تصميم: أحمد بلال- المنصة، 2025
الإخوان المسلمون

تنظيم بلا قيادة وجسد مطارَد.. أين الإخوان المسلمون الآن

من حلم السلطة إلى الصراع على كرسي المرشد

منشور الأربعاء 1 تموز/يوليو 2026

في الثالث من يوليو/تموز هذا العام، تمر 13 سنة كاملة على اللحظة التي أطاح فيها الجيش بالرئيس محمد مرسي، أول رئيس مدني منتخب في تاريخ البلاد، وتكون جماعة الإخوان المسلمين قطعت هي الأخرى 98 عامًا من عمرها، أي أنها تقف على بُعد عامين فقط من مئويتها الأولى، التي تحلّ في 2028.

بين هذين التاريخين؛ يوم العزل وعتبة القرن، تتكثّف حكاية صعود أهم تنظيم في تاريخ الإسلام السياسي الحديث، وكذلك حكاية أفوله. فالجماعة التي أسسها حسن البنا في عام 1928 لم تعد كيانًا واحدًا له مركز قرار، إنما باتت فكرة مشتّتة وشبكات متناثرة بين المنافي، والسؤال الذي يفرض نفسه على عتبة المئوية ليس "هل تبقى الجماعة؟" بمعنى بقاء الاسم، بل "أيّ جماعة ستبقى، وعلى أيّ أساس؟".

جسد متهالك بثلاثة رؤوس

في الـ20 من يونيو/حزيران 2026، ذكرى رحيل الرئيس محمد مرسي، أصدر محمود حسين، واحد من رجلَين يحمل كلٌّ منهما اليوم لقب القائم بأعمال المرشد العام للإخوان، بيانًا بعنوان "رؤيتنا: جماعة واحدة.. قيادة واحدة"، دعا فيه إلى "أن التحام الصف ووحدته على أصول الجماعة وثوابتها بات ضرورة ملحّة لا مناص منها ولا سبيل لتأجيلها ولا مجال لتجاهلها"، ورأى أن "تعدّد الاجتهادات داخل الجماعة يمكن أن يكون مصدر قوة لا انقسام، إذا أُدير بالشورى والمؤسسية".

ليس اختيار توقيت البيان من قبيل المصادفة، إذ تعد ذكرى موت الرئيس خير تجسيد لذروة صعود الجماعة وبداية انهيارها، كما تختصر المسافة التي قطعها التنظيم في 13 عامًا من حلمٍ بالسلطة إلى صراعٍ على لقبٍ رمزي لكيانٍ متهالك.

ما أصاب الإخوان بعد 2013 ليس انتكاسةً عابرةً في مسار طويل بل تحوّلٌ في طبيعة الكيان نفسه

وإن بدا نداءُ حسين في ظاهرِه نبيلًا ينشد الوحدة والالتحام، لكنه في باطنه اعترافٌ بأن الجماعة بلا وحدةٍ ولا قيادةٍ واحدةٍ من الأساس. فالرجل الذي يهيب بـ"قيادةٍ واحدةٍ" هو نفسه طرفٌ في انقسام القيادة، يخاطب من موقع المتنازع جبهةً أخرى تنازعه المنصب ذاته.

المفارقة أن من يبحث اليوم عن "مركز" هذا التنظيم لا يكاد يعثر عليه، إنما يقف أمام جبهات ثلاث تتنازع إرث المرشد العام محمد بديع الذي يقبع في سجنه منذ 2013 تحت أحكام بالإعدام والمؤبد، والذي خلفه القائم بأعماله محمود عزت وهو مَن اعتُقل بدوره في القاهرة في أغسطس/آب 2020، وخليفته إبراهيم منير الذي قاد الجماعة من لندن حتى وفاته في نوفمبر/تشرين الثاني 2022.

إبراهيم منير ومحمود حسين، قيادات جماعة الإخوان في الخارج ما بعد 2013

لا يوصف ما أصاب الإخوان بعد 2013 باعتباره انتكاسة عابرة في مسار طويل امتلأ بالمحن، إنما هو تحوّلٌ في طبيعة الكيان نفسه؛ من تنظيمٍ هرمي مركزي يملك قرارًا وموارد وحاضنة إلى ما هو عليه الآن من تشتتٍ في المعنى والمبنى بين الشبكات المحلية والجاليات في المنافي بدون قيادة جامعة.

ما انتهت إليه الجماعة من انقسام لم يكن مفاجئًا بقدر ما كان تراكمًا. يؤرخ الباحث خليل العناني في تحليله للمركز العربي في واشنطن، بداية الانقسام العلنية في أكتوبر/تشرين الأول 2021، حين أصدر إبراهيم منير قرارًا بتجميد عضوية ستة من كبار القادة وإحالتهم إلى التحقيق، على رأسهم الأمين العام محمود حسين، وردّ المجمَّدين بإعلان عزل منير نفسه، ليردّ هو باعتبار قرارهم باطلًا.

هكذا انقسمت الجماعة إلى جبهتين؛ واحدة في لندن يقودها منير، ثم خلفه صلاح عبد الحق، وأخرى في إسطنبول بمحمود حسين ومن معه، لنشهد حقبة صراع أبعد من حدود الخلاف الشخصي، إذ تحول، بتوصيف العناني، إلى نزاعًا على مَن يدير التنظيم، ومَن يسيطر على أصوله المالية ومَن يدير منابره الإعلامية، ومَن يحدّد أجندته.

وبينما أمسكت جبهة إسطنبول بمفاتيح المال والإعلام وإدارة النشاط التنظيمي، استفردت جبهة لندن بالشبكة الدولية للجماعة وعلاقاتها بالحكومات الغربية، حيث عاش منير نحو خمسة عقود.

زاد من رقعة الانشقاق دخول جبهة ثالثة تُعرّف نفسها باسم المكتب العام للإخوان المسلمين، وهم مجموعة من الكوادر التي انضوت تحت قيادة محمد كمال، عضو مكتب الإرشاد والرئيس السابق للجنة الإدارية العليا لجماعة الإخوان المسلمين، وهي هيئة قيادية تشكلت داخل الجماعة في مصر عام 2014 لإدارة شؤون التنظيم داخليًّا.

كلٌّ من الأطراف يدّعي الشرعية والقاعدة ممزّقة بين الولاءات.. هكذا انتهى الحال بالإخوان إلى انقسام لم تشهده منذ انطلاقتها عام 1928

نشأت هذه اللجنة في الأصل عقب اندلاع خلافات تنظيمية داخلية حول مهام "مكتب الإرشاد" بسبب الملاحقات القضائية وسجن القيادات التاريخية. ثم حل محمود عزت تلك اللجنة لاحقًا، لتتمرد المجموعة المنضوية تحت قيادة كمال، المتهم من السلطات المصرية بإدارة العنف عام 2015، قبل أن تعلن وزارة الداخلية قتله مع عضو بارز آخر بالجماعة أثناء مداهمتها للقبض عليهما.

بعد ذلك أسّست هذه المجموعة ما عُرف باسم المكتب العام للإخوان المسلمين، وانبثق عنه "مؤسسة ميدان" التي تزعم أنها تسعى لتغيير النظام وتقدم نفسها بديلًا عنه.

حين تكون محنة "البنا" أخف وطأة

كلٌّ من الأطراف يدّعي الشرعية والقاعدة ممزّقة بين الولاءات؛ هكذا انتهى الحال بالإخوان إلى انقسام لم تشهده منذ انطلاقتها عام 1928. صحيح أن خلافاتٍ وانشقاقاتٍ رافقت مسيرتها منذ أيامها الأولى، حتى إن مجموعةً من أتباع المؤسس حسن البنا انفصلت عنه في حياته.

صورة من مظاهرة لجماعة الإخوان قبل الثورة.

غير أن المنشقّين كانوا يغادرون ليؤسّسوا كياناتٍ جديدة، ولم ينازعوا الجماعة على اسمها ولا على شرعية مرشدها. أما اليوم فالنزاع قائمٌ على الاسم ذاته وعلى لقب "المرشد"؛ جبهتان رئيسيتان في لندن وإسطنبول، يتفرّع عنهما في تقدير بعض أبناء الجماعة طرفٌ ثالثٌ، يدّعي كلٌّ منهما الشرعية وأن ما عداه خارج على الجماعة.

الأنكى أن التنظيم الذي بنى تاريخه على السرية وحفظ صورة الوحدة لم يعرف من قبل هذا القدر من التنابذ العلني والاتهامات المتبادلة بالفساد المالي والإداري لتُبثّ على المنابر ومنصّات التواصل بلا حرج. إذ تجاوزت الاتهامات بالفساد حدود السجال المرسل، وبلغت ذروتها في مايو/أيار 2019، قبل انقسام جبهتي لندن - أسطنبول، حين تداول أعضاء الجماعة تسجيلًا صوتيًّا منسوبًا إلى أمير بسّام عضو مجلس شورى التنظيم، يتّهم فيه محمود حسين ومحمود الإبياري، المحسوب حاليًا على جبهة صلاح عبدالحق، بالاستيلاء على أموال الجماعة وتسجيل أرصدةٍ وعقاراتٍ وسياراتٍ فارهة بأسماء قياداتٍ في الخارج، مع مطالباتٍ من داخل التنظيم بفتح تحقيقٍ في مصير التبرعات والتمويلات.

تحول الصراع المحتدم على لقب "المرشد" في تنظيمٍ فقد بوصلته إلى معركة على مقعد لا على الوجهة

ولأن مصدر الاتهام هذه المرة عضوٌ في هيئة الجماعة لا خصمٌ خارجي، كان وقعه أثقل، حتى وإن ضخّمته منابر معادية. وعندما رأى آلافٌ ممن قدّموا أبناءهم للسجون والمنافي قياداتهم في الخارج تتنازع على المال والعقارات والسيارات، انقلب الإحساس بالمظلومية المشتركة إلى شعورٍ بالخذلان من قمةٍ تتقاسم الغنيمة بينما تدفع القاعدة الثمن.

يضاعف من فداحة المشهد أنه يقع في لحظةٍ تتّفق أطراف الجماعة الثلاثة على وصفها بـ"المحنة"؛ الكلّ يرى أنها محنةٌ وجوديةٌ ثم يتقاتل على مَن يقودها. والمفارقة أن القمع الذي كان في الماضي يلحم الصفوف ويغذّي التضامن، صار فيما بعد 2013 يفتّت الجماعة بدل أن يجمعها.

التيه

إذا عدنا إلى بيان محمود حسين، فإن دلالته الأعمق ليست دعوته إلى الوحدة. فتلك تتكرّر كل عام، بل فيما يكشفه عن انكماش أفق الجماعة إلى خطاب يتمحور حول لمّ الصف واستعادة الثقة وضبط "المؤسسية"، من دون تقديم رؤيةٍ للبلاد، ولا تصوّرٍ لمخرجٍ سياسي، ولا استراتيجيةٍ لما بعد المحنة.

حتى حين يشير إلى "استعادة الدور الإصلاحي" يفعل ذلك بوصفه غايةً مؤجَّلة تأتي بعد إصلاح البيت الداخلي، لا برنامجًا قائمًا. ويتحول الصراع المحتدم على لقب "المرشد" في تنظيمٍ فقد بوصلته إلى معركة على مقعد، لا على الوجهة؛ مَن يكون الرجل المسنّ الذي يستند على جسدٍ منهك؟ بينما يبقى السؤال الأصعب "إلى أين؟" بلا جواب.

على أن قراءة بيان حسين لا تكتمل إلا بتذكّر أنه ليس جديدًا، فالرجل لم يفتأ يردّد الدعوة لـ"الجماعة الواحدة والقيادة الواحدة" منذ سنوات، ويعيد إنتاجها في كل مناسبة، وها هو يستحضرها في ذكرى مرسي تحديدًا كأداة في معركة السيطرة على التنظيم، وليس بوصفها مشروع إصلاحٍ حقيقيًّا. فـ"الوحدة" التي يدعو إليها حسين هي عمليًّا الوحدةَ تحت قيادته هو، و"القيادة الواحدة" التي يبشّر بها هي قيادته هو دون منازع.

موت مرسي تكثيف لمصير مشروعٍ سياسي بأكمله: من قصر الرئاسة إلى الزنزانة إلى الموت في المحكمة

وإذا كان حسين رفع شعار "القيادة الواحدة" من موقع المزايدة، فإن جبهة لندن لم تقف صامتة، وأرسل صلاح عبد الحق إشارات تهدئةٍ من موقع الباحث عن مخرج.

تبنى تيار عبد الحق منذ 2024 خطابًا مغايرًا عنوانه المصالحة، وطرح مبادرة مصالحة وطنية تقايض الإفراج عن آلاف المعتقلين وإلغاء الأحكام مقابل انسحاب الجماعة من "المنافسة" السياسية عشر سنوات على الأقل، وأصدر بيانًا شدّد فيه على تنصّل الجماعة من العنف واعتبار استباحة الدماء جريمة.

هكذا ينقلب خطاب لمّ الصف نفسه إلى سلاحٍ في الانقسام؛ كلّ جبهةٍ ترفع راية الوحدة لتعني بها ابتلاع الأخرى، فيصير النداء وجهًا آخر للنزاع على الغنيمة.

الجسد المطارَد في السجن والمنفى

إذا كانت القيادة تبخّرت، فإن الجسد الممثل في أعضاء الجماعة بهيكلها المعقد ظلّ مطارَدًا. والحكاية تبدأ من فضّ اعتصامي رابعة والنهضة في أغسطس 2013، حين قُتل ما لا يقل عن 800 شخص، وربما أكثر من ألف، وفق توثيق هيومن رايتس ووتش التي وصفت ما جرى بأنه من أوسع عمليات القتل غير المشروع للمتظاهرين في يومٍ واحدٍ في التاريخ الحديث. ثم جاء التصنيف الرسمي للإخوان جماعةً إرهابيةً في ديسمبر/كانون الأول 2013، لتبدأ حملةٌ ممتدةٌ من الاعتقال ومصادرة الأموال وتجفيف الجمعيات والشركات المرتبطة بالجماعة.

مرت بعد ذلك 13 عامًا عجافًا، فيها يقبع المحسوبين على الجماعة في السجون مقيدين بنمط مُعمَّم من الممارسات يبدأ باحتجاز مطوّل، وتدوير في قضايا جديدة، وسجن في أوضاع قاسية موثّقة على نطاق واسع.

محمد مرسي خلال إحدى جلسات محاكمته

وتمتنع السلطات المصرية عن نشر أي إحصاء رسمي لأعداد المحبوسين على خلفية سياسية، ما دفع هيومن رايتس ووتش إلى مطالبتها علنًا في 2023 بالكشف عن أعداد نزلاء السجون. وتتحدث تقديرات منظمات حقوقية ومعارضة عن عشرات الآلاف من المعتقلين السياسيين، فيما تواصل منظمات حقوقية توثيق وفياتٍ داخل الحجز تُعزى في غالبها إلى الإهمال الطبي وسوء ظروف الاحتجاز.

لا تتوقف المطاردة عند السجن فقط، ففي مارس/آذار 2024 أيّدت محكمة مصرية أحكامًا بالإعدام بحق المرشد محمد بديع وعددٍ من قيادات الصف الأول في سلسلة محاكماتٍ وصفتها منظمات حقوقية دولية بأنها تفتقر إلى معايير المحاكمة العادلة.

أما الرمز الأكبر لهذه المرحلة فكان موت مرسي نفسه داخل قفص الاتهام في يونيو 2019 أثناء جلسة محاكمته؛ لحظة درامية رأى فيها كثيرون تكثيفًا لمصير مشروعٍ سياسي بأكمله: من قصر الرئاسة إلى الزنزانة إلى الموت في المحكمة خلال ست سنوات.

إن كانت المحنة التي ضربت التنظيم، أصابت الآلاف من أعضائه وأتباعه بين معتقل ومنفي، فإن الإخوان جماعة مليونية ذات تنظيم هرمي صارم يمتدّ من القمة إلى "الأسر" في القرية والحيّ.

هناك عشرات الآلاف على الأقل من عناصر الجماعة لم يُعتقلوا ولم يهاجروا، فأين هم؟ أين الملايين من الأتباع والأنصار والكتلة التصويتية والمحتشدين أمام اللجان وفي المظاهرات والفعاليات؟

هؤلاء هم الكتلة الصامتة التي يدور حولها السؤال الحقيقي، والأرجح أن قبضة القيادة المركزية عليهم تفكّكت إلى حدٍّ بعيدٍ؛ وبينما مزق القمع البنية الهرمية التي كانت تنقل التعليمات وتجمع الاشتراكات وتضبط الحركة، تحوّل كثيرٌ من القواعد إلى وضع "النجاة الفردية"؛ انكفاءٌ على الذات أو نشاطٌ محلي بلا مرجعية مركزية.

معظم هؤلاء لم يعودوا يكترثون أصلًا بمن يحمل لقب "القائم بأعمال المرشد"، إذ يبدو الصراع عليه شجارًا بين منفيين بعيدين عن همومهم.

الحواضن تنفض يدها

لم يكن صعود الإخوان يومًا شأنًا مصريًّا خالصًا، ولا أفولهم كذلك. فطوال العقود الممتدة من تأسيسها حتى نهاية الحرب الباردة، والجماعة لا تفقد حواضنها وداعميها؛ إذ أتاحت لها الانقسامات العربية والدولية هوامش حركة، كما نظر إليها جانبٌ من الغرب بوصفها حليفًا في مواجهة المدّ الشيوعي والقومي.

الجديد بعد 2013 أن هذه الهوامش ضاقت إلى أبعد حد، والعواصم التي احتضنتها في سنوات الربيع العربي أعادت ترتيب أولوياتها، بل تحوّل الحاضن في أحيان كثيرة إلى ملاحِق. تركيا، الملاذ الأبرز لإعلام الجماعة وكوادرها، بدأت منذ 2021 في تقيين منابرها الإعلامية وطلبت منها خفض نبرة الهجوم على القاهرة، تمهيدًا لتطبيعٍ اكتمل لاحقًا باستعادة العلاقات على أعلى مستوى.

لم يقف الأمر عند الإعلام؛ ففي مارس 2019 رحّلت أنقرة 12 من أعضاء الجماعة إلى مصر، ثم أوقفت في 2025 قياداتٍ لجأت إليها وسط تقارير عن اعتزامها تسليمهم، في إشارةً إلى جدية المصالحة على حساب من آوتهم بالأمس.

قطر، الداعم المالي التاريخي، هي الأخرى أعادت تموضعها في ضوء المصالحة الخليجية والانفتاح على القاهرة، وأمهلت في سبتمبر 2014 سبعةً من كبار قيادات الجماعة شهرًا لمغادرة أراضيها تحت ضغطٍ سعودي وإماراتي ومصري.

وجدت الجماعة نفسها في بيئةٍ معاديةٍ حتى من جانب من احتضنها، والمشهد لا يخصّ مصر وحدها، ففي الأردن حُلّت الجماعة بقرارٍ قضائي وصودرت مقارها في 2024، وفي تونس تُلاحَق حركة النهضة في ظل حكم قيس سعيّد؛ أفولٌ متزامن يوحي بأن ما يجري انحسارٌ لطورٍ كامل من الإسلام السياسي الحركي، لا أزمة فرعٍ مصري.

وضعت بريطانيا جماعة الإخوان أواخر 2025 تحت مراجعة دقيقة

كما أن صورة "الملاذ الغربي الآمن" نفسها لم تعد كما كانت، إذ اهتز آخر سندٍ كانت الجماعة تتّكئ عليه هربًا من القمع العربي، حتى أصبح حتى مقرّ القيادة في لندن موضع تهديد.

وتصدّرت فرنسا المشهد حين عرض وزير الداخلية برونو روتايو، في مايو 2025، أمام مجلس الدفاع تقريرًا رسميًّا بعنوان "الإخوان المسلمون والإسلام السياسي في فرنسا حذّر من "التغلغل" كاستراتيجيةٍ بطيئة ومنهجية لاختراق المؤسسات والمدارس والبلديات، وأحصى نحو 280 جمعية و21 مدرسة محسوبةً على التيار. وعلى أثره أمر الرئيس إيمانويل ماكرون بإجراءاتٍ ماليةٍ وإدارية جديدة تشمل تجميد التمويلات وتوسيع نطاق الحلّ الإداري ليطول صناديق الأوقاف.

حكومة بريطانيا، مقرّ إحدى الجبهتين المتصارعتين، هي الأخرى وضعت الجماعةَ في أواخر 2025 تحت مراجعة دقيقة تمهيدًا لاحتمال حظرها بموجب قوانين الإرهاب، وسط ضغوطٍ متصاعدةٍ بالتصنيف. كما أعلنت الحكومة السويدية ممثلةً في وزيرة التعليم والاندماج سيمونا محمسون فتح تحقيقٍ رسمي في التغلغل الإسلامي محوره الإخوان، وشكّلت لجنةً لتقييم نفاذ الإسلام السياسي إلى المؤسسات العامة والمجالس المحلية والجمعيات المموَّلة من المال العام.

وفي نوفمبر 2025، أعطى  قرارٌ تنفيذيٌّ أمريكيٌّ تصنيف الجماعة منظمة إرهابية بُعدًا جديدًا للضغط، في سياقٍ إقليمي تتصاعد فيه محاولات تجفيف منابع المقاومة. اللافت أن منطق هذا القرار يكاد يماثل التحرّيات الأمنية في القضايا المعلَّبة، ويتقاطع مع توظيف حكوماتٍ عربية ملفَّ الإخوان لإحكام القبضة على المجال العام. غير أن المعطيات المتوفرة لا ترقى بالكتلة الأكبر من الجماعة إلى وصف الإرهاب، إلا في حالاتٍ فردية يرتبط أغلبها بمجموعة محمد كمال، وهي لا تمثّل توجّهًا أصيلًا، حيث لم يتورط الجناحان الكبيران في أي أعمال عنف خاصة حينما كانا معًا وحتى بعد انشقاقهما.

من لقاء هيلاري كلينتون بالرئيس الأسبق محمد مرسي عام 2012 في نيويورك.

صحيح أن أخطاء الإخوان السياسية والاستراتيجية محلّ نقدٍ مشروع، لكن النقد شيءٌ والتصنيف الإرهابي شيءٌ آخر. فالخلط بينها وبين حركة حماس والتنظيمات الجهادية المسلّحة الأخرى يتجاهل اختلافاتٍ جوهرية في البناء الفكري والحركي، علمًا بأن حماس، وفق أغلب المواثيق والمعايير الدولية، حركةُ تحرّرٍ وطني تقاوم احتلالًا وليست جماعة إرهابية.

يبقى أن نؤكد على الأثر المضاعف للانكفاء الإقليمي للإخوان، فهو لا يجفّف موارد الجماعة وملاذاتها فحسب، بل يضرب سرديتها عن نفسها بوصفها تيارًا عابرًا للحدود، ويحوّل خلافها الداخلي إلى حرب موارد. فحين تشحّ الحواضن والتمويل، يحتدم الصراع على ما تبقّى، وهذا جوهر النزاع بين جبهتي لندن وإسطنبول؛ موردٌ يتقلّص، وأطرافٌ تتنازع ما تبقّى منه.

"المراجعة" قبل "العنف"

في عام 2014 رسم الباحث أشرف الشريف في دراسةٍ لمركز كارنيجي، خمسة سيناريوهات لمستقبل الجماعة: الاستئصال التام، أو العودة الظافرة، أو المصالحة مع النظام على صيغةٍ شبيهة بعهد مبارك، أو التفكك إلى جناحٍ معتدل وآخر متشدّد، أو التجديد عبر مراجعةٍ ذاتية عميقة.

اللافت أن أيًّا من السيناريوهين الحدّيين لم يتحقق بعد ثلاث عشرة سنة، وهو ما يرجّح سلوك مسار وسطي مطوّل، يستند إلى جوهر تشخيص الشريف لكوننا أمام جماعة "سريعة في التأقلم التكتيكي، أبطأ في إعادة تشكيل الاستراتيجية، ومتخلّفة حين يتعلق الأمر بالمراجعة الفكرية والثقافية".

حلّ الإخوان لنفسها قد يكون آخر ما يتمنّاه النظام المصري.. فجانبٌ من شرعيته بُني على ثنائية الدولة في مواجهة الجماعة

في قلب هذه المعضلة يقف سؤال العنف. فبعد عقدٍ من القمع، طرح عمر عاشور أستاذ الدراسات الأمنية سؤالًا حول مّا إذا كان جزءٌ من شباب الجماعة قد ينجرف نحو العنف السياسي كردّ فعلٍ على انسداد الأفق وفشل الخيار السلمي والانتخابي.

ورغم أن خطاب الجماعة الرسمي ما زال يتمسّك بنبذ العنف، فإن سيطرتها على قواعدها الشبابية الغاضبة تراجعت. وهنا تصبح المراجعة مسألةً وجوديةً لا ترفًا فكريًّا، فالفراغ القيادي قد يملؤه التطرف بقدر ما قد يملؤه الاعتدال.

في هذا السياق يلفت الشريف إلى مدى تضليل مقولة "الصراع بين جيلٍ مسنّ متشدّد وجيلٍ شاب معتدل"؛ فالمواقف تتقاطع عبر الأعمار، وبين الشباب من هو أكثر راديكاليةً لا أقل.

اللافت فيما يخص المراجعة المنشودة من الإخوان، أن الخلافات حولها تدور بالأساس حول التوقيت والتكتيك لا حول الأيديولوجيا، كما أن الانقسام المحتمل ليس بين حمائم وصقور، بل بين من يقبل إدماجًا محدودًا بشروط الدولة، ومن يراه استسلامًا يقوّض شرعية التنظيم أمام قاعدته.

مع ذلك، يبدو الإعلان عن موت الإسلام السياسي كلامًا نظريًّا، فالتجربة التاريخية تشير إلى أن حظر الجماعة أو سحقها بالقوة لم يُنهِ حضورها يومًا؛ سواء عقب اغتيال مؤسسها الأول حسن البنا، أو في حقبة جمال عبدالناصر، إذ جُرّمت وقُمعت أكثر من مرة ثم عادت إلى الواجهة. لهذا فإن مصير الفكرة لا يتوقف على حجم الضربات التي تتلقّاها بقدر ما يتوقف على عاملين: هل تنشأ بدائل سياسية ذات صدقية تملأ تلك المساحة؟ وما مدى استعداد الجماعة نفسها للتغيّر من الداخل؟

المركز العام لجماعة الإخوان المسلمين في المقطم، أغسطس 2025

ثمة طرحٌ أكثر جذرية من مجرد المراجعة، اشتبك معه باحثون من داخل البيئة الإخوانية وعلى هامشها، من بينهم عصام تليمة، مؤدّاه أن تُقدِم الجماعة على حلّ هيكلها التنظيمي، لا فكرتها ولا قيمها، وتُعلن عدم سعيها إلى مسارٍ سياسي بالصيغة القديمة، بما يتيح لأبنائها في أي أفق ديمقراطي مقبل أن يؤسّسوا كياناتٍ جديدةً بأسماء وبرامج محدَّثة.

هذا ليس استسلامًا، بل اعترافٌ بأن كيانًا وُلد في عشرينيات القرن الماضي قد استنفد صيغته، وأن التمسّك بالاسم والهيكل صار عبئًا على الفكرة لا حاملًا لها، كما أن للرؤية سوابق دالّة تتمثل في تنظيمات منبثقة عن العائلة الإخوانية خفّفت ارتباطها بالمركز أو تخلّت عن الاسم؛ من النهضة في تونس إلى تجارب إعادة التموضع في المغرب والعراق عبر الفصل بين الدعوي والحزبي؛ بل إن حركة حماس أعلنت في وثيقتها عام 2017 فكّ ارتباطها التنظيمي بالجماعة حفاظًا على حركتها وحقوق شعبها.

يلتقط تليمة هنا مفارقةً لافتة هي أن حلّ التنظيم لنفسه قد يكون آخر ما يتمنّاه النظام المصري ذاته. فجانبٌ من شرعية السلطة بُني على ثنائية "الدولة في مواجهة الإخوان"، وعلى تقديم الجماعة "فزّاعةً" دائمة تبرّر الإجراءات الأمنية وتُغلق المجال العام، وبالطبع اختفاء الخصم المنظَّم يُفقد هذه السردية ركيزتها.

يبقى الحال على ما هو عليه

في تقديري، ستبقى الجماعة كما هي على المدى المنظور: منقسمةً متشظّيةً بين ثلاثة خطاباتٍ لا يكمل أحدها الآخر. فريق صلاح عبد الحق في لندن يبعث رسائل تلمّح إلى رغبةٍ في إجراء مصالحاتٍ وتسوية، فيزايد عليه فريق محمود حسين في إسطنبول الذي يرفع شعار أنه الممثل الشرعي الوحيد للإخوان دون أن يقدّم رؤيةً تتجاوز إثبات الذات، فوقهما خطابٌ أشدّ تصعيدًا ومزايدةً تتبنّاه مجموعة "المكتب العام" ومنصّة "ميدان" التي تصف نفسها بالثورية وبالقادرة على منافسة النظام سياسيًّا.

هذا الواقع لن يتغيّر من تلقاء نفسه؛ فتبدّله مرهونٌ بأحد أمرين يقعان خارج إرادة الجماعة: إما أن يقرّر النظام المصري التخلّي عن سردية "الفزّاعة الإخوانية" التي يبني عليها جانبًا من شرعيته، أو أن يتبدّل المشهد الإقليمي بما يعيد توظيف الإخوان واستعادتهم كورقةً في توازناتٍ جديدة.

ما لم يقع أحد هذين، سيظلّ الحال على ما هو عليه: تنظيمٌ بلا قيادةٍ جامعة، وجسدٌ مطارَد، وفكرةٌ معلّقة بين ماضٍ لا يعود ومستقبلٍ لم يتشكّل بعد.