تصميم سيف الدين أحمد، المنصة 2026
سبائك ذهبية

الذهب في خزائن البنوك المركزية.. قناع الأزمة لا طوق النجاة

منشور الأحد 21 حزيران/يونيو 2026

في استطلاع عام 2026 الذي أجراه مجلس الذهب العالمي على عينةٍ ضخمةٍ من مسؤولي إدارة احتياطات النقد الأجنبي في مناطق متفرقة من العالم، توقع 45% منهم زيادة نصيب الذهب في الاحتياطات التي يديرونها خلال الاثني عشر شهرًا المقبلة.

اللافت أن هذه النسبة الكبيرة سُجلّت خلال استطلاع أُجري في الفترة بين فبراير/شباط ومايو/أيار الماضيين، أي أن مسؤولي البنوك المركزية كانوا قد عايشوا بالفعل انخفاضات أسعار الذهب خلال الحرب على إيران، التي أدت بالتبعية لتراجع قيم احتياطاتهم. 

لكن دهشتنا ستزول عندما نعرف أن الميل نحو الذهب كان سابقًا حتى على الحرب، فقد ارتفع نصيب الذهب في احتياطات البنوك المركزية على مستوى العالم من 13% في 2021 إلى 24% في 2025، ليتجاوز  لأول مرة منذ منتصف التسعينيات نصيب الأذون الأمريكية.

هذه الأخبار تقض مضجع الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بطبيعة الحال، إذ إن صعود الذهب يأتي على حساب تراجع الدولار في الاحتياطات، فهل يتسبب المعدن الأصفر في تجسيد الكابوس الذي تحدث عنه ترامب مرارًا، وهو الاستغناء عن الدولار عملة احتياطي؟

لماذا "الأخضر"؟

أوراق نقدية فئة 100 دولار أمريكي

يعتبر المحللون العملة الأمريكية مجازًا "عملةً دوليةً" على أساس أن غالب التعاملات التجارية والمالية العالمية تجرى بها، إلى جانب عملات أخرى بنصيب أصغر مثل اليورو والين والإسترليني واليوان.

للدقة، الاقتصاد العالمي بما بلغ من عولمةٍ وانفتاحٍ يخلو من عملة دولية، إذ إن العملات المستخدمة في المعاملات الدولية هي مجرد عملات محلية لكن الدول المصدرة لها نجحت في جعلها وسيطًا موثوقًا فيه.

واحد من أبرز وجوه نفوذ الولايات المتحدة قدرتُها على وضع عملتها في المقدمة، نتيجة لذلك بلغت الأصول المالية المقومة بالدولار  في عام 2025 نحو 70 تريليون دولار؛ أي حوالي 230% من الناتج المحلي الأمريكي، أكبر ناتج في العالم.

هذا النفوذ الاقتصادي الهائل ينبع بالأساس من ثقة ملايين البشر في الدولار، لا المستثمرون فحسب من الأفراد والمؤسسات، إنما أيضًا الحكومات التي تُراكِم مليارات الدولارات في احتياطاتها الأجنبية.

ساهم التصور الاستراتيجي حول ضرورة بناء احتياطات أجنبية خلال العقود الماضية في التوسع الكبير لنفوذ الدولار عالميًا، وصارت الحكومات تُجنب مليارات ضخمة بهدف تلبية الالتزامات الواردة في ميزان المدفوعات، وللتدخل في أسواق الصرف للتأثير على سعر صرف العملة الوطنية بجانب أغراض أخرى مثل الحفاظ على الثقة في العملة والاقتصاد وتوفير أساس للاقتراض الخارجي.

على أن الاحتياطي الخارجي لا يتكون فحسب من سيولةٍ نقديةٍ تُصرف عند الحاجة، إذ إن المدة الزمنية التي قد يحتفظ بها أي بنك مركزي بهذه الأصول قد تطول، ومن ثم يجب إدارة تلك الأصول التي غالبًا ما تتكون من أدوات مالية، وليس عملات سائلة، تحقق بعض العائد مع مرور الوقت، الأهم أنها تحتفظ بقيمتها قدر الإمكان، وتكون جاهزةً للتسييل عند الحاجة.  

من هنا اتسع تمثيل الدولار في الاحتياطات، بحيث لا تكتفي البنوك المركزية بمراكمة السيولة الدولارية لديها، ولكن أيضًا أدوات الدين المقومة بالدولار مثل أذون الخزانة الأمريكية.

تحت نار المنافسة

بالرغم من كل هذا النفوذ، فالمُراقب لحال الاحتياطات خلال العقود الأخيرة يلاحظ التراجع السريع لدور الدولار، الذي كان يمثل 70% من احتياطي العملات الأجنبية في تسعينيات القرن الماضي، ثم نزل إلى نحو 60% في الوقت الراهن، بسبب منافسة العملات الأخرى.

يفسر ذلك القلق الأمريكي الحالي من تراجع الاعتماد على الدولار، لكن الواقع أن الخطر لا يأتي فقط من العملات المنافسة، لكن من المعدن النفيس، فالذهب بكل عيوبه يظل مجردًا من كل أخطاء السياسات الأمريكية في العقود السابقة التي قوضت الثقة في عملتها.

لن يتحول الذهب في أي سيناريو مستقبلي إلى عملة تنافس الدولار

نتج تراجع الاعتماد على الدولار عن تحولات في بنية اقتصاد ومؤسسات الولايات المتحدة المالية والنقدية، بدءًا من التوسع الكبير للغاية في الإصدار النقدي لتدارك تداعيات جائحة كورونا فيما يعرف بالتسهيل الكمي، الذي أدى في نهاية الأمر إلى ارتفاع معدلات التضخم في الولايات المتحدة بما يقلل من قيمة الأصول المقومة بالدولار، علاوة على تفاقم مديونية الحكومة الفيدرالية لتتجاوز 100% من الناتج في 2025. أضف إلى ذلك ترامب بأسلوبه في الإدارة الداخلية والخارجية، وهو بالأقل لا يبعث على الكثير من الثقة.

ماذا يحدث في المدى الطويل؟

لن يتحول الذهب في أي سيناريو مستقبلي إلى عملة تنافس الدولار، فقد انتهى عهد ما يعرف بقاعدة الذهب لأن الاقتصاد العالمي بات أكبر كثيرًا من أن يخضع في تعاملاته لعملة ترتهن بإنتاج المعادن.

كذلك من الصعب استبدال الذهب بالأصول المالية المقومة بالدولار، فهو لا يتمتع بالديناميكات التي توفرها تلك الأدوات التي لا غنى عنها لأي مدير للاحتياطات الأجنبية، وتتجلى أهميتها في قيمتها الهائلة في الوقت الراهن التي تقدر بنحو 70 تريليون دولار.

هنا يمكن القول إن اللجوء المتزايد للذهب يؤشر على عمق الأزمة التي يعيشها الاقتصاد العالمي ككل، خاصة وأن العوامل الهيكلية وراء ضعف الدولار مرشحة للتفاقم والتعمق في السنوات المقبلة. ولأن المعدن النفيس لن يكون عملةَ المستقبل لا للتجارةِ ولا للاستثمارِ، سيظل الاقتصاد العالمي - خاصة بأنشطته المالية المتضخمة- مجبرًا على الاستمرار في الاعتماد على عملة تفقد ثقة العالم فيها بوتيرة متسارعة.