نظرة على مشروع قانون الأسرة| نوايا طيبة ومواد قاصرة
مؤخرًا، رفع الكثيرون شعار الرعاية المشتركة للأبناء بعد الانفصال، ولكلٍّ أهدافه ونواياه المختلفة التي تصل حدَّ التناقض. في مصر، المسؤولية عن الطفل تنقسم بحكم القانون لمهمتين كُبريين: الحضانة وهي للنساء٬ والولاية على النفس والمال وهي للرجال. تقسيم جندري تقليدي، وفصل يؤدي لارتباكٍ في حياة الطفل وحياة من يعيش معه ويرعاه.
وكما ذكرنا في المقال السابق، فمشروع قانون الأحوال الشخصية المطروح للنقاش حاليًا في البرلمان، لم ينجح في إرضاء لا التيار التقدمي ولا الرجعي؛ إذ اتخذ عدة خطواتٍ لكسر تقسيم المهام التقليدي، عن طريق إشراك الرجال في الحضانة قليلًا وإشراك النساء في الولاية قليلًا لكن بطريقة تلفيقية؛ ستثير مشاكلَ جديدةً أكثر مما ستحل مشاكل قائمة.
البحث عن مصلحة الصغير
حافظ المشروع على سن الحضانة عند 15 سنة على أن يُخيَّر الطفل بعده، إلا لو كانت الأم مختلفة في الدين مع الصغير فتسقط حضانتها عند السابعة، وهي من أسوأ مواد القانون.
وتجرأت الحكومة على مخالفة السائد من آراء فقهاء المسلمين، فجعلت الأب بعد الأم في ترتيب الحاضنين استجابة لمطالب الرجال في المادة 115، لكنها لم تجرؤ على منح الأم الحق في الاحتفاظ بأطفالها عند زواجها إلا في حالات استثنائية؛ الأطفال تحت سن السابعة والأطفال المعاقين، يبقون في حضانتها حتى لو كانت متزوجة حسب المادة 124.
لكنَّ المشروع فرّغ ترتيب الأب المتقدم من جدواه، عندما نص في المادة 122 على منع الحاضن سواء الأم أو الأب من الزواج بأجنبي عن الصغار، في حين يتجه معظم الرجال للزواج بحثًا عن امرأة تربي الأولاد. أما الحاضن من غير الأب أو الأم، فيجوز أن يكون متزوجًا كما تنص المادة 124. والمبرر وفقًا للمذكرة الإيضاحية، أن "لا تكون الحضانة سببًا في منع [الحاضن] من حقه في الزواج".
لا يُسقط القانون الحالي الحضانة عن الأم حكمًا عند زواجها، لكن معظم المحاكم تحكم بذلك
يعني هذا أن الطفل سيذهب لأمه بعد الطلاق حتى لو كانت متزوجة، وعندما يصل لسن السابعة يمكن أن يذهب لأبيه فلو كان متزوجًا يعود الطفل للجدة التي عادة ما تكون متزوجة بجد الصغار، فإن لم تكن موجودة يذهب للخالة أو العمة حتى لو كانت متزوجة، وكل ذلك رهن بموافقة القاضي. وبالطبع كل هذه المواد مذيلة بعبارة مفادها "بشرط عدم الإضرار بمصلحة الصغير".
لا أجد تفسيرًا لهذه الدائرة العجيبة سوى أن الحكومة تريد الاستجابة جزئًيا لمطالب الرجال بجعلهم في الترتيب الثاني للحضانة، دون الاستجابة لمطلبهم بإسقاط الحضانة بشكل مطلق عن الحاضن المتزوجة. فحاولت أن "تقسم البلد نصين".
لا ينص القانون الحالي صراحةً على إسقاط الحضانة عن الأم عند زواجها، لكن معظم المحاكم تقضي بذلك استنادًا للآراء الفقهية السائدة.
أما القانون الجديد فيقدم هذا الحل الملتوي الذي يُعقِّد المشاكل في تقديري. فلا يستطيع الأب الأرمل الزواج مرة أخرى (وحالة الأب الأرمل كانت هي المظلومية الكبرى للرجال في ترتيب الحاضنين)، ومثله الأم الأرملة أو المطلقة، مع الاحتفاظ على حضانة أطفاله، إلا لو تزوج الأب خالة الأطفال أو تزوجت الأم عم الأطفال، وهو الأمر المقيد بشدة ولا يتوفر أصلًا لمعظم الطوائف المسيحية.
حاضن بصلاحيات محدودة
ينطلق المشروع، كما القانون الحالي، من مبدأ أن الولاية على النفس والمال للأب أثناء الحياة الزوجية وبعد انتهائها. لكن استجابةً لمشاكل واقعية، أعطى المُشرِّع الولاية التعليمية للحاضن منذ 2008 في قانون الطفل، وسارت الحكومة في المادة 136 من مشروعها على الطريق نفسها، وبشكل تلقائي بدون الحاجة لرفع دعوى، وهو تقنين لاتجاه تمثّل في قرار صادر من وزير التربية والتعليم عام 2017.
يعطي المشروع الحق للأب في الاعتراض على نوع الدراسة وتكلفتها، ولو قررت الأم إدخال الصغير مدرسة مصروفاتها تتجاوز إمكانيات الأب المادية فعليها تغطية الفرق. تُيسّر الولاية التعليمية تحديات الأمهات الحاضنات لكنها لا تحل مشكلة الفترة البينية، أثناء وجود مشاكل زوجية وقبل وقوع الطلاق، حيث يبقى الأب هو المسؤول باعتباره وليًا طبيعيًا على نفس ومال الطفل دون الأم.
كان أولى بالمشروع أن ينص على إمكانية لجوء الأم عند أي نزاع لقاضي الأمور الوقتية، لحماية الأبناء من نقل الأب ملفاتهم الدراسية نكاية في الأم، وهو موقف يتكرر كثيرًا، وكذلك في حالة سفر الأب. لم يحل القانون مشاكل الأمور الحياتية الأخرى كالعلاج والاشتراك في المسابقات الرياضية التي لا تزال من صلاحيات الأب.
كما قيد المشروع حركة الحاضن بشكل تعسفي في الانتقال إلى محافظة أخرى لا يقيم بها من له الحق في الرؤية، أي الأب والجدود، وإلا سقطت حضانتها ما لم تقرر المحكمة عكس ذلك حسب المادة 125.
وتجدر الملاحظة أن هناك فرق في التبعات القانونية بين إتاحة الحق في الحركة للحاضن بصغيرها ما لم تقرر المحكمة عكس ذلك، ومنعها من الحركة ما لم تقرر المحكمة عكس ذلك، فالمنهج الأخير يعطي الأب ووالديه (وأحيانًا والدي الأم أيضًا لأنهما يستحقان الرؤية) أداةً للتحكم في حياة المرأة الحاضن.
.. واستزارة بلا ضمانات
أما بالنسبة لرؤية الطرف غير الحاضن للصغير فقد استحدث المشروع عدة تغيرات في استجابة واضحة لمطالب الآباء؛ إذ نص على حق الرؤية للآباء والجدود مجتمعين في المادة 139. وهو ما ييسر على الحاضن لكي لا تجد نفسها مطالبة بتنفيذ عدة أحكام رؤية متفرقة.
ومد المشروع في المواد من 148 إلى 151 عدد الساعات المسموح خلالها بتنفيذ الرؤية حتى العاشرة مساء. وأضاف إمكانية عقدها بالطرق الالكترونية حسب المادة 144، واستحدث نظاما للاستزارة والمبيت. تكون الاستزارة بين 8 و12 ساعة أسبوعيًا و المبيت بين يومين وأربعة كل شهر ولا يزيد عن ثلاثين يومًا في السنة.
ويحق للأب طلب أيًا منهما في حالة إلتزامه بنفقات الصغير حسب المادة 149. ولا توجد شروط أخرى سواء كانت تتعلق بأسباب الانفصال أو تاريخ العنف أو الضرر، ولا يشترط موافقة الحاضن.
وضع المشروع عقوبة على الامتناع عن تنفيذ الأحكام الخاصة بالرؤية وغرامة أيضًا. وعقوبة حبس ست أشهر للأب الذي يتمنع عن تسليم الصغير بعد الاستزارة أو المبيت، ويجوز التصالح مع الحاضن وانقضاء الدعوى الجنائية.
تعترض معظم الأمهات الحاضنات على الاستزارة الإجبارية، بدعوى خلو المشروع من الضمانات، خاصة وأن المادة 292 من قانون العقوبات تنص على حبس الأب في حال امتناعه عن تسليم الصغير لحاضنته، لكنها تظل قوانين غير مفعلة بسبب تقاعس الشرطة وعدم أخذ مثل هذه البلاغات بجدية.
تخشى الأمهات من تحول الاستزارة إلى أداة لابتزازهن والضغط عليهن أو تعنيف الأطفال نكاية فيهن. وهو ما يستدعي وجود جهة فعالة تراقب وتتدخل في هذه الأمور مثل لجان حماية الطفولة المنصوص عليها في قانون الطفل غير المفعلة.
أما فيما يخص الولاية على المال، فبعد وفاة الأب أعطى المشروع في المادة 176 الوصاية على المال للأم ثم الجد ما لم يختر الأب المتوفى وصيًا آخر قبل وفاته. وأعطى القوامة على الابن المحجور عليه للأب ثم للأم ثم للجد وفق المادة 246. كانت الوصاية للأم واحدًا من المطالب النسوية المتكررة.
أضافت الحكومة في المادة 159 حكمًا جديدًا تمامًا على قوانين الأسرة المصرية الخاصة بالمسلمين، تُلزِم الأم بالإنفاق على صغيرها في حالة إعسار أو وفاة الأب وأب الأب. قد تبدو خطوة نحو المساواة؛ لكنها في الواقع تتعارض مع قواعد المواريث، إذ يرث العم مع البنت إذا لم يكن لها أخ، والجدة للأب ترث مع الأبناء ذكورًا وإناثًا، فكيف يتم إعفاؤهم من النفقة؟
الحق في مسكن الحضانة
أعاد المشروع صياغة المواد المتعلقة بمسكن الحضانة ليشمل أحكام المحكمة الدستورية، مضيفًا قيودًا أكبر على الحاضن مثل إسقاط حق الاستقلال بمسكن الزوجية عن الحاضن إذا توفر "مسكن آخر لها حق الإقامة فيه قانونًا" في المادة 130. عبارة "حق الإقامة" هذه مطاطة وتخلط بين وضع الحاضن وحق المحضونين في السكن، ولا تمنح الصغار وحاضنتهم حياة مستقرة في الحالات التي تكون فيها الحاضن وريثة أو لها ملكية على الشيوع مع أخوتها ووالديها ولا يتضمن غرفة للصغار.
قيد آخر تضمنته المادة 131، إذ بات محظورًا أن يقيم مع الحاضن أحد غير أولادها من طلقيها، كوالديها مثلًا أو أولادها من زواج آخر، إلا إذا اقتضت الضرورة وفق تقدير المحكمة. لكنَّ أشدَّ القيود تعسفًا ما ورد في المادة 132 التي تُلزم الحاضن بالمطالبة بالمسكن خلال ست شهور من وقوع الطلاق وإلا سقط حقها فيها. وهي فترة قصيرة جدًا، خاصة مع لجوء الكثيرين إلى الحل الودي قبل المحاكم.
نص المشروع على أن حضانة الطفل المعاق تستمر بعد سن 15 لكن دون النص على أن يكون ذلك في مسكن الحضانة
وبينما نص المشروع على أن تستمر حضانة الطفل المعاق للأم بعد سن 15، فإنه خلا من أن يكون ذلك في مسكن الحضانة، ما يفتح الباب للأب ليتخفف من عبء توفير المسكن الحضانة. كما لم يستجب المشروع للمطالب النسوية بأن يلعب الإسكان الاجتماعي دورًا في دعم السكن وحماية الأسرة بعد الانفصال، سواء للأمهات الحاضنات أو الأزواج غير القادرين.
وثيقة تأمين الزوجة
لا يزال المنطق الحاكم للمشروع مرتبكًا ما بين مفهوم النفقة في الإسلام وما استجد في الحياة. فلا تأخذ منظومة النفقات ظروف الزوجة في الحسبان. مثلًا: هل تعمل بأجر أم كانت متفرغة للأعمال المنزلية؟ هل كانت تنفق راتبها في الأسرة أم تدخره لنفسها؟
يتعامل المشروع مع عمل المرأة وكأنه غير مؤثر في الأسرة، والدليل على ذلك صياغة المادة 50 "لا يعتبر سببًا لسقوط النفقة.. خروجها للعمل المشروع كحق أصيل لها ما لم يثبت أن ذلك يضر بمصلحة الأسرة". ولو طلبت الزوجة التطليق لإعسار الزوج لا تكون لها نفقة بغض النظر عمَّا إذا كان لها مصدر دخل أم لا. ولا علاقة لصندوق دعم الأسرة بدعمها هي أو زوجها المعسر.
غير أن المشروع ينص على ما يمكن اعتباره وسيلةً لتأمين الزوجة من غدر الزمان أو غدر الزوج. إذ تُلزم المادة 31 كل مقبل على الزواج أن يقدم لعروسه وثيقة تأمين "تضمن لها الحصول على مبلغ مالي أو نفقة شهرية محددة المدة" عند وفاته أو الطلاق. ويستردها الزوج لو كان الطلاق على الإبراء أو خلعًا.
لا يحدد المشروع مبلغ هذه الوثيقة ولا معايير تحديده، وما إذا كانت ستختلف في حالة الزوجة العاملة عن غير العاملة. هذه الوثيقة مفيدة للزوجة في حالة إعسار الزوج في المستقبل أو وفاته فقيرًا، لكنها تعتبر عبئًا إضافيًا على الشباب المقبل على الزواج، وهو ما حذرت منه بعض المنظمات النسوية مطالبة أن يكون للدولة عن طريق تمويل الموازنة العامة لصندوق دعم الأسرة دورًا في حماية الأسر عند الإعسار دون إرهاق المقبلين على زواج.
تضمن المشروع في المواد من 29 إلى 32 بنودًا أخرى يمكن استخدامها في تأمين مستقبل الزوجة، ولكن كشروط اتفاقية تلحق بعقد الزواج، مثل "من له حق الانتفاع بمسكن الزوجية في حالة الطلاق أو الوفاة". ورغم إيجابية هذا المواد لكنها تبقى مشروطة بالاتفاق المسبق بين الزوجين، كما أن علاقتها غير واضحة بنظام المواريث، الذي يعتبر مسكن الزوجية جزءًا من التركة ويجوز للورثة إخراج الزوجة منه بعد فترة العدة.
الحقوق المادية
تجاهل المشروع العمل المنزلي غير مدفوع الأجر، أما العمل المهني غير مدفوع الأجر والذي يتضمن عمل الزوجة في الغيط أو دكان يمتلكه زوجها، فتعاملت معه المادة 33 بمقاربة تشبه حق الكد والسعاية في الفقه الإسلامي، باعتباره مالًا مشتركًا من عملٍ مشتركٍ، ولكن باتفاق مسبق وتسقط المطالبة به خلال سنة. تعطي المادة نفسها هذا الحق للرجل أيضًا وليس للمرأة فقط، على افتراض أن العمل المشترك قد يكون مسجلًا باسم الزوجة.
أما العمل المنزلي غير مدفوع الأجر فاعتبره المشروع من "مقتضيات عقد الزواج" ولا علاقة له بالكسب، حيث تقول المذكرة الإيضاحية إن "تفرغ الزوجة لبيتها وزوجها وأولادها لا يعد مساهمة منها فيما تكسبه من مال وكذلك رعاية الرجل لزوجته".
نظريًا، يعود المنزل وما يحتويه إلى الزوج، إذ لم تشارك الزوجة في تجهيزه ولا تملك حقًا فيه. كما ينص القانون، سواء في صورته الحالية أو في المادة 42 من مشروع القانون الجديد، على أن "المهر ملك خالص للمرأة، ولا يجوز مطالبتها بإنفاقه في تجهيز نفسها أو أي أمر من أمور الزوجية".
لكن الواقع مختلف؛ فالمهور ليست شائعة في مصر، وحتى عندما يدفعها العريس، تُستخدم غالبًا في تجهيز مسكن الزوجية. كما تسهم العروس أو أسرتها بدرجة كبيرة في تأسيس المنزل. لذلك ظهرت قائمة المنقولات باعتبارها آلية تضمن حق الزوجة في الأثاث إذا طُلقت أو أُخرجت من مسكن الزوجية.
ولا ترد قائمة المنقولات في قانون الأحوال الشخصية، بل تُعامل قانونيًا باعتبارها أقرب إلى إيصال أمانة، ولذلك تنظر النزاعات المتعلقة بها محاكم الجنح لا محاكم الأسرة. ومع الوقت، تزايدت الشكاوى والدعاوى المرتبطة بتبديد المنقولات، أي ادعاء استيلاء أحد الطرفين على المنقولات أو التصرف فيها بالمخالفة للحقيقة.
اعتبر المشروع أن منقولات مسكن الزوجية ملك للزوجة حسب المادة 47 ما لم يُتفق على غير ذلك. وهنا يصبح الرجل الذي يجهز بنفسه البيت هو الذي يحتاج لكتابة ذلك وليس العكس. وتبرر المذكرة الإيضاحية للمشروع هذا النص بأنه "تقريرًا للواقع المتعارف عليه في مصر من قيام الزوجة بقبض المهر لتجهيز مسكن الزوجية". يمكن اعتبار هذه المادة من إيجابيات المشروع، لأنها حفظت حق الزوجة حتى لو لم تكتب قائمة، مع جواز كتابتها منعًا للتلاعب.
ورغم المطالب بأن يلعب صندوق دعم الأسرة دورًا أكبر في دعم الأسر في حالة تهرب أو إعسار الملزم بالإنفاق؛ أدخل هذا الدور في حالات محدودة جدًا وبدون فلسفة تشريعية واضحة. فقد ألزمه بدفع نفقة العدة للأرملة الفقيرة التي لا تركة لها. لكن بعد مرور أشهر العدة الثلاث، لا يذكر القانون مبالغ أخرى التي قد توفر لها حماية اقتصادية حقيقية كنفقة المتعة أو المؤخر.
كذلك ألزمه بنفقة المرأة الفقيرة وطفلها إن لاعَنَها زوجها حسب المادة 111. واللعان وسيلة شرعية تقليدية لنفي النسب، أستغرب وجودها في مشروع القانون بينما الوسائل العلمية الحديثة لإثبات النسب متوفرة.
تسهيلات إجرائية
من حيث الشكل، وحدّ المشروع قوانين الأحوال الشخصية المتتالية في قانون واحد، وهذا أمر جيد ويُسهِّل على المواطنين معرفة حقوقهم وواجباتهم، وعلى المحامين والقضاة أعمالهم. لكن ماذا قدم حقًا هذا المشروع على مستوى العدالة الناجزة؟
استحدث المشروع موادَ إضافيةً تساعد في عملية التحري عن دخل الملزم بالنفقة، عن طريق إلزام الجهات الحكومية وغير الحكومية بتقديم بيان الدخل الحقيقي، واستخدام السبل الدبلوماسية في التحري عن الأشخاص العاملين بالخارج، حسب المادة 58.
تبدو فلسفة هذا المشروع مرتبكة، وكأنه مدفوع برغبة الحكومة في الاستجابة لمطالب الجميع دون رؤية شاملة للعدالة
كما استحدثت المادة 170 عقوبات جديدة على الممتنع عن تسليم بيانات الدخل الحقيقي. ونصت المادة 353 على تحقيق الربط الالكتروني بين محاكم نيابات الأسرة وصندوق دعم الأسرة. لكن كل ذلك رغم أهميته لا يحل الشكوى الأساسية للمطالبين بالنفقة، أي الزوجة والأبناء، بخصوص معرفة "الدخل الحقيقي أو التحايل بشأنه خاصة بالنسبة لأصحاب المهن الحرة والأنشطة غير الرسمية"، وكان من الضروري إدخال آليات مثل الاستعلام المصرفي أو الضريبي أو التجاري.
كان من بين المطالب النسوية استحداث شرطة أسرية أو "وحدة متخصصة لتنفيذ أحكام الأسرة"، غير أن المشروع لم يتطرق إلى هذا الجانب رغم استحداث مواد الاستزارة والمبيت التي تقتضي تدخلات خاصة أحيانًا. كذلك ما زال المشروع يصر على معاقبة الممتنع عن دفع النفقات بالحبس في حين أن مصلحة الصغار تقتضي تفعيل العقوبات الإدارية مثل الحرمان من الخدمات الحكومية، وأن تكون سابقة للحبس لا تالية له.
استجاب المشروع بشكل جزئي لمطلب الملف الأسري الواحد حيث نص على أن يكون هناك ملف نفقات واحد كما تنص المادة 270، وأن تكون أول محكمة ترفع فيها أول دعوى هي المختصة بكل الدعاوى التالية وفق المادة 297. لكن هذا يختلف في نطاقه كثيرًا عن مطلب الملف الأسري الواحد الذي يعني "ربط إنهاء الزواج ابتداءً بحسم الحقوق المالية والأسرية المترتبة عليه"٬ ولا يقتصر على النفقات فقط وإنما كافة الجوانب ومنها المتعلق بالحضانة والمسكن وعلاقة الطرف غير الحاضن بالطفل، مثل الرؤية والاستزارة، إلخ.
ملحق اتفاقي بدل الشروط
عرفت القوانين المصرية فكرة الشروط الخاصة في سنة 2000 حين صدر القرار الوزاري رقم 1727 لسنة 2000 بتعديل لائحة المأذونين، وصدر عقد زواج جديد في ظهره سطور فارغة للشروط التي يمكن الاتفاق عليها.
ورغم الترحيب النسوي الشديد بذلك العقد وقتها؛ ظل تفعيله ضعيفًا جدًا إذ يعترض المأذون على الشروط أو يحرج الشباب الراغب في وضعها، فضلًا عن جهل الناس بما يكتبونه في هذه الشروط أصلًا.
رسّخ المشروع لفكرة الشروط عن طريق النص في مادة 32 على إرفاق ملحق اتفاقي بوثيقة الزواج، أو إشهاد الطلاق، تكون له قوة السند التنفيذي، أي يُطلب تنفيذه مباشرة بدون الاضطرار للتقاضي أولًا. ويتضمن المشروع ومذكرته الإيضاحية نماذجَ للشروط الوارد كتابتها فيه، وهي معظمها لا تختلف عن نماذج الشروط التي كانت في قرار سنة 2000.
قد تؤول الشروط الجديدة إلى مصير تعديل سنة 2000 لكن وفقا لتصريحات رئيس لجنة إعداد مشروع القانون فإنها ستكون مختلفة ومنفصلة عن عقد الزواج بحيث يكتبها العروسان قبل احتفالية كتب الكتاب ودون أن يتعرضا لضغط وإحراج الحضور. ولكن هذا في رأيي غير كافٍ، بل يجب أن يتضمن نموذج الملحق أمثلة للشروط بحيث تكون واضحة أمام العروسين، وتشجعهما على اختيارها.
في النهاية، تبدو فلسفة هذا المشروع مرتبكة، وكأنه مدفوع برغبة الحكومة في الاستجابة لمطالب رفعتها جروبات الرجال والنساء، دون رؤية شاملة للعدالة، ودون امتلاك جرأة فتح آفاق تغيير اجتماعي عميق.
ويبدو ما يحرك الحكومة أكثر هو الرغبة في التخلص من المشكلات التي تسبب لها صداعًا مزمنًا وقضايا متكدسة في المحاكم، وهي رغبة مشروعة، لكن إمكانيات تحقيقها محدودة ما دامت الحكومة غير مستعدة لاستحداث مؤسسات جديدة، تحتاج توجيه موارد الموازنة العامة نحو إنفاق اجتماعي على عكس التوجه الاقتصادي السائد حاليًا.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.



