تصميم سيف الدين أحمد، المنصة، 2026
القنوات المائية المصنوعة مثل قناة السويس أو المضائق الطبيعية مثل مضيق هرمز ممرات مائية محورية في التجارة والسياسة العالميتين

من السويس إلى هرمز.. كيف تصنع الأزمات مكانة الدول؟

منشور الاثنين 27 تموز/يوليو 2026

تصنع الأمم مكانتها في لحظات الاختبار الكبرى؛ حين تنجح في إدارة صراعاتها وتحويل أدواتها المحدودة إلى مصادر قوة، وأزماتها الوجودية إلى فرص تعيد بها اكتشاف ذاتها، ورسم موقعها على خرائط النفوذ.

قبل سبعين عامًا، لم تكن مصر تملك من عناصر القوة ما يمكنها من الدخول في مواجهة مع بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، لكنها امتلكت إرادة القرار، فتمكنت من تحويل معركة غير متكافئة على ميزان القواعد العسكرية إلى نقطة تحول تاريخية.

بالمقاومة والصمود، وحسن توظيف أدواتها العسكرية والدبلوماسية، أفشلت مصر أهداف العدوان الثلاثي، وأجبرت المعتدين على الانسحاب. خرجت الجمهورية الوليدة من تلك الأزمة أكثر نفوذًا وتأثيرًا، وتعززت مكانتها بوصفها قائدًا لحركات التحرر الوطني، ليس في الوطن العربي وحده، بل في دول العالم الثالث كله، وصار جمال عبد الناصر أحد أبرز رموز مقاومة الاستعمار في القرن العشرين.

عالم جديد

استقبال حافل لجمال عبد الناصر لدى وصوله إندونيسيا، للمشاركة في مؤتمر باندونج الذي شكَّل لاحقًا نواة حركة عدم الانحياز. 17 أبريل 1955

لم تكن معركة السويس نهاية عدوان عسكري فحسب، بل كانت بداية نظام دولي جديد؛ فقد كتبت الصفحة الأخيرة في عمر الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية، فيما كانت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي يكرسان نفسيهما قطبين للنظام العالمي الجديد.

في المقابل، خرجت مصر من قلب المعركة وقد انتقلت من دولة تدافع عن سيادتها وحقوقها إلى دولة تصنع التوازنات في محيطها، وتؤثر في مسار الأحداث الكبرى.

رغم مرور سبعة عقود على أزمة السويس، فإنها لم تغادر ساحة النقاش الدولي، فما زالت تُستحضر، باعتبارها نموذجًا لفهم كيفية تشكل التحولات الكبرى في النظام الدولي.

وخلال الشهور الماضية، استدعت صحف غربية كبرى ومراكز أبحاث استراتيجية تلك اللحظة، وأجرت مقارنات بينها وبين ما يجري في الخليج، متسائلة عما إذا كان مضيق هرمز يقف اليوم على أعتاب لحظة تاريخية تشبه، في دلالاتها لا في تفاصيلها، لحظة السويس 1956.

هذه المقارنة لا تعني أن التاريخ يعيد نفسه، ولا أن إيران هي مصر أخرى، أو أن مضيق هرمز هو قناة السويس الجديدة. فلكل لحظة تاريخية ظروفها وسياقها، ولكل أزمة معطياتها ولكل دولة تجربتها. لكنها تطرح سؤالًا أعمق "كيف تستطيع دولة محدودة القدرات العسكرية والاقتصادية أن تحول موقعها الجغرافي إلى مصدر قوة، وأن تجعل خصومها الأكثر قوة يدفعون ثمنًا سياسيًا يفوق بكثير ما توقعوه قبل اندلاع الصراع؟".

تتمسك إيران بالسيطرة على هرمز لأنها أدركت أنه ورقتها الذهبية في الحرب الدائرة

مساء السادس والعشرين من يوليو/تموز 1956، وقف جمال عبد الناصر في ميدان المنشية بالإسكندرية معلنًا قرار "تأميم الشركة العالمية لقناة السويس شركة مساهمة مصرية".

في الذاكرة العامة، ارتبط القرار مباشرة بإعلان الولايات المتحدة وبريطانيا سحب عرضهما لتمويل مشروع السد العالي، وكأنه جاء كرد فعل، غير أن ما كشفته الشهادات والوثائق لاحقًا، يؤكد أن فكرة التأميم كانت مطروحة قبل ذلك بوقت، وأن النقاش حولها سبق أزمة السد العالي.

كان عبد الناصر يدرك أن قناة السويس أكثر من مجرد ممر مائي تسهم السيطرة عليه في دعم الاقتصاد القومي، بل هي أهم ورقة جيوسياسية تملكها مصر. فمن يسيطر على القناة، يملك قدرة استثنائية على التأثير في التجارة العالمية، وعلى فرض نفسه لاعبًا لا يمكن تجاوزه في معادلات الإقليم والعالم.

الحسم العسكري

لم يطل الوقت كثيرًا، إذ جاء الرد في التاسع والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول 1956، عندما بدأت إسرائيل هجومها على سيناء، لتتبعها بريطانيا وفرنسا بإنذار يطالب القوات المصرية والإسرائيلية بالانسحاب من ضفتي القناة، وهي صيغة كانت تخفي اتفاقًا سريًا سبق العدوان بأيام، هدفه منح لندن وباريس ذريعة للتدخل العسكري واحتلال منطقة القناة وإسقاط نظام 23 يوليو، واستعادة السيطرة على الشريان الملاحي الذي فقدتاه بقرار التأميم.

نظريًا، لم يكن هناك مجال للمقارنة بين طرفي الصراع، ثلاث دول تمتلك أحدث ما وصلت إليه الترسانة العسكرية في ذلك الوقت، تواجه دولة كانت حتى سنوات قليلة مضت محتلة، وما زالت تبني جيشها ومؤسساتها، وتعيد تشكيل اقتصادها. وكانت حسابات العواصم الثلاث بسيطة: ضربة عسكرية خاطفة تنتهي بإسقاط عبد الناصر، وإعادة عقارب الساعة إلى ما قبل السادس والعشرين من يوليو.

صورة من اشتراك سيدات مصريات في المقاومة الشعبية في بورسعيد إبان العدوان الثلاثي على مصر عام 1956.

لكن ما بدا على الخرائط معركة محسومة، تحول في الميدان إلى شيء مختلف تمامًا، فمصر التي خاض جيشها وشعبها في مدن القناة واحدة من أنصع صفحات الكفاح الوطني، فتحت بالتوازي جبهة دبلوماسية واسعة، واستثمرت تناقضات النظام الدولي الوليد، وحالة الرفض العالمي للعودة إلى زمن الاحتلال المباشر.

كانت تلك، في جوهرها، معركة إرادات أكثر منها معركة جيوش، فالقوة العسكرية قد تحسم معارك لكنها لا تستطيع دائمًا تحقيق الأهداف الاستراتيجية للحروب.

لم تُهزم الدول الثلاث لأنها خسرت معارك على الأرض، بل لأنها فشلت في تحقيق ما وضعته من أهداف.

دفع صمود مصر وتماسكها القطبين الجديدين في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية -الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي- إلى التدخل لوقف العدوان.

وهكذا، لم يكن الانسحاب مجرد نهاية لحرب قصيرة، بل إعلان ميلاد مرحلة جديدة؛ إذ خرجت بريطانيا من السويس وهي تدرك أن زمن الإمبراطورية التي "لا تغيب عنها الشمس" قد انتهى، بينما بدأت فرنسا تبحث عن دور جديد بعد أن تلقت ضربة قاسية في مصر، وأخرى أشد إيلامًا في الجزائر؛ أما الولايات المتحدة، فقد ورثت قيادة المعسكر الغربي، فيما وجد الاتحاد السوفيتي طريقًا أوسع إلى الشرق الأوسط والعالم الثالث.

كانت قناة السويس قبل قرار التأميم ممرًا دوليًا يخدم مصالح الإمبراطوريات، وبعد القرار وما تلاه من معركة العدوان الثلاثي أصبحت ورقة سيادية أعادت تعريف مكانة مصر في النظام الدولي.

الأحادية الأمريكية

الآن وبعد سبعين عامًا، عادت لحظة السويس لتتصدر الواجهة، مع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة الأمريكية -القطب الأوحد في هذه اللحظة- وإيران التي اكتشفت في بداية جولة الصراع الأخيرة أن مضيق هرمز هو السلاح الاستراتيجي الذي يتجاوز في تأثيره برنامجها النووي.

ورغم اختلاف المعطيات والسياق التاريخي والجيوسياسي، فإن سؤال تحوّل مضيق هرمز إلى "سويس جديدة" فرض نفسه على أجندة دوائر صناعة القرار في العالم.

التاريخ لا يعيد نفسه بهذه البساطة، والنظام الدولي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية تغيّر

كما كانت قناة السويس في خمسينيات القرن الماضي شريانًا رئيسيًا للتجارة والإمدادات بين أوروبا ومستعمراتها، يمثل مضيق هرمز اليوم عنق الزجاجة الذي يمر عبره نحو خمس تجارة النفط العالمية. وفي الحالتين، أدركت الدولة المطلة على هذا الممر أن الجغرافيا قد تكون أحيانًا أكثر تأثيرًا من أدوات القوة التقليدية.

رغم صعود الصين اقتصاديًا، فإنها لا تزال تفضل إدارة الصراع مع الولايات المتحدة بأدوات الاقتصاد والتكنولوجيا

لهذا، تتمسك إيران بالسيطرة على المضيق، بالرغم من أنه ممر ملاحي دولي ومحكوم بقواعد تختلف عن قواعد قناة السويس، لأنها أدركت أنه ورقتها الذهبية في الحرب الدائرة، لذا لن تتخلى عنه مهما بلغت شدة الضربات الأمريكية عليها.

المعضلة التي تواجه إيران، أن العالم الذي واجه فيه عبد الناصر الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية كان عالمًا ثنائي القطب، تمتلك فيه واشنطن وموسكو من النفوذ ما يسمح بفرض نهاية للأزمات الكبرى، وهو ما تغير اليوم فالنظام الدولي يعيش مرحلة الأحادية الأمريكية منذ سقوط الاتحاد السوفيتي.

 ورغم صعود الصين اقتصاديًا، فإنها لا تزال تفضل إدارة الصراع مع الولايات المتحدة بأدوات الاقتصاد والتكنولوجيا، أما روسيا فعلقت في المستنقع الأوكراني وهو ما حدَّ من قدرتها على خوض مواجهات نفوذ في الشرق الأوسط مع غريمها التاريخي.

وهنا يكمن الفارق الأهم بين السويس وهرمز، ففي عام 1956، أدى فشل العدوان الثلاثي إلى تسريع تغيير خريطة النظام الدولي، أما اليوم، فلا يبدو أن أي طرف يمتلك القدرة على فرض لحظة حسم مماثلة، وهو ما قد يجعل الصراع الجاري بين واشنطن وطهران اختبارًا طويلًا لا يعرف أحد متى يُحسم، وحتى لو عاد الهدوء باتفاقات هشة لالتقاط الأنفاس أو لتخفيف الضغط على عصب الاقتصاد الدولي فستكون هناك جولات أخرى.

لا يستطيع أحد، الآن، أن يجزم بما إذا كانت أزمة هرمز ستنتهي إلى ما انتهت إليه أزمة السويس، أو أن المواجهة مع إيران ستتحول إلى لحظة تؤرخ لبداية تراجع الهيمنة الأمريكية، كما أصبحت السويس علامة على أفول الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية، فالتاريخ لا يعيد نفسه بهذه البساطة، والنظام الدولي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية ليس هو العالم الذي يعيش اليوم مخاضًا للانتقال إلى توازنات جديدة لم تستقر بعد.

لكن المؤكد أن الأزمات الكبرى تظل الامتحان الأصعب للدول والإمبراطوريات معًا، فهي اللحظة التي تختبر فيها الدول قدرتها على توظيف ما تملك من جغرافيا إلى نفوذ، ومن ضغط إلى فرصة، بينما تُختبر فيها أيضًا قدرة القوى المهيمنة على الحفاظ على مكانتها وفرض إرادتها.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.