تصميم سيف الدين أحمد، المنصة 2026
الحظر الأوروبي للمستوطنات الإسرائيلية

هل يرغب العرب في الاستفادة من الحظر الأوروبي على المستوطنات؟

منشور الخميس 8 تشرين الأول/أكتوبر 2026

رحبت مصر وسبع دول عربية وإسلامية الشهر الماضي بقرار بريطانيا حظر استيراد منتجات المستوطنات الإسرائيلية وفرض قيود على الخدمات المرتبطة بها، مثلما رحبت باتجاه كندا وعشر دول أوروبية لفرض قيود وطنية أو دعم إجراءات أوروبية مماثلة، في وقت يتصاعد فيه القلق الدولي من التوسع الاستيطاني وصعود اليمين الإسرائيلي، بالتوازي مع تفاقم الضغط الشعبي الأوروبي خلال حرب الإبادة الجماعية على غزة.

ويكشف هذا التحرك عن مفارقة تشكلت على مدى عقود. فبينما تراجعت الدول العربية تدريجيًا من المقاطعة الشاملة لإسرائيل واقتصادها إلى علاقات تجارية وسياسية معها؛ بدأت أوروبا على الجانب الآخر من المتوسط تُقلّص دعمها الكامل لإسرائيل باستبعاد المستوطنات منه، قبل أن تتحرك مؤخرًا نحو حظر التجارة مع الأخيرة. وهكذا اقترب المساران من النقطة نفسها، قادمين من اتجاهين متعاكسين.

وتزامن ذلك مع اتجاه متزايد في الأوساط القانونية يرى أن آثار عدم قانونية المستوطنات تمتد إلى العلاقات الاقتصادية معها. ففي رأيها الاستشاري الصادر في يوليو/تموز 2024، أكدت محكمة العدل الدولية أن على الدول الامتناع عن المعاملات الاقتصادية أو التجارية المرتبطة بالأراضي المحتلة إذا كانت ترسخ الوجود الإسرائيلي غير القانوني، واتخاذ خطوات لمنع علاقات التجارة والاستثمار التي تساعد على استمرار هذا الوضع. ويرى عشرات من أساتذة وخبراء القانون الدولي والأوروبي أن الوفاء بهذه الالتزامات يقتضي الانتقال إلى حظر التجارة مع المستوطنات.

ولفهم كيف وصل المساران العربي والأوروبي إلى هذه النقطة، تحدثت المنصة مع دبلوماسيين عرب وأوروبيين، وخبراء قانونيين ومحللين تابعوا تعامل طرفي هذا الحراك مع المستوطنات على مدار نحو 50 عامًا.

أوروبا من التمييز إلى الحظر

أوروبا هي الشريك التجاري الأكبر لإسرائيل، لكنها طورت منذ التسعينيات منظومة قانونية تُميّز بين إسرائيل والمستوطنات، بدءًا من استبعاد منتجات الأخيرة من الأفضليات الجمركية، مرورًا بقواعد المنشأ والوسم والتمويل، من دون الوصول إلى حظر الاستيراد.

غير أن حرب الإبادة الجماعية على غزة، والرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية، والضغط الشعبي المتنامي دفعت نحو الانتقال من "التمييز" إلى "المنع"، وهو ما قاومته حكومات أوروبية مؤيدة لإسرائيل، جزئيًا خشية أن يؤسس الحظر لمبدأ أوسع يسمح باستهداف الشركات والبنوك والاستثمارات المرتبطة بالاحتلال.

ومع تعثر الحظر على مستوى الاتحاد، بسبب معارضة المفوضية الأوروبية ودول مثل ألمانيا والتشيك وإيطاليا، بدأت دول أوروبية منفردة اتخاذ خطوات في هذا الاتجاه. وفي سبتمبر/أيلول، أعلنت كندا والدنمارك وفنلندا وفرنسا وأيسلندا وأيرلندا والنرويج وبولندا والبرتغال وإسبانيا والسويد والمملكة المتحدة اعتزامها فرض قيود وطنية أو دعم قيود أوروبية على تجارة السلع مع المستوطنات، أو النظر جديًا في اتخاذها.

وأشار دبلوماسيون وخبراء أوروبيون تحدثت المنصة معهم إلى ثلاثة عوامل رئيسية وراء التحول؛ الحراك الشعبي، والمخاوف من تأثير التوسع الاستيطاني على حل الدولتين واستقرار المنطقة، والانتخابات الإسرائيلية المقبلة.

وقال مدير مشروع الشرق الأوسط الأوروبي مارتن كونيتشني، لـ المنصة، "إن العامل الأبرز وراء القرارات الأوروبية هو الغضب الشعبي من الدمار الواسع في غزة ومقتل آلاف الأطفال، وما أحدثه ذلك من صدمة في الرأي العام الأوروبي".

وسبق هذا التحول حراك مدني استمر سنوات؛ ففي فبراير/شباط 2022 أطلقت أكثر من مئة منظمة أوروبية ودولية مبادرة "مواطنين أوروبيين" للمطالبة بوقف التجارة مع المستوطنات غير القانونية في الأراضي المحتلة. وازداد هذا الضغط بعد بدء حرب الإبادة الجماعية على غزة حتى أصبحت فلسطين قضية سياسية داخلية في عدد من الدول الأوروبية ولها أثرها على نتائج الانتخابات.

وتزامن ذلك مع تسارع الاستيطان وعنف المستوطنين، وهي عوامل ربط بها البيان الأوروبي الأخير صراحةً التحرك نحو القيود التجارية، مشيرًا خصوصًا إلى مشروع مستوطنة E1 الضخم الذي يُخشى من خطره على إمكانية قيام دولة فلسطينية. 

وتشكل الانتخابات الإسرائيلية عاملًا آخر في الحسابات الأوروبية. وبحسب الزميلة الأولى في برنامج الشرق الأوسط بمؤسسة كارنيغي للسلام الدولي زها حسن، في تعليقها لـ المنصة، فإن "أحد الأسباب الرئيسية وراء هذه القرارات هو إدراك الحكومات الأوروبية أن استمرار نتنياهو وحكومته على النهج نفسه بات يمثل مشكلة". 

وترى زها أن هذه الخطوات تمثل في جزء منها محاولة للتأثير في النقاش العام الإسرائيلي قبيل الانتخابات، ورسالة إلى الإسرائيليين للتفكير فيما إذا كانوا يريدون أن يكون مستقبل بلادهم هو التحول إلى دولة منبوذة دوليًا، وبذلك "تدخلت [بعض الدول الأوروبية] بوضوح للتأثير في مسار الأمور قبيل الانتخابات".

لكن الحسابات الانتخابية نفسها تعمل أحيانًا في الاتجاه المعاكس؛ فبحسب كونيتشني، تخشى بعض الحكومات الأوروبية الرافضة لاتخاذ إجراءات ضد إسرائيل أن تساعد الضغوط الخارجية نتنياهو انتخابيًا.

العرب من المقاطعة إلى التحالف

بدأت جامعة الدول العربية منذ 1945 مقاطعة رسمية للاقتصاد اليهودي في فلسطين، واستمرت بعد قيام إسرائيل، قبل أن تتطور إلى مقاطعة التعامل المباشر معها، والشركات الأجنبية المتعاملة معها، ومن يتعامل مع تلك الشركات.

لكن الإجماع تآكل تدريجيًا مع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979، ثم بعد أوسلو واتفاقية وادي عربة، وتخلي دول مجلس التعاون الخليجي عام 1994 عن المستويين الثاني والثالث من المقاطعة.

رغم ذلك ظل الاستيطان قادرًا على إعادة المقاطعة إلى النقاش العربي. ففي 1997، ومع أزمة بناء مستوطنة هار حوما في جبل أبو غنيم، أوصى وزراء الخارجية العرب بإعادة تنشيط المقاطعة ووقف التطبيع، وفي الفترة نفسها بدأت مصر تطبيق حظر جمركي على دخول منتجات المستوطنات، وهو الحظر الذي أكدت عليه عدة مرات على مدار السنوات التالية.

لاحقًا، حظرت فلسطين منتجات المستوطنات عام 2010، ثم أصدر الأردن في 2011 تعليمات بمنع دخول منتجات أكثر من 220 شركة ومصنعًا تعمل كليًا أو جزئيًا في المستوطنات.

لكنَّ الاتفاقات الإبراهيمية وجّهت عام 2020 ضربة للمقاطعة، بعدما طبعت الإمارات والبحرين ومعهما المغرب علاقاتها مع إسرائيل، وأصبحت الدول الثلاث من أقرب حلفاء الاحتلال في المنطقة. وبحلول 2024، بلغت تجارة إسرائيل مع مصر والأردن والإمارات والمغرب والبحرين والسودان نحو 4.5 مليارات دولار، بعدما كانت 1.9 مليار دولار في 2021.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2024، دعت القمة العربية الإسلامية غير العادية في الرياض إلى مقاطعة منتجات المستوطنات والشركات العاملة فيها والواردة في قاعدة بيانات مجلس حقوق الإنسان، وتشكيل "قوائم عار" بهذه الشركات، لكن القرار لم يتحول حتى اللحظة إلى آلية عربية موحدة للتنفيذ.

إنفوجراف من إعداد المنصة عن تنامي العلاقات الاقتصادية بين الدول العربية وإسرائيل خلال سنة الإبادة الأولى. 7 أكتوبر 2024

أين الدول العربية اليوم؟

من بين الدول والأطراف العربية التي تقيم علاقات رسمية مع إسرائيل، رحبت مصر والأردن والسلطة الفلسطينية والإمارات بالتحركات الأوروبية الأخيرة، وصمت المغرب والبحرين. 

وبينما تقيّد مصر والأردن والسلطة الفلسطينية استيراد منتجات المستوطنات؛ لا يطبق المغرب والبحرين حظرًا وطنيًا مماثلًا واضحًا. وفي ديسمبر/كانون الأول 2020، تراجعت البحرين عن إعلان وزير تجارتها أن بلاده لن تميز بين المنتجات الإسرائيلية ومنتجات المستوطنات، مؤكدة أنها لن تسمح باستيراد منتجات المستوطنات، لكن لم يصدر نص قانوني أو قرار تنفيذي يترجم هذا التصريح الصحفي إلى حظر ملزم على الاستيراد.

وفي الإمارات، وثقت تقارير تصدير منتجات من المستوطنات إلى سوقها بعد اتفاق التطبيع. 

وبحسب دبلوماسي عربي مطلع بصورة مباشرة على ملف العلاقات مع إسرائيل، تحدث لـ المنصة طالبًا عدم الكشف عن اسمه كونه غير مصرح له بالحديث لوسائل الإعلام، فإن "الدول العربية، خصوصًا فلسطين ومصر والأردن، تواجه موقفًا معقدًا. فمن ناحية، هي غير قادرة على اتخاذ إجراءات جادة ضد إسرائيل، خشية الإضرار بعلاقاتها بها أو بالولايات المتحدة. ومن ناحية أخرى، فإن اتخاذ دول أوروبية إجراءات ضد المستوطنات الإسرائيلية يضع القادة العرب في موقف محرج داخليًا. وبالتالي، تهدف البيانات العربية، جزئيًا، إلى امتصاص الغضب الشعبي إزاء محدودية الإجراءات العربية".

ويظهر هذا التردد أيضًا لدى السلطة الفلسطينية. إذ يرى مستشار قانوني سبق أن عمل في دعاوى أمام محاكم الاتحاد الأوروبي، تحدث لـ المنصة طالبًا عدم ذكر اسمه بسبب التزامات مهنية بالسرية، أن رأي محكمة العدل فتح من حيث المبدأ الباب أمام دولة فلسطين للتقاضي ضد الاتحاد الأوروبي بشأن تجارة تسهم اقتصاديًا في إبقاء المستوطنات.

لكنَّ مصدرًا دبلوماسيًا فلسطينيًا معنيًا بالعلاقات الفلسطينية الأوروبية، تحدث لـ المنصة طالبًا عدم ذكر اسمه لأنه غير مخوَّل بالحديث علنًا عن هذه النقاشات، قال إن السلطة تتردد في خطوات كهذه "خوفًا من ردود الفعل الإسرائيلية والأمريكية، أو حتى الأوروبية، خصوصًا في ظل أزمتها المالية". وبحسب زها حسن، فإن "السلطة الفلسطينية في أضعف حالاتها الآن، وبالتالي فكرة اتخاذها أي إجراءات قانونية صعبة جدًا".

ومع محدودية الإجراءات العربية على الأرض، تقول مصادر دبلوماسية تحدثت لـ المنصة إن تحركًا يجري بالفعل في أوروبا، عبر البيانات العلنية وإثارة ملف الاستيطان في الاجتماعات الثنائية والجماعية. لكن مستشار كتلة "تجديد أوروبا" السابق في البرلمان الأوروبي شمس الغنيمي قال لـ المنصة إنه لم ير خلال فترة عمله جهودًا عربية تُذكر في هذا الاتجاه داخل البرلمان.

ويربط الدبلوماسي العربي محدودية هذا التحرك بقناعة لدى حكومات عربية بأن "99% من أوراق اللعبة في يد أمريكا"، وأن قدرة أوروبا على الضغط على إسرائيل تظل، في نظرها، محدودة مقارنة بواشنطن.

أما بالنسبة لدول الاتفاقيات الإبراهيمية، فإنها تعارض وفق الدبلوماسي العربي أي إجراءات جادة ضد المستوطنات "دول مثل الإمارات والمغرب ترى أن حظر التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية يشكل إشكالية، أولًا بسبب السابقة التي قد تتكرر في ملفات تهمها، مثل الصحراء الغربية، وثانيًا لأن مثل هذا القرار سيشكل ضربة قوية لإسرائيل".

وهنا تتضح مفارقة الموقف العربي؛ فالترحيب بالحظر الذي تفرضه دول أخرى أقل كلفة من فرض حظر مثله.

وربط مصدر دبلوماسي عربي مقيم في الخليج، طالبًا عدم ذكر اسمه لعدم تخويله بالحديث علنًا، الموقف الإماراتي أيضًا بمحاولة إرسال رسالة إلى إسرائيل قبيل الانتخابات، قائلاً لـ المنصة إن "القيادة الإماراتية لم تنسَ إحراج نتنياهو لها. وعلى الإسرائيليين أن يفهموا أن بقاءه في السلطة سيكون مكلفًا".

وأشار المصدر إلى التسريب الذي نشرته هآرتس في سبتمبر، عن تحذيرات إماراتية لنتنياهو قبل هجوم السابع من أكتوبر وما تبعه من اتهام نتنياهو المعارضة بالتآمر ضده مع الإمارات.

سابقة أكبر من حجم التجارة

رغم محدودية تجارة المستوطنات قياسًا بالاقتصاد الإسرائيلي، فإن أهمية الحظر تتجاوز حجم السلع نفسها، بسبب اندماج اقتصاد المستوطنات في الاقتصاد الإسرائيلي وما يمكن أن تؤسسه القيود من سوابق قانونية أوسع.

ولتمييز منتجات المستوطنات عن بقية الصادرات الإسرائيلية، تعتمد دول مثل مصر والأردن آليةً تعتمد على قوائم بالشركات التي تنتج في المستوطنات، وتعليمات للجمارك بمنع دخول منتجاتها.

أما الاتحاد الأوروبي، فيعتمد منذ 2005 على مكان الإنتاج؛ إذ تشترط القواعد الجمركية أن تتضمن وثائق إثبات المنشأ اسم المدينة أو القرية أو المنطقة الصناعية والرمز البريدي للمكان الذي اكتسبت فيه السلعة منشأها، وتقارن سلطات الجمارك هذه البيانات بقائمة للمواقع الواقعة في الأراضي المحتلة منذ 1967. وإذا كان موقع الإنتاج في إحدى المستوطنات، لا تحصل السلعة على المعاملة الجمركية التفضيلية الممنوحة للمنتجات الإسرائيلية.

لكن هذه الآلية لا تمنع التحايل بالكامل. فقد وثق تقرير "جلوبال إيكو" الصادر في 2026 استخدام عناوين داخل إسرائيل بدلًا من مواقع الإنتاج الحقيقية، وخلط منتجات المستوطنات بمنتجات من داخل إسرائيل في مراكز التعبئة، فضلًا عن حالات تُذكر فيها المستوطنة في الوثائق مع وصف موقعها في الوقت نفسه بأنه داخل إسرائيل.

وتعقّد هذه المشكلة أيضًا تقدير حجم تجارة المستوطنات. فقد قدّرت "جلوبال إيكو" متوسط واردات الاتحاد الأوروبي من منتجات المستوطنات بين 2021 و2025 بنحو 345.5 مليون يورو سنويًا. لكن الرقم ليس إحصاءً جمركيًا مباشرًا؛ إذ استندت المنظمة إلى تقدير سابق بأن منتجات المستوطنات تمثل نحو 2.23% من الصادرات الإسرائيلية إلى أوروبا، وطبقت هذه النسبة على متوسط واردات الاتحاد الأوروبي من إسرائيل خلال الفترة نفسها، البالغ نحو 15.5 مليار يورو سنويًا.

فيما قَدَّر تقرير لمنظمة إيسكوا متوسط واردات الاتحاد الأوروبي من منتجات المستوطنات بـ 5.4 مليارات دولار في 2008، وقد استخدمت المنظمة تعريفًا أوسع يشمل السلع التي أُنتج جزء منها في المستوطنات قبل استكمال مراحل إنتاج أخرى داخل إسرائيل. 

وعلى نطاق أوسع من التجارة الخارجية، قدّر تقرير حديث لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية "أونكتاد" النشاط الاقتصادي الإسرائيلي في مستوطنات الضفة الغربية والقدس الشرقية بنحو 53 مليار دولار في 2024. لكن هذا الرقم بدوره ليس قياسًا مباشرًا للإنتاج داخل المستوطنات؛ إذ قدّر التقرير الناتج الاقتصادي لهذه المناطق بالاستناد إلى حصة المستوطنين من السكان، التي بلغت نحو 12.6% من الإجمالي المستخدم في حسابه، ثم طبق النسبة على الناتج الإسرائيلي. ومن ثم يوفر الرقم تقديرًا تقريبيًا لحجم النشاط الاقتصادي المرتبط بالمستوطنات، لا حسابًا مستقلًا لما تنتجه فعليًا.

ويعكس صعوبة القياس نفسها مدى اندماج اقتصاد المستوطنات في الاقتصاد الإسرائيلي. وظهر ذلك في مقابلة أجراها رئيس تحرير "جيروزاليم بوست" تسفيكا كلاين مع السياسي الديمقراطي الأمريكي رام إيمانويل في يوليو/تموز 2026؛ إذ امتد مقترح إيمانويل بفرض عقوبات على الجهات التي تمول بناء المستوطنات إلى البنوك الإسرائيلية، بعدما أشار كلاين إلى أن استهدافها سيطال عمليًا النظام المالي الإسرائيلي الأوسع.

وقد يفتح الحظر أيضًا الباب أمام ملاحقة من يخالف القواعد الجديدة داخل الدول التي تجرّم التجارة مع المستوطنات. ويتضح ذلك مثلًا في القانون الهولندي، الذي يجرّم استيراد وشراء وبيع بضائع المستوطنات الإسرائيلية.

وطبقاً لزها حسن، فتوجه المملكة المتحدة قد يكون "أكثر خطورة لأنه لا يقتصر على حظر واردات المستوطنات، بل يمتد إلى الشركات والبنوك التي تقدم لها خدمات. وإذا طُبّقت بجدية، فقد تخلق مشكلة حقيقية أمام تمويل التوسع الاستيطاني". وحتى مع قدرة إسرائيل على التحايل أحيانًا على قواعد حظر منتجات المستوطنات، تظل العقوبات التي تصل إليها قادرة على إيذائها من الناحية السياسية قبل الاقتصادية.

كما أثارت الخطوة البريطانية نقاشًا في الولايات المتحدة حول إمكان انتقال السابقة إلى واشنطن مستقبلًا. ورحب عدد من النواب الديمقراطيين بالإجراء، فيما حذر الرئيس التنفيذي لمؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات مارك دوبويتز، وهي مؤسسة مؤيدة لإسرائيل، من سيناريو قد تتبنى فيه إدارة أمريكية مستقبلية عقوبات على الشركات المرتبطة بالمستوطنات.

بهذا المعنى، لا تكمن المخاوف في حجم تجارة المستوطنات وحدها، بل في إمكانية تحول الحظر الأوروبي إلى قاعدة تتوسع جغرافيًا وقطاعيًا، من السلع إلى الخدمات والتمويل تشمل كامل الاقتصاد الإسرائيلي.

وبالتالي، وفي حالة كانت الدول العربية جادة في اتخاذ إجراءات فعالة ضد اقتصاد المستوطنات، فقد تكون الأداة العربية الأكثر فعالية هي تطبيق الدول العربية نفسها للموقف الذي رحبت به.

فعلى عكس سياسة المقاطعة العربية الشاملة القديمة، التي رفضتها الدول الداعمة لإسرائيل ولم تنل قبولًا واسعًا في الغرب، تجد العقوبات على المستوطنات سندًا في حراك شعبي أوروبي متنامٍ، وفي رأي محكمة العدل الدولية، وفي مواقف حكومات أوروبية عدة أعلنت اعتزامها تقييد تجارة المستوطنات.

ويمكن للدول العربية بناء سياسة مشتركة تستهدف اقتصاد المستوطنات، تبدأ بحظر موحد لاستيراد سلعها، وتمتد إلى فرض قيود على التعامل مع الشركات والبنوك المرتبطة بها، ثم مطالبة الأوروبيين والولايات المتحدة بتطبيق المبدأ نفسه، في محاولة للحفاظ على إمكانية تطبيق حل الدولتين والحد من توسع اليمين الاستيطاني الإسرائيلي وسياساته المهددة لاستقرار المنطقة.

وقال المصدر الدبلوماسي العربي لـ المنصة إنه "مع تراجع الدور المصري التقليدي، وفي ظل الضغوط الاقتصادية التي تواجهها القاهرة، تملك المملكة العربية السعودية، خصوصًا أنها لا تزال في طور صياغة شروط أي اعتراف محتمل بإسرائيل، مفتاح أي تحرك عربي أو إسلامي تجاه المستوطنات الإسرائيلية".

لن ينهي حظر تجارة المستوطنات الاحتلال، ولن يقود وحده إلى عقوبات شاملة، لكنه قد يؤسس لسابقة تنقل جزءًا من كلفة استمرار الاستيطان من المجالين السياسي والدبلوماسي إلى المجال الاقتصادي.

وقد تكون أهميته، بهذا المعنى، في إنهاء مرحلة أمكن خلالها توسيع الاستيطان الإسرائيلي من دون كلفة اقتصادية ملموسة، وبدء مرحلة يصبح فيها استمرار المشروع الاستيطاني مرتبطًا أيضًا بكلفة على الشركات والمؤسسات والأفراد الذين يتعاملون معه.