القاهرة وطهران وتبادل مواقع الثورة والنفوذ
بعد نحو 14 عامًا قضاها في المنفى، عاد آية الله الخميني إلى طهران ليطيح حكم الشاه محمد رضا بهلوي ويؤسس الجمهورية الإسلامية التي بادرت بقطع علاقاتها مع إسرائيل "جرثومة الفساد" و"الابن غير الشرعي لأمريكا"، ثم مع مصر التي كان رئيسها أنور السادات يمضي في طريق التسوية مع تل أبيب.
ورغم أن السادات اعترف رسميًا بالجمهورية الإسلامية بعد أيام من انتصار الثورة في 11 فبراير/شباط 1979، لم يقابل الخميني المبادرة المصرية بالمثل، بل اختار التصعيد مع القاهرة بسبب اتفاقية كامب ديفيد واستضافة خصمه التاريخي.
كان الرجل يؤمن بأن الثورة لا ينبغي أن تبقى داخل حدود إيران، بل تمتد إلى الإقليم كله؛ وكان يرى أن انكفاء مصر عن دورها العربي والإقليمي بعد رحيل جمال عبد الناصر واتفاقية السلام مع إسرائيل خلق فراغًا استراتيجيًا يسمح لطهران بتوسيع نفوذها وتصدير مشروعها السياسي.
"عندما نقول لا بد من تصدير ثورتنا، لا نعني فتح البلدان، وإنما نريد أن تستيقظ الشعوب، وتتحرر من هيمنة الآخرين الذين ينهبون ثرواتها، في وقت تعيش هي الفقر والحرمان"؛ هكذا قدم الخميني مفهومه لـ تصدير الثورة.
إيران الشاه مقابل مصر عبد الناصر
غير أن المفارقة التي لم تحظ باهتمامٍ كافٍ، أن الدولة التي ارتبط اسمها لعقود بفكرة "تصدير الثورة" استلهمت جانبًا مهمًا من تجربتها الثورية من مصر الناصرية، فقادة الحراك الذي انتهى بإسقاط الشاه لجأوا منذ مطلع ستينيات القرن الماضي إلى القاهرة طلبًا للدعم السياسي والإعلامي والعسكري، وتلقى عدد منهم تدريبات داخل معسكرات مصرية.
لم يكن عبد الناصر ينظر إلى ما يجري في إيران باعتباره شأنًا داخليًا، بل جزء من معركة التحرر الوطني التي تخوضها شعوب العالم النامي ضد الاستعمار.
عبد الناصر كان الزعيم الوحيد الذي ساند الحركة الثورية الإيرانية في بداياتها
فبعد الانقلاب الذي دبرته المخابرات الأمريكية والبريطانية عام 1953 ضد حكومة محمد مصدق إثر قراره تأميم النفط، عاد الشاه إلى الحكم وعادت إيران إلى لعب دورها شرطيًّا للولايات المتحدة في المنطقة.
أصبحت إيران الشاه في المعسكر المقابل لمصر عبد الناصر؛ انضمت إلى حلف بغداد، ورسخت علاقاتها بإسرائيل، ما دفع القاهرة للتعامل معها باعتبارها إحدى أدوات المشروع الاستعماري في الإقليم.
كان عبد الناصر يفصل في خطاباته بين نظام الشاه والشعب الإيراني، أكد أن "الأمة الإيرانية لن تخضع لحكومة المستعمر"، وأن المشكلة ليست مع الإيرانيين، إنما مع نظام ارتبط بالمصالح الغربية والصهيونية.
في كتابه عبد الناصر وثورة إيران، كشف فتحي الديب، أحد مؤسسي جهاز المخابرات العامة وسفير مصر لدى سويسرا آنذاك، تفاصيل العلاقة بين القاهرة والحركة الثورية الإيرانية.
ففي عام 1963، بدأ ممثلو المعارضة الإيرانية يتوافدون على السفارة المصرية في برن؛ محمد ناصر قاشقائي، ثم علي شريفيان ممثل حركة الحرية الإيرانية، وإبراهيم يزدي الذي أصبح بعد نجاح الثورة أول وزير للخارجية في الجمهورية الإسلامية.
ولأنهم يثقون في مصر مركزًا لدعم حركات التحرر، طلب هؤلاء من القاهرة دعمهم بالمال والسلاح والتدريب على حرب العصابات، وتأهيل كوادر سياسية وإدارية لإدارة الدولة بعد سقوط الشاه، وتطوير الإذاعة الفارسية في مصر لتصبح منبرًا للثورة، واقترحوا إنشاء هيئة مصرية إيرانية مشتركة تتولى تنسيق العمل الثوري.
لم يمنحهم عبد الناصر الدعم قبل أن يقف بالتفصيل على مشروعهم السياسي؛ فكلف فتحي الديب الذي انضم له لاحقًا كمال الدين رفعت (من الضباط الأحرار وأحد مؤسسي جهاز المخابرات)، بالحصول على إجابات واضحة حول شكل الدولة التي يطمحون إلى إقامتها، وتصورهم للعدالة الاجتماعية، وموقفهم من القومية العربية، والقضية الفلسطينية، والمشكلة الكردية، والاعتراف بإسرائيل، والأحلاف العسكرية.
إرهاصات الثورة
في نهاية عام 1963 حمل إبراهيم يزدي ورفاقه وثيقةً تضمنت تصورهم لإيران ما بعد الشاه؛ هي جمهورية اشتراكية تتوافق مع الإسلام المستنير، وتقوم على أسس العدالة الاجتماعية، والاستقلال الوطني، وترفض الدخول في الأحلاف العسكرية، وتدعم القضية الفلسطينية، وتتعاون مع المشروع القومي العربي.
بدت تلك الرؤية في خطوطها العامة قريبة إلى حد كبير من مبادئ ثورة يوليو، وهو ما دفع عبد الناصر إلى الموافقة، من حيث المبدأ، على دعم الحركة.
أوقف السادات الدعم المصري للمعارضة الإيرانية وأغلق الإذاعة الفارسية التي كانت تهاجم الشاه
وفي مطلع عام 1964 انتقل التعاون إلى مرحلة جديدة، حيث عُقدت اجتماعات موسعة في القاهرة، وتأسس مكتب دائم للحركة، ثم بدأ برنامج تدريب استمر عشرة أسابيع داخل معسكرات خاصة، شمل حرب العصابات، وتشكيل القوات الخاصة، والعمل السري، والدعاية والإعلام، والتنظيم السياسي.
استمر الدعم المصري حتى عام 1966، قبل أن تنتقل قيادة العمل إلى بيروت لأسباب أمنية، مع استمرار التنسيق مع القاهرة، خصوصًا في المجال الإعلامي.
يشير فتحي الديب إلى أن الإمام الخميني كان على علم بتفاصيل هذا التعاون، كما أُبلغ به عدد من كبار المراجع الدينية؛ وبعد نجاح الثورة، نقل محمد حسنين هيكل في كتابه مدافع آية الله عن الخميني قوله إن عبد الناصر الزعيم الوحيد الذي ساند الحركة الثورية الإيرانية في بداياتها.
ويذهب الباحث الإيراني علي ألفونه إلى أبعد من ذلك، معتبرًا أن شبكات الدعم والتدريب التي وفرتها مصر للمعارضة الإيرانية أسهمت في تكوين البنية التنظيمية التي تطورت لاحقًا إلى مؤسسات الثورة، منها ما عرف فيما بعد بـ فيلق القدس.
السادات وكامب ديفيد
رحل عبد الناصر قبل أن يرى الثورة الإيرانية تنتصر، وجاء السادات بمشروعٍ مختلفٍ جذريًا؛ أوقف الدعم المصري للمعارضة الإيرانية، وأغلق الإذاعة الفارسية التي تهاجم الشاه، وتقاربت القاهرة مع طهران البهلوية، قبل أن تبلغ المفارقة ذروتها عام 1979، حين استقبل السادات الشاه المخلوع، ثم قطع الخميني العلاقات مع مصر احتجاجًا على معاهدة السلام مع إسرائيل.
هكذا تحولت القاهرة وطهران، اللتان جمعتهما يومًا معركة واحدة ضد الشاه والاستعمار وإسرائيل، إلى مشروعين على طرفي نقيض. الدولة التي دعمت وساعدت يومًا كوادر الثورة الإيرانية تنكرت للمشروع الذي قامت عليه ثورة يوليو، أما الدولة التي تلقت الدعم، فواصلت بطريقتها الخاصة تبني خطاب الاستقلال الوطني، ورفض الهيمنة الأمريكية، ومواجهة إسرائيل.
منذ قيام الجمهورية الإسلامية، صَدَّرت إيران نفسها باعتبارها ضلعًا رئيسيًا في مواجهة الحلف الذي تقوده الولايات المتحدة، بينما اختارت مصر منذ كامب ديفيد مسارًا مختلفًا، قوامه التحالف الاستراتيجي مع واشنطن والانكفاء على معالجة أزماتها الداخلية، بعد أن كانت في عهد عبد الناصر لاعبًا رئيسيًا في العالم العربي وإفريقيا وحركة عدم الانحياز.
أعادت الجولة الأخيرة من المواجهة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل إحياء هذه المفارقة التاريخية، فبعد أكثر من ستة عقود على الأيام التي كانت فيها القاهرة تُدرب معارضي الشاه وتدعمهم، تبدو إيران الدولة الإقليمية الوحيدة التي استطاعت فرض نفسها ندًّا في مواجهة واشنطن، وأن تنتقل من ميدان الصراع إلى طاولة التفاوض دون أن تتخلى عن ركائز مشروعها السياسي والعسكري، بينما فرضت خيارات السادات على مصر أن تبقى خارج معادلات الصراع، وأن تكتفي بدور الوسيط في ترتيبات الإقليم.
اليوم تبدو القاهرة أمام فرصة تاريخية لإعادة تموضعها في الإقليم، إذ كشفت التغيرات التي فرضت نفسها على المنطقة بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 حدود الرهان على الحماية الأمريكية، وأعادت الاعتبار لفكرة المشروع القومي العروبي المستقل.
وإذا كانت مصر قد وضعت في منتصف القرن الماضي تصورًا شاملًا لهذا المشروع، فإنها تظل، بحكم الجغرافيا والديموغرافيا والعمق الحضاري وعلاقاتها مع فرقاء الإقليم، الدولة العربية الأكثر تأهيلًا لصياغة مشروع جديد، لا يقوم على التبعية أو الرهان على الأعداء بل على المصالح المشتركة لشعوب المنطقة.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.

