البيت الأبيض، فليكر
لقاء جمع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس فيفا جياني إنفانتينو، 17 نوفمبر 2025

إنفانتينو على خطى ترامب

تسليع المنافع العامة والمآسي الإنسانية من كرة القدم إلى غزة

منشور الاثنين 17 آب/أغسطس 2026

أثار اقتراح جياني إنفانتينو رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم/فيفا بإنشاء مؤسسة لإدارة الحقوق التجارية لأنشطة كأس العالم لكرة القدم، وكأس العالم للأندية، وغيرهما من مسابقات الاتحاد، مع بيع حِصَّةٍ منها إلى شركة أمريكية، ردودَ فعلٍ عنيفةً على مستوى اتحادات اللعبة الشعبية الأولى عالميًا.

يعكس مضمون الاقتراح وخلفياته، وطريقة طرحه، توحش الرأسمالية السياسية الأمريكية المرتبطة شخصيًا بالرئيس دونالد ترامب وأسلوب حكمه، لحصد أكبر قدرٍ من المكاسب في عهده وقبل انتهاء ولايته التي لن تتكرر.

اقتراح إنفانتينو

جياني إنفانتينو يحمل كأس العالم في لقاء مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، 22 أغسطس 2025

رغم التشكيك في نجاح النسخة الأخيرة من كأس العالم قبل انعقادها، بسبب عدم انتشار اللعبة في أمريكا وكندا، فقد حَقَّقَتْ أرباحًا خيالية تفوق النسخ السابقة، لأسباب عدة منها اتباع منهج التسعير المتفاوت حسب الطلب.

لكنَّ هذه الأرباح أيضًا تحققت بأساليب مشبوهة، أهمُّها التعتيم على أسلوب توزيع التذاكر، والسماح بإعادة البيع والمضاربة، ومشاركة الاتحاد الدولي لكرة القدم في المضاربة بإعادة بيع التذاكر بنفسه؛ حتى تضاعفتها بنسب تتراوح بين ثلاث وعشر مرات مقارنةً بالنسخ السابقة.

انتهى الأمر إلى تحقيق أرباح تقترب من 15 مليار دولار. وقد دافع رئيس فيفا عن ذلك بأنه نجح في استغلال مناخ التعامل مع الأحداث الرياضية في الولايات المتحدة الذي يختلف عن أي مكان آخر.

من هنا جاء اقتراح إنفانتينو إنشاء المؤسسة الجديدة، وبيع خُمْسِ أسْهُمِها لشركة استثمار أمريكية يديرها جوشوا كوشنر، الأخ الأصغر لجاريد كوشنر صهر الرئيس ترامب، والابن الأصغر لصديقه، وشريكه وسفيره في فرنسا تشارلز كوشنر، الذي سبق أن قضى في السجن بضعة أشهر لتهم تتعلق بالتهرب من الضرائب والنصب والاحتيال، ثم تلقى عفوًا رئاسيًا من الرئيس ترامب خلال ولايته الأولى لغسل سمعته.(*)

لم يتضمن الاقتراح تبرير الحاجة للبيع، رغم أن فيفا مؤسسة غنية حققت للتو مليارات الدولارات من البطولة الأخيرة. ولم يتضَمَّن تبريرًا لاختيار مؤسسة كوشنر دون غيرها، ودون مناقصة شفَّافة للمفاضلة بين العروض المُقَدَّمة إذا ثبتت الحاجةُ للبيعِ، وتَوَفَّرَت الموافقاتُ اللازمة.

مثلُه مثل غيره من الرؤساء -رؤساء المؤسسات، ورؤساء الدول أو الحكومات- لم يستسلم إنفانتينو لمطالب عزله

ومما زاد الأمر سوءًا أن رئيس فيفا سَرَّبَ الفكرة للإعلام؛ ثم أمهل الاتحادات القارية والوطنية أقل من شهرين للموافقة عليها خلال اجتماع ينعقد في 19 سبتمبر/أيلول المقبل. ووعد كلَّ اتحاد وطني يقبل الفكرة بمبالغ تصل إلى 40 مليون دولار خلال الأعوام الأربعة المقبلة، كأنه يقدم لها رشوة للموافقة.

الاضطرار للتراجع

رفض الاتحاد الأوروبي لكرة القدم الصفقة لعدم إجراء مشاورات مسبقة بشأنها، ولأنه غير مقتنع بوجود مبرر منطقي لها، ولشبهة الفساد. والأهم من ذلك، لرفض فكرة بيع لعبة كرة القدم لشركات خاصة. وهدّد بمقاطعة أنشطة فيفا إن لم يتم سحبُها.

كما رفض اتحاد أمريكا الشمالية والكاريبي الاقتراح لنفس الأسباب. وكذلك الاتحاد الآسيوي الذي احتج بصفة خاصةٍ على عدم التشاور المُسْبَق. هذا، بينما دعا الاتحاد الإفريقي لدراسة الخطة تمهيدًا لاجتماع 19 سبتمبر.

احتجاجًا على الاقتراح استقال كارلوس كورديرو كبير مستشاري رئيس فيفا، وهو رجل أعمال أمريكي ومستثمر في مجال البنوك، شغل من قبل رئاسة الاتحاد الأمريكي لكرة القدم. تَبَرَّأَ من الاقتراح، وأكد أنه ليس في صالح الاتحاد الدولي لكرة القدم، ولا في صالح اللعبة، حتى من الناحية التجارية.

كما أصدر كيفين لامور كبير موظفي فيفا بيانًا ينتقد فيه الاقتراح، ويتهم إنفانتينو بخداع إدارة فيفا بشأنه. وتعددت انتقادات نواب رئيس فيفا وأعضاء مجلس الاتحاد الدولي، ورابطة اللاعبين المحترفين للاقتراح، استنادًا إلى معايير أخلاقية تتعلق برفض نقل ملكية اللعبة لشركات خاصة.

دفعت ردود الفعل السلبية رئيس فيفا في البداية لإصدار بيان مقتضب باسم الاتحاد الدولي ينفي فيه فكرة بيع اللعبة، ويزعم أن اقتراحه يهدف إلى تعزيز الاتحادات الوطنية ودعم كرة القدم على مستوى العالم، ويصر على عقد اجتماع سبتمبر للبت في المقترح؛ قبل أن يضطرَّ في أول أغسطس/آب إلى التراجُع وإعلان تَخَلِّيه عن الاقتراح نتيجة "الانقسامات التي تَسَبَّبَ فيها".

الغريزة الرأسمالية المتوحشة لا تتورع عن التدخل لتسليع أي شيء والتربح منه بما في ذلك المتع شبه المجانية والمنافع العامة

رغم تراجع رئيس فيفا عن اقتراحه على مضض، لم تهدأ عاصفة ردود الفعل على مستوى اتحادي أوروبا، وأمريكا الشمالية والكاريبي، اللذيْن أصبحا يطالبان بطرح الثقة في إنفانتينو. وأعد الاتحاد الأوروبي خطة باسم "قتل الوحش" لعزل إنفانتينو فورًا أو على الأقل منعه من الفوز بفترة رئاسة رابعة.

بدأت اتحادات وطنية عدة سحب مسانداتها السابقة لترشيحه لمدة إضافية في مارس/آذار المقبل، بعد أن كان المرشح الوحيد بلا منازع. وبدأت تُطرح أسماء مُنافِسة للترشح ضده بما فيها رؤساء اتحادات أمريكا الشمالية والكاريبي، وآسيا؛ وكذلك ناصر الخليفي رجل الأعمال القطري مالك نادي باريس سان جيرمان، لعلاقاته القوية بالمنطقتين الآسيوية والأوروبية، وإن نفى اهتمامه بالمنصب.

التمسك بالكرسي

مثلُه مثل غيره من الرؤساء -رؤساء المؤسسات، ورؤساء الدول أو الحكومات- لم يستسلم إنفانتينو لمطالب عزله. فحاول مقابلة وزير الخارجية الأمريكي لطلب المساندة. لكن الخارجية الأمريكية نفت حدوث المقابلة، وبعد أيام كتب ترامب على تروث سوشيال أن الإطاحة بإنفانتينو خطأ كارثي.

ودعا إنفانتينو إلى اجتماع تشاوري لجميع أعضاء الاتحاد الدولي يوم 6 أغسطس في المغرب، أحد أقرب حلفائه، لبحث الأزمة والإعلان عن تمسكه بالمنصب، واعتزامه الترشح لولاية إضافية في مارس 2027.

رحبت الاتحادات القارية الأخرى بسحب الاقتراح، فيما بادر اتحادا الأرجنتين وباراجواي بمساندة إنفانتينو. واتخذ اتحاد أمريكا الجنوبية موقفًا وسطًا تمثل في انتقاد الاقتراح؛ مع رفض مسألة طرح الثقة، والتمسك باستكمال إنفانتينو لمدته على الأقل.

هاني أبو ريدة رئيس الاتحاد المصري لكرة القدم وعضو مجلس إدارة الاتحاد الإفريقي، برفقة جياني إنفانتينو رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا"، الصورة منشورة على صفحة الاتحاد المصري بتاريخ 13 أغسطس 2026

ورغم التوتر بين اتحادي مصر والأرجنتين إثر أزمة مباراة البلدين في كأس العالم؛ اتخذ هاني أبو ريدة رئيس الاتحاد المصري لكرة القدم، منذ الأول من أغسطس الجاري، موقفًا مطابقًا لموقف الأرجنتين. كما نَسَّق مع فوزي لقجع رئيس الاتحاد المغربي للترحيب بسحب الاقتراح وتجديد الثقة في إنفانتينو باعتباره قائدًا يستجيب لآراء الاتحادات الأعضاء. وعبرا عن مساندة مصر والمغرب لترشحه لفترة جديدة؛ مما ساهم في دفع الاتحاد الإفريقي لاتخاذ موقف مشابه، وردع أي معارضة لرئيس فيفا.

رغم أن معظم أعضاء الاتحاد الآسيوي اكتفوا بمعارضة الاقتراح ثم الترحيب بسحبه ومساندة إنفانتينو؛ لم يتمكن من اتخاذ موقف موحد بسبب إصرار الأمير علي بن الحسين رئيس الاتحاد الأردني على سحب تأييد بلاده السابق لإعادة ترشيح إنفانتينو، واتهمه بابتزاز الاتحادات الوطنية من أجل تأييده.

صحوة رأسمالية قبل أفول مرتقب

نشرت جريدة نيويورك تايمز مؤخرًا تقريرًا يوضح كيف أن الرئيس ترامب أصبح أول رئيس أمريكي يَتَرَبَّحُ من المنصبِ دونَ حرج. وقد تَتَبَّعَ التقريرُ زيادةَ ثروته بأكثر من ملياري دولار نتيجة أنشطة تثيرُ شبهةَ تضارب المصالح، وإن لم يجرؤ الكونجرس على التحقيق فيها بسبب احتفاظ الحزب الجمهوري بالأغلبية في مجلسي الشيوخ والنواب حتى الآن.

يشيرُ تتبعُ تحركاتِ إنفانتينو منذ استلام الرئيس ترامب السلطة في ولايته الثانية، إلى نمطٍ مطردٍ من السلوك يهدفُ للتقرُّبِ من ترامب، والحصولِ على رِضاه، من خلال الحضور الدائم حوله؛ حتى أنه ابتدع جائزةً للسلام منحها إياه بعد فشل حملته للحصول على جائزة نوبل، في سابقةٍ أثارت الاستغراب. وقد أثمر ذلك عن وصول إنفانتينو لأذن وقلب ترامب فظهر بجانبه في مناسباتٍ عِدَّةٍ لا علاقة لها بكرة القدم، بما فيها مقابلات مع رؤساء دول، واجتماعات مجلس السلام، وقمة شرم الشيخ بشأن خطة سلام غزة. بل إن ترامب اقترح مؤخرًا ترشيحَه لمنصب أمين عام الأمم المتحدة.

كل ذلك يوحي بأن مصالح ترامب تختلط بالصفقة، حتى وإن لم يتحدث بشأنها مع إنفانتينو كما يدَّعي، خصوصًا وأنها موكلة إلى أخي صهره. وقد دفع ذلك قراء مجلة The Athletic الأمريكية للتعليق بانتقاد ترامب واتهامه بتسميم كرة القدم لتحقيق مصالح شخصية، مثلما يُسَمِّمُ كُلَّ شيءٍ يَمَسُّه.

يتضح مما سبق كيف أن الغريزة الرأسمالية المتوحشة لا تتورع عن التدخل لتسليع أي شيء والتربح منه، بما في ذلك المتع شبه المجانية، والمنافع العامة/public goods، مثل مشروع فيفا هذا، ومحاولة إنشاء منتجع سياحي بواسطة صهر ترامب في محمية طبيعية تابعة لألبانيا في البحر المتوسط، ومحاولات الرئيس ترامب الاستحواذ على جرينلاند لأسباب اقتصادية، وسياسات محاباة الشركات الكبرى ومنحها مزايا ضريبية في مختلف المجالات من الأدوية، والذكاء الصناعي، والتنقيب عن المعادن والنفط والغاز.

ولا يقتصر الأمرُ على المتع المجانية، أو ما يقع ضمن المجال العام؛ لكنه يمتد إلى الحروب والمآسي الإنسانية مثل مشروع ريڤييرا غزة الذي ما زال ترامب، وصهره -الأخ الأكبر لصاحب فضيحة فيفا- وشركاؤه مُصرين عليه كما بدا من العروض المرئية التي قدموها في اجتماعات مجلس السلام، ومن تعيين هؤلاء الشركاء في المجلس؛ ومثل صفقة المعادن النادرة التي تم إجبار أوكرانيا على توقيعها من أجل استمرار الدعم الأمريكي.

لكن ما يدفع إلى التفاؤل هو أن بجاحة تلك المحاولات جعلت الشعوب أكثر وعيًا، ودفعتها إلى الاحتجاج، والتصدي، والتصويت ضد تلك المصالح الفاسدة عند المقدرة؛ كما حدث في التصويت لصالح المرشح التقدمي عبد الرحمن السيد لخوض انتخابات مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيجان في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، والاحتجاجات الشعبية في ألبانيا ضد مشروع جاريد كوشنر وزوجته إيفانكا ترامب، وتمسك أهل غزة بالبقاء رغم استحالة ظروف الحياة، ورفض سكان جرينلاند الانضمام للولايات المتحدة.

كل هذا الرفض والمقاومة هو ما يجبر المؤسسات الرسمية على عدم الانصياع لضغوط الولايات المتحدة، ورئيسها السمسار صانع الصفقات؛ كأن صحوة الرأسمالية السياسية المتوحشة هذه تأتي قبل أُفولٍ مُرْتَقَبٍ يَفْصِلُ بين التعاملات السياسية والرأسمالية، ويعيدُهما إلى رشديهما.


(*)تضمنت التهم الموجهة إلى ريتشارد كوشنر تأجير عاملة جنس لغواية زوج أخته، ثم إخبار الأخيرة بذلك لتطليقها منه انتقامًا منهما لتعاونهما مع جهات التحقيق ضده.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.