حين يصبح الإطار قيدًا والمهنة تُهمة
أن تطل على المشهد من الخارج ليس كما تعاينه وأنت في قلبه. من الخارج ربما تجد متسعًا لالتقاط الأنفاس، أو مسافةً تمنحك ترف الرؤية الشاملة وربما بعض الراحة الزائفة.
أما داخل "الإطار"، فأنت أكثر من مجرد مشاهد، إذ تصبح جزءًا أصيلًا من صورة غارقة في التفاصيل، مثقلة بآلام تتأرجح بين الكتمان والإعلان. أنت هنا مسؤول أمام نفسك، وأمام رفاق المهنة، وأمام ضميرك في واقع صعب.
داخل هذا الإطار، تتجسد المأساة في أدق التفاصيل وأكثرها حدة؛ ملامح طفل بدأ يغيب عن ذاكرته طيف والده أو نبرة صوته، لأن ذلك الوالد، صحفيًا كان أو كاتبًا، غُيِّب خلف القضبان لسنوات، لا لشيء إلا لأنه مارس مهنته. تتجسد في أنين مكتوم لزوجات وأمهات يخشين حتى الصراخ؛ تكلفة "الضجيج" في واقعنا باتت باهظة ومحفوفة بالمخاطر.
مهنة في قفص الاتهام
اليوم، يكتمل عامي الأول مقررةً للجنة الحريات بنقابة الصحفيين، هنا فقط عرفتُ الفرق الجوهري بين رصد الإطار من بعيد والعيش محبوسًا داخله.
عام كامل من الهرولة بين النيابات وقاعات المحاكم، أطالع استدعاءات وبلاغات تثير الدهشة بغرابتها؛ "نشر أخبار كاذبة"، "إساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي"، وغيرها من الديباجات التي حُفظت عن ظهر قلب. وحين أحاول قراءة ما بين السطور في محاضر النيابة، لا أرى سوى جملة واحدة واضحة لا لبس فيها "أنت تمارس الصحافة.. إذن أنت متهم!".
تظل الاتهامات ثابتة لا تتغير.. التهمة الحقيقية هي أنك "صحفي"
في البداية، توهّمتُ أن الاستهداف سيقتصر على أسماء بعينها، أو أصحاب رؤى سياسية حادة. لكن داخل الإطار، رأيت الحقيقة كاملة: كل الأطياف حاضرة؛ يسارًا ويمينًا ووسطًا، وحتى هؤلاء "المهنيون الصرف" الذين لا ينتمون لغير قلمهم. الصفة الوحيدة الجامعة هي أنهم "صحفيون"، كأن الرسالة التي تُكتب بلا مواربة هي أن تهمتك تكمن في هويتك المهنية، والقائمة تتسع للجميع.
في ساعات الانتظار الطويلة والمضنية داخل "نيابة أمن الدولة"، يهرب خيالي من قتامة الواقع، أطرح تساؤلات تبدو في هذا المكان ضربًا من الخيال: ماذا لو كان لدينا قانون فعلي لتداول المعلومات؟ هل كان للأخبار الكاذبة أو الشائعات أن تجد لها مكانًا؟
يقتلني الملل، فيسرح ذهني أكثر: ماذا لو تُرِكت لنا حرية النشر؟ ماذا لو كانت الصحافة حرة حقًا؟ أجد الإجابة في مخيلتي ترسم سيناريوهات مبهجة؛ صناعة صحفية تنتعش، وصحفيون يحصلون على الحد الأدنى من الحياة الكريمة التي تليق بهم.
لكن فجأة، يقطع هذا الحلم صوت موظف النيابة الحاد وهو ينادي: "الصحفي فلان.. يدخل للتحقيق". في تلك اللحظة، يتوقف خيالي عن السرحان، وأفيق على الواقع المرير: لا أحد يريد حرية الصحافة، ولا أحد يعبأ بـ"أكل عيش" الصحفيين.
بعد ساعات طويلة ينتهي التحقيق؛ أشبهه في عقلي بـ"مسرحية" لها أبطال وسيناريو مرسوم سلفًا. مهما حاولت الدفاع عن نفسك أو زميلك، تظل الاتهامات ثابتة لا تتغير، فالتهمة الحقيقية هي أنك "صحفي". نخرج جميعًا مهزومين، نشكر الله، في مفارقة عبثية، على أن الزميل لم ينضم إلى ما يقرب من 20 آخرين خلف القضبان؛ ندفع الكفالة، ونلوذ بالصمت.
الخبز والحرية
بينما كنتُ أبحث عن عنوان دقيق يختصر عامي الأول، قطع تفكيري زميل يشكو حجب موقعه وتآكل راتبه، متسائلًا بمرارة عن استقراره النفسي والأسري، وزميلة أخرى تئن من ضآلة أجرها الذي لا يقيم حياة. فلم أجد عنوانًا مناسبًا سوى أن الحرية هي الوجه الآخر لـ"أكل العيش"؛ هي السبيل الوحيد لانتعاش الصناعة، والضمانة المفقودة لحياة كريمة تليق بصحفيي مصر بل والمصريين جميعًا.
لقد صرتُ جزءًا لا يتجزأ من هذه الصورة، مرافقة لكل زميل يُستدعى للتحقيق. لكن في أقصى كادر الصورة، يلوح جزء مضيء يصنعه زملاء وزميلات بدأب وإصرار؛ يمارسون صحافة حقيقية يعرفون أن ثمنها باهظ، لكنهم يصرون على حفر نفق للنور في جدران العتمة.
مع بدء عام جديد مع لجنة الحريات، تزامنًا مع الاحتفال باليوم العالمي لحرية الصحافة، لا خيار سوى التمسك بالأمل في صحافة حرة؛ صحافة تنتصر للمهمشين، وتُعبر بصدق عن أوجاع المصريين وتطلعاتهم. نتطلع لمهنة لا يضطر فيها الصحفي للحسابات المعقدة قبل نشر الحقيقة، ولا تُقصف فيها الأقلام أو تُحنى القامات تحت وطأة الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة.
تلك الصحافة الحرة تستحقها بكل جدارة الجماعة الصحفية التي يقبع أبناؤها خلف القضبان، صفاء الكوربيجي التي تقاوم الوجع الجسدي والنفسي، وكريم إبراهيم الذي ننتظر معه فرحة زفافه المؤجل، وأحمد سبيع الذي ينتظر أطفاله سيرين وسيف وسلمى نيل قليلٍ من دفء أبوته.
وأشرف عمر الذي ننتظر ريشته وتنتظره زوجته ندى مغيث، وياسر أبو العلا وزوجته اللذان تركا خلفهما أربعة أطفال يواجهون الحياة وحدهم، وخالد ممدوح الذي لا تكف أسرته عن الأمل في عودته. وعبد الله سمير مبارك، أحمد أبو زيد الطنوبي، محمود دياب، مدحت رمضان، مصطفى الخطيب، حسين كريم، وحمدي الزعيم، ولكل زميل غُيِّب عن ممارسة حقه وحريته.
هؤلاء الزملاء في محبسهم يدفعون اليوم ثمن حرية الصحافة، كما تدفعه أسرهم وذووهم، لتصبح طموحاتنا ممكنة. وفي مطلع عام جديد ليس أمامنا سوى الاستمرار في المطالبة بحقهم في الحرية، التي سددوا تكلفتها كاملة، لأننا لن نقترب من حرية الصحافة قبل أن يتحرر أبناؤها.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.
