيش أزمة اقتصادية غير مسبوقة منذ سنوات، مع قلق شديد من تلاشي فرص العمل، وخوف من اتساع رقعة الحرب في أوكرانيا وانفجار الشرق الأوسط. هذا الناخب، لا مصلحة له في تحالفٍ يستسهل لغة الحرب وإعادة التسليح والاصطفاف العسكري، وسيتوجه يسارًا ولو في تصويت عقابي، للابتعاد عن ذلك كله.

أخيرًا، لا يمكننا السقوط في فخ التبسيط واعتبار تراجع اليمين انتصارًا للمعسكر المعادي للإمبريالية؛ لكنه في النهاية يشير إلى أن أوروبا ليست كتلة واحدة، وأنها تعكس صراعًا داخليًا في أوروبا حول شكل الدولة التي يريدها الأوروبيون، وتوازن علاقاتها مع أمريكا وإسرائيل والقوى الخارجية، وموقع أوروبا من الانخراط في الحروب التي تحيط بها وكيف ستتعامل معها.

يبقى السؤال المفتوح: هل يعني تراجع اليمين المتطرف في هذه المحطات أننا مقبلون على صعود يسار جديد أو قوى تقدمية قادرة على تغيير جذري في السياسات الأوروبية؟ ليس بالضرورة. في كثير من الحالات، يؤدي الخوف من اليمين المتطرف إلى إعادة الاعتبار لأشكال من "يمين الوسط" أو "الوسط النيوليبرالي" الذي يتبنى خطابًا إصلاحيًا معتدلًا يمكن أن يتناسب مع شريحة واسعة من المجتمع الأوروبي.