تصميم أحمد بلال، المنصة، 2024
تزداد أعداد اللاجئين لمصر مع تفاقم الحروب في المنطقة

تعسف وقسر| كيف تحوّلت صلاحية "الإبعاد" إلى ترحيل قسري للاجئين؟

منشور الأربعاء 2 أيلول/سبتمبر 2026

"إحنا شنو جريمتنا؟"؛ يسألني شاب تعرَّض للترحيل من مصر إلى السودان بعد رحلة من المعاناة بين السجون المصرية. السؤال نفسه يتكرر من الأم التي تبلغنا باحتجاز ابنها الذي لا يتجاوزه عمره 15 عامًا، والأب الذي يبحث عن ابنه الذي لم يعد من الدرس وعلم لاحقًا بترحيله إلى السودان، والآلاف غيرهم ممن وثقت منظمات حقوقية وصحفيون ومحامون ترحيلهم عبر مسار متكرر.

 توقيف في الشوارع ووسائل النقل وأماكن السكن والعمل، أو على الطرق المؤدية إلى مقدمي خدمات للاجئين، ثم فحص لجواز السفر والإقامة، مع إهمال أو مصادرة وفي بعض الحالات تمزيق بطاقة المفوضية السامية لشؤون اللاجئين وموعد التسجيل؛ أو أيًا ما يثبت انتظار تجديد الإقامة، ثم تحرير محضر متعلق بالدخول أو الإقامة غير القانونية وعرض بعض المحتجزين على النيابة.

طوابير السودانيين أمام مقر مفوضية شؤون اللاجئين في مدينة السادس من أكتوبر، 19 مارس 2024

لكن إخلاء السبيل والإحالة إلى "الجهة الإدارية المختصة" لا يعنيان، في الحالات التي عملت عليها من أول العام، استعادة الشخص لحريته، فقد تبدأ عندها مرحلة احتجاز إداري ونقل بين أقسام الشرطة ومقار الاحتجاز، وصولًا إلى الإدارة العامة للجوازات والهجرة والجنسية، وهناك يتحول المحتجز من متهم في محضر إلى محل قرار إبعاد، ثم إلى مُبعد ينقل نحو الحدود دون الوصول الفعلي إلى محامٍ أو قاضٍ أو إجراءات لجوء.

يُفقِد هذا المسارُ الإبعادَ طبيعتَه بوصفه قرارًا فرديًّا واستثنائيًّا حين يتكرر على نطاق واسع ومنهجي، ويبنى على صيغ محاضر متشابهة ويستند على مؤشرات عامة لا تخص الشخص نفسه، بل وأحيانًا، كما أوضحنا في الجزء الأول من هذا المقال تكون السلطات هي من يصنع الأزمة بإجبار المهاجرين على سلوك طرق غير نظامية، بعدما تسلبهم الحق في توفير طرق دخول آمنة ووصول فعلي إلى إجراءات التسجيل واللجوء، ومن ثم تلقي القبض عليهم بادعاء المخالفة وترحلهم خارج البلاد. 

سلطة مقيدة بحدود القضاء ولكن

لا يُشرِّع الإبعاد الإداري لمجرد وجود مخالفة إدارية، بل يلزم أن يقوم على وقائع وأسباب تخص فردًا بعينه، وأن يراعى مركزه القانوني وخطر الإعادة في حالته الفردية، أما عندما تنتهي العملية إلى إعادة لاجئ أو طالب لجوء إلى بلد خطر دون هذا الفحص، فيصبح الإبعاد، في أثره القانوني والعملي، "ترحيلًا قسريًا".

يستند الإبعاد إلى القانون رقم 89 لسنة 1960 في شأن دخول وإقامة الأجانب والخروج منها، إذ تخوّل المادة 25 لوزير الداخلية إصدار قرار بالإبعاد، لكنها لا تنشئ سلطة تحكمية، وتقيّد المادة 26 إبعاد ذوي الإقامة الخاصة بأسباب محددة وبالعرض على لجنة الإبعاد وموافقتها، بينما تجيز المادة 27 حجز من تقرر إبعاده مؤقتًا حتى تنتهي الإجراءات.

بالمقابل لا تسوغ هذه النصوص احتجازًا بدون مدة محددة، أو حرمانًا من الاتصال بمحامٍ، أو التواصل مع مفوضية اللاجئين، أو الوصول لإجراءات اللجوء أو من تقديم أسباب تمنع الإعادة.

كما أن القضاء الإداري سبق قانون اللجوء في رسم حدود هذه السلطة، وقررت المحكمة الإدارية العليا في الطعنين رقمي 24 لسنة 8 قضائية، و452 لسنة 9 قضائية عليا، بجلسة 28 مارس/آذار 1964، على سبيل المثال، أن الإبعاد حق للدولة، لكنها قيدته بحسن استعمال السلطة وبقيام أسباب جدية يقتضيها الصالح العام وفي حدود القانون، كما يراقب القاضي الإداري الاختصاص والإجراءات وصحة السبب والغاية، ويلغي القرار المشوب بمخالفة القانون أو الانحراف بالسلطة.

وشددت المحكمة في طعن آخر حمل رقم 428 لسنة 48 قضائية عليا، بجلسة 21 أبريل/نيسان 2007، على أنه يجب استخلاص سبب الإبعاد استخلاصًا سائغًا من الأوراق، وعلى أن استعمال السلطة لغير سبب صحيح يمثل تعسفًا وإساءة لاستعمالها، وطبقت محكمة القضاء الإداري هذا المعيار في الدعوى رقم 46625 لسنة 64 قضائية، بجلسة 24 يناير 2012.

بناءً على هذه المبادئ، فإن "تعليمات الوزارة" أو غيرها من العبارات العامة والفضفاضة عن المصلحة العامة أو المحاضر الموحدة لا تمنح وزارة الداخلية الحق ولا المبرر لإصدار قرارٍ ينتهي بإخراج إنسان من البلد، بل وتمنعها من استبعاد الفحص الفردي والاعتماد على الحملات الأمنية لتوقيف اللاجئين والمهاجرين، وتحويل مخالفة الإقامة إلى قرينة نهائية على استحقاق الإبعاد.

باختصار؛ الإبعاد قرار فردي واستثنائي، لا عقوبة جماعية ولا وسيلة لإدارة اللجوء من خارج نظام الحماية.

خرق التزامات مصر وتهديد مكانتها

يتجاهل هذا المسار أيضًا الفارق القانوني بين الأجنبي العادي واللاجئ أو طالب اللجوء، فقد تنطبق قواعد الإقامة على الأخير في جوانب محددة، لكن ذلك لا يمحو مركزه الحمائي ولا يسقط واجب التحقق من خطر إعادته قبل تنفيذ أي إبعاد، وفق الدستور المصري الذي يكفل الحرية الشخصية في المادة 54، وينص في المادة 91 على حق الدولة في منح اللجوء للأجانب المحرومين من الحقوق والحريات العامة وعلى حظر تسليم اللاجئين السياسيين.

كما يمنح بموجب المادة 151 المعاهدات التي تصدق عليها مصر وتنشر وفقًا للأوضاع المقررة لها قوة القانون، ولكون مصر طرفًا في اتفاقية 1951 الخاصة بوضع اللاجئين وبروتوكول 1967، فإنها ملزمة بالمادة 33 التي تحظر طرد اللاجئ أو رده إلى حدود أقاليم تكون فيها حياته أو حريته مهددتين، وبالمادة 31 التي تحمي في ظروف محددة من العقاب بسبب الدخول أو الوجود غير المشروع.

لا تمنح تلك البنى القانونية بالتأكيد حصانةً من كل إجراء، لكنها تمنع وزارة الداخلية من استخدام مخالفة الدخول أو الإقامة بديلًا عن فحص طلب الحماية، أو طريقًا مختصرًا لإعادة شخص إلى الخطر.

رجوع قسري للاجئين

هذا الفهم هو ما أكد عليه القضاء الإداري قبل صدور قانون اللجوء. ففي الدعوى رقم 36123 لسنة 67 قضائية، بجلسة 25 يوليو/تموز 2020، ربطت محكمة القضاء الإداري قرار الإبعاد بالتزامات مصر باتفاقية 1951 والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وبوجوب تمكين المعني من عرض أسباب دفع الإبعاد ومراجعة القرار أمام جهة مختصة.

وفي الدعوى رقم 25621 لسنة 78 قضائية، بجلسة 18 يناير/كانون الثاني 2025، ألغت المحكمة قرار ترحيل لاجئة سودانية مسجلة لدى المفوضية، مميزةً بين وضع الأجنبي العادي والمركز الحمائي للاجئ، ومؤكدة على أن ترحيل لاجئ أو ملتمس لجوء سوداني مسجل لدى المفوضية في ظل الكارثة الإنسانية والانتهاكات التي تشهدها البلاد خرقٌ لالتزامات مصر الدولية وتهديدٌ لمكانتها التاريخية.

بشديد الوضوح، تقدم هذه السوابق تفسيرًا وطنيًا ناصعًا لالتزامات مصر الدولية: لا إبعاد بلا فحص للخطر، ولا حماية حقيقية بلا دفاع وطعن فعالين. وهو ما لا يظهر للأسف الشديد في قانون لجوء الأجانب رقم 164 لسنة 2024 أو لائحته التنفيذية، حيث لا يتوفر استيعاب صريح وكاف لهذه القواعد، بالأخص حماية طالب اللجوء قبل منح الصفة وأثناء التظلم والطعن.

طعن لا يمنع الترحيل.. ما الفائدة؟

صحيح أن المادة 13 من قانون اللجوء تحظر تسليم اللاجئ أو إعادته قسرًا إلى دولة جنسيته أو إقامته المعتادة، لكنها تربط الحماية الصريحة بمن مُنح صفة اللاجئ، أما طالب اللجوء في مرحلة التسجيل أو الفحص أو التظلم أو الطعن، فلا تحيط به ضمانة نصية واضحة بالقدر الكافي، رغم أنه الأكثر عرضةً للتوقيف والإبعاد.

كما لا يعالج القانون، بوضوح لازم، خطر الإعادة غير المباشرة إلى بلد ثالث، ولا ينص هو ولائحته صراحةً على الوقف التلقائي لتنفيذ الإبعاد طوال التظلم والطعن والتمثيل القانوني والمساعدة القانونية المجانية.

فماذا يفيد مجرد طعنٍ لا يمنع الترحيل أو يوقف الإجراءات حتى النظر فيه، وماذا يبقى للقضاء ليحميه بعد نقل الشخص إلى بلد الحرب أو الاضطهاد؟

تتحمل وزارة الداخلية مسؤولية مباشرة عن إدارة الإقامة والضبط والاحتجاز وتنفيذ الإبعاد

وفي الوقت الذي تنظم فيه اللائحة التنفيذية، الصادرة بقرار رئيس مجلس الوزراء رقم 1568 لسنة 2026، إحالةَ وزارة الداخلية لاتخاذ إجراءات الإبعاد في حالات رفض الطلب أو سحبه أو إسقاط الصفة أو انتهاء اللجوء، فإنها لا توفر بالمقابل حماية كافية لمن لم يُبت بعد في ادعائه بالحماية، أو لمن يقبض عليه قبل أن يصل أصلًا إلى اللجنة أو إلى إجراءات اللجوء، كما لا تجعل المساعدة القانونية حقًا أصيلًا متاحًا في كل المراحل، ولا تكفل بما يكفي حضور المحامي أو الاطلاع على الملف قبل قرار يمس الحرية والحياة.

أيضًا لا يجوز أن تتحول صعوبات التنسيق بين المفوضية أو اللجنة والجهات الإدارية إلى عبء يقع على طالب الحماية أو ذريعةً لإبعاده، فإذا كانت إجراءات التسجيل أو الإقامة متعذرةً أو متأخرةً، وجب أن يقود ذلك إلى مزيد من الحذر، لا إلى تسريع الإبعاد.

وإذا كانت وثيقة المفوضية أو موعد التسجيل متاحين، يتم فحصهما، لا تجاهلهما، وحين يعلن شخص خوفه من الإعادة، يجب وقف مسار الترحيل إلى أن يُفحص ادعاؤه فحصًا جديًّا، حتى لو لم يكن مسجلًا بعد؛ على وزارة الداخلية تحمل مسؤوليتها المباشرة عن إدارة الإقامة والضبط والاحتجاز وتنفيذ الإبعاد، والتحقق من الوثائق والإخطارات المتاحة قبل اتخاذ أي إجراء.

وتتعمق فجوة الحماية مع منع اللاجئين وطالبي اللجوء من توكيل محامين، وفق ما أوضح بيان للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية في بيان لها وهو مات قد يحول دون حصول الشخص على حقوقه القانونية الأولية، واتخاذ الإجراءات القانونية.

التحريض يهيئ للإقصاء

لا تجري الحملة الأمنية ضد اللاجئين في فراغ سياسي واجتماعي، إنما تتزامن مع موجات رقمية وإعلامية من خطاب الكراهية والتحريض ضد اللاجئين وطالبي اللجوء، ولا سيما السودانيين والسوريين، وضد من يقدمون لهم الدعم.

تتبنى هذه الخطابات روايات مضللة تربط اللاجئين بالجريمة أو بالأزمة الاقتصادية أو الضغط على الخدمات، وتدفع إلى الإبلاغ عنهم أو طردهم على أساس الجنسية أو لون البشرة أو معلومات مغلوطة عن مراكزهم القانونية.

وسواء كان توثيق هذا التزامن يثبت، في ذاته، وجود علاقة تشغيلية بين كل حساب أو حملة وبين مؤسسات الدولة، أو العكس، فإنه يكشف بيئةً سياسيةً خطِرةً تُصوَّر فيها الحماية بوصفها عبئًا ويُقدَّم الإقصاء بوصفه حلًا.

إما أن يكون النظام القانوني درعًا حقيقيًا لهذا الإنسان وإما أن يبقى خلفية شكلية لقرارات أمنية جماعية

ليس خطاب الكراهية مجرد رأي قاسٍ فحسب، إنما هو يهيئ قبولًا اجتماعيًّا للتوقيف والاحتجاز والترحيل، ويجعل الضحايا أكثر خوفًا من طلب المساعدة أو الإبلاغ عن الانتهاكات.

هنا تتضاعف مسؤولية وزارة الداخلية؛ ألا تتعامل مع التحريض أو البلاغات القائمة على الجنسية والعرق بوصفها سببًا مشروعًا للاشتباه، وأن تمنع استغلالها في عمليات استهداف مجتمعات بعينها، وأن تثبت بالفعل، لا بالتصريح، أن الحق في الحماية لا ينهار أمام حملة رقمية أو غضب شعبوي، فالاختبار الحقيقي لأي نظام قانوني لا يكمن في قائمة النصوص التي يعلنها فقط، بل في قدرته العملية على كبح تعسف السلطة التنفيذية وحماية الفئات الأشد هشاشة عند لحظات الخطر.

تلك اللحظة هي وقوف اللاجئ أو اللاجئة أمام ضابط يحتجزه، أو أمام قرار إبعاد، أو عند نقطة حدودية يُقرر فيها إن كان هذا الإنسان سيمنح فرصة للحماية أم يدفع قسرًا إلى الحرب أو السجن أو التعذيب.

إما أن يكون النظام القانوني درعًا حقيقيًا لهذا الإنسان، وإما أن يبقى خلفية شكلية لقرارات أمنية جماعية؛ وهو خيار لم يعد ممكنًا دون ثمن قانوني وسياسي وإنساني، لا على اللاجئين وحدهم فحسب، بل على سمعة مصر القانونية وموقعها في النظام الدولي، إذ تنقلب صورتها من بلد يفاخر بدوره التاريخي في صياغة الاتفاقيات الدولية والإقليمية الخاصة بحماية اللاجئين إلى بلد تُوثق فيه حالات وفاة لاجئين في أماكن الاحتجاز خلال طلبهم الحماية.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.