قبل أن نواجه صدمة أهل الكهف.. كيف نستعد لـ"عودة الحرب"؟
عاد التوتر إلى مضيق هرمز مع تكرار استهداف إيران لناقلات النفط غير الملتزمة بالمسار الذي حددته، وعاود الأمريكيون بدورهم قصف الأهداف العسكرية في إيران.
انهار مسار المفاوضات الذي انطلق مع توقيع مذكرة التفاهم التي أنهت العمليات العسكرية قبل نحو شهر، وأعلن الإيرانيون في الثاني عشر من يوليو/تموز الجاري إغلاق مضيق هرمز، وردَّ ترامب بإعادة فرض الحصار البحري على المواني الإيرانية، بل وأفصح عن اتجاه الولايات المتحدة إلى توفير الحماية اللازمة لضمان التدفق الحر للملاحة مقابل فرض 20% رسومًا من قيمة النفط المنقول قبل أن يتراجع عن الاقتراح -الأبله- كعادته بعد أن اكتشف أنه يدعم به الموقف الإيراني الخاص بـ مبدأ فرض رسوم على الملاحة عبر المضيق الدولي.
وبما أن تجدد الأزمة هذه المرة يهدد بسيناريوهات كارثية على مستوى أسعار الطاقة، ستنعكس بالضرورة على أسعار الغذاء أيضًا، فإن الأمر يستدعي لبلد مثل مصر أن تتبنى سياسات بديلة للتعامل مع واقع عالمي جديد.
150 دولارًا للبرميل.. السيناريو الكارثي
ما لبثت أسواق النفط أن تفاعلت مع التطورات المتسارعة، فارتفع سعر الخام بنحو 13% خلال الأيام الأخيرة مع تراجع حركة السفن عبر مضيق هرمز. ولا أحد يعلم إلى متى سيستمر التصعيد، ولا إلى أي مدى سيؤثر على صادرات النفط الآتية من الخليج العربي.
في المواجهة السابقة قفزت الأسعار من 63 دولارًا للبرميل في نهاية فبراير/شباط الماضي إلى 112 دولارًا في 7 أبريل/نيسان الماضي لكنها لم ترتفع إلى مستويات كارثية، نظرًا لاستخدام الولايات المتحدة والصين احتياطاتهما لتلبية استهلاكهما المحلي، وإجابة طلبات الأسواق العالمية، في حال الولايات المتحدة.
لكن هذه المرة قد تتحقق أسوأ المخاوف إن طال الصراع واستمر إغلاق المضيق، لأن الإغلاق الأول للمضيق استنزف الكثير من الاحتياطات، ما حدا برئيس مجلس إدارة إكسون موبيل إلى التصريح لوكالة رويترز بأن استمرار الأزمة مع احتياطات منهكة قد يقفز بالأسعار إلى 150 أو 160 دولارًا للبرميل.
هذا كله دون التطرق إلى أخطر السيناريوهات إذا قرر ترامب استهداف المنشآت النفطية الإيرانية، ورد الإيرانيون باستهداف المصافي والآبار في دول الخليج ما يعني تعطيل طاقات الإنتاج على ضفتي الخليج ربما لسنوات ما يعني كارثة طاقة على المدى المتوسط.
لماذا يجب أن نتغير.. وكيف؟
لم تسمح الفترة القصيرة التي فتحت خلالها إيران مضيق هرمز بتغذية الأسواق العالمية بالكميات الكافية من النفط. الوضع نفسه ينطبق على مخزونات مستلزمات إنتاج أسمدة اليوريا من المواد الخام، إذ لم تتعاف خلال الهدنة القصيرة، ولا يزال العالم يعاني من شح السماد.
صحيح أن دولًا كثيفة الاستهلاك للغذاء مثل الهند تمكنت من عبور فصل الربيع بدون أزمة صادمة، والفضل في ذلك يعود لمخزون السماد لديها، لكن مع عودة الاضطرابات، فإن شبح نقص الغذاء لن يلبث أن يلوح في الشتاء المقبل.
وإذا انخفض إنتاج الغذاء في الشتاء لن تقتصر الأزمة على الهند وحدها، فهذا البلد الهائل من حيث عدد السكان غالبًا ما سيلجأ إلى الاستيراد لتعويض نقص الحاصلات لديه، ما سينتهي لارتفاع أسعار الغذاء العالمية.
ماذا يعني كل هذا لمستورد صافٍ للطاقة والغذاء مثل مصر؟
إننا عرضة للصدمات أكثر من غيرنا في المدى القريب؛ إما بسبب اعتمادنا القوي على استيراد الغذاء من الخارج، خصوصًا القمح، أو صدمات انخفاض الجنيه على أثر خروج الأموال الساخنة، التي تؤدي لارتفاع كافة تكاليف الإنتاج المحلي أو الاستيراد الخارجي.
وكما تبدى من الأزمات السابقة، خصوصًا حرب أوكرانيا والجولة الماضية من الحرب على إيران، فإن هذه الصدمات تخلق حالةً من الركود التضخمي (اجتماع التباطؤ الاقتصادي مع التضخم)، وتدخلنا في دوامة كتلك التي كادت تبتلعنا في 2022، ولم نخرج منها إلا بصفقة نادرة الحدوث مثل رأس الحكمة.
فكيف يمكن للحكومة أن تتدارك الوضع قبل تفاقمه؟
علينا أن ندرك أننا بتجدد الحرب أصبحنا نعيش في عالم جديد، وأن الماضي لن يعود على الأرجح، بالتالي علينا أن نأخذ الخطوات العملية للتعايش مع هذا العالم.
أولًا: فيما يتعلق بالغذاء لا بد من مراجعة التركيب المحصولي في المدى القريب إلى المتوسط (أي ما بين السنة وخمس سنوات مقبلة) بما يسمح بتخفيض مساحات الفاكهة والخضروات الموجهة للتصدير إلى أوروبا لصالح المحاصيل الأساسية كالقمح والأرز، وهو أمر بدأت الحكومة فيه بالفعل، لكن عليها أن تدفع بمزيد من الجهود، وأن تضمن استمراره للسنوات القليلة المقبلة.
ثانيًا: فيما يتعلق بالطاقة، لا بد من وضع إجراءات احترازية من اليوم تقوم على ترشيد الاستهلاك، لكن على نحو جدي لا كالطريقة المتذبذبة التي تمت بها أثناء الحرب.
نحتاج لإعادة النظر في سياسات الاعتماد على الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة
إن المضي قدمًا في استعادة قدرات إنتاج الغاز المحلية، وهو أمر شرعت فيه الحكومة بالفعل من خلال الحرص على سداد المتأخرات المستحقة لشركات استخراج الطاقة الأجنبية، لن يعوض الحاجة لإعادة التفكير في استراتيجية الطاقة من خلال تعظيم نصيب الطاقة المتجددة من مزيج الطاقة في مصر بما يقلل من الاعتماد على استيراد البترول والغاز.
إضافةً لما سبق نحتاج لإعادة النظر في سياسات الاعتماد على الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة مثل الأسمدة والأسمنت سبيلًا لتعظيم عائد الصادرات، إذ لا يتماشى الاعتماد المتزايد على التوسع في هذه الصناعات مع الاضطراب المستمر في أسواق الطاقة العالمية، ولا يتسق حتى مع واقعنا المصري بعد أن تحولنا إلى مستورد صافٍ للطاقة.
الخلاصة هي أن الثوابت تتغير، وبسرعة، وبما قد يستمر فترةً من الزمن، ما يهدد أسس النمو الاقتصادي ومستلزمات الحياة الأساسية، على رأسها الغذاء. علينا أن ندرك هذه الحقائق قبل أن نواجه صدمة أهل الكهف عندما استيقظوا من سباتهم العميق.

