طريق الفقراء إلى الموت يبدأ بـ "ربع نقل"
من ضمن فوائد مهنة الصحافة العظيمة أنها سمحت لي بالتعرف على بلدي، وألَّا أبقى محصورًا في نطاق فقاعة العاصمة القاهرة التي يسميها قاطنو بقية الأقاليم وعدد محدود جدًا من أحيائها بـ"مصر".
حوادث الإرهاب التي تصاعدت منذ بداية التسعينيات من القرن الماضي، واستهدفت كبار المسؤولين في الدولة والمسيحيين والسائحين الأجانب، ترتبت عليها زيارات متكررة لمحافظات الصعيد التي كانت مسرحًا لها، بداية من الفيوم ومرورًا بالمنيا وأسيوط وسوهاج وقنا والأقصر. وحوادث طرق وقطارات وكوارث أخرى ألزمتني زيارة العديد من محافظات الدلتا القريبة والبعيدة.
بالنسبة لجيل الثمانينيات الذي أنتمي له، لم نكن قد وصلنا بعد إلى ثنائية مصر/إيجيبت بأسوار الكمباوندات التي تفصل بينهما، بل اقتصر التقسيم الطبقي في العاصمة على الأحياء الشعبية والمتوسطة والراقية مثل الزمالك وجاردن سيتي والمعادي ومصر الجديدة، التواصل بينها ممكن ولا يتطلب باركود أو تصريحًا مسبقًا حتى لو كانت الزيارات نادرة. ولكن الوضع في الأقاليم كان دائمًا مختلفًا تمامًا، ويؤكد لي أننا لا نعيش في مصر واحدة، بل في أمصار.
طرق قاتلة
كانت البداية دائمًا من الطرق المؤدية لتلك الأقاليم القريبة أو البعيدة، ويزداد الوضع تعقيدًا وخطورة في الطرق الفرعية المؤدية للقرى والنجوع. تحكم هذه الطرق شريعة الغاب، مع غياب كامل لكل أشكال الرقابة والخدمات، وعلى رأسها المرور والمستشفيات، ولذلك اشتهر الكثير منها بـ"طرق الموت" وبقيت على هذا الحال عقودًا عديدة، لأن الموت -وفق منطق البعض- قضاء وقدر ولا عزاء للفقراء الذين ربما أراد الله أن يشملهم برحمته وينهي ما يعانوه من عوز.
أتذكر هذه الحقيقة كلما تابعت حادثًا مؤلمًا مثل ذلك الذي وقع في الإسماعيلية مؤخرًا وراح ضحيته 19 مواطنًا بينهم ستة أطفال على الأقل، لا يجمع بينهم سوى الفقر والتجاهل من أصحاب القرار في العاصمة البعيدة، التي تبتعد أكثر وأكثر في غياهب الصحراء مع إنشاء العاصمة الإدارية الجديدة.
ينتمي حادث الإسماعيلية إلى نوعية الحوادث التي تصيبني بغصة كبيرة في القلب وألم بالغ من حجم الاستهتار بأرواح مواطنين مصريين من المفترض أنهم يتمتعون بحقوق متساوية، في دولة يتفاخر كبار مسؤوليها بحجم ما تحقق من إنجازات مبهرة في مجالات الطرق والمواني والمطارات والمونوريل والقطار السريع والأوتوبيس الترددي.
لست من المتفقهين في شؤون الدين ولكني طالما انبهرت بالمقولة المنقولة عن ثاني الخلفاء الراشدين عمر بن الخطاب "لو عثرت بغلة في العراق لسألني الله عنها لِمَ لم تصلح لها الطريق يا عمر".
والعبرة التي أستشفها من القول المأثور ليست فقط مسؤولية الحاكم تجاه رعاياه وخشيته من حساب الله عن أي تقصير، ولكن اعتبار أن المصالح الآنية العاجلة للمواطنين بل وحيواناتهم هي الأولوية، مع ضرورة التخطيط بالطبع للمستقبل وللأجيال القادمة.
غير أن من يعيشون الآن يحتاجون أن يُعاملوا بكرامة وآدمية وأن يشعروا أن هناك من يفكر في مشاكلهم واحتياجاتهم بدلًا من اعتبارهم عبئًا، أقصى ما يجب أن يتوقعوه هو سد الرمق عبر برامج حماية اجتماعية مهمة ولكنها غير كافية بكل تأكيد.
تواطؤ حكومي
هذه ليست الحادثة الأولى طبعًا، إذ سبقتها حوادث مماثلة راح ضحيتها أيضًا أطفال ومواطنون ذنبهم الأكبر أنهم فقراء. ولكن المخزي أنه في نفس اللحظات التي كان الأهالي المكلومون يتجمعون فيها أمام المستشفيات لتسلم جثث أحبائهم كانت عربات ربع نقل مكشوفة أخرى تُحَمِّل فقراء آخرين بعيدًا عن أي رقابة أو محاسبة، وتجعل منهم مشاريع شهداء للقمة العيش في كل أرجاء الوطن.
رؤية البشر محشورين في عربات الربع النقل وكأنهم أغنام، لا تقتصر على الأقاليم، ولكننا نراها بشكل منتظم على الطريق الدائري وفي كل أحياء العاصمة تقريبًا، حتى الراقية التي لا تتوقف بها عمليات البناء مثل التجمع الخامس والشيخ زايد والسادس من أكتوبر وغيرها.
هنا يكون التساؤل مشروعًا عن تقصير الأجهزة المسؤولة عن حماية الطرق ولماذا لا يتم توقيف تلك العربات المكدسة بالبشر ومنعها من السير على الطرق لأن ذلك ببساطة ممنوع ويتضمن استهتارًا واضحًا بأرواح البشر. أم يكفي تعويض أرواح هؤلاء البشر الذين لا صوت لهم بعدة مئاتِ آلافٍ قليلةٍ من الجنيهات ورحلات عمرة وحج مجانية مصحوبة بـ"شد حيلك ده قضاء وقدر".
الحكومة التي تملأ الشوارع بأجهزة الرادار وكمائن التفتيش على الرخص، قادرة بدون أي شك على منع هذه الممارسة الشائعة في الأرياف والأقاليم؛ حيث يتطلع الأهالي لأي فرصة لجمع قروش قليلة تساعدهم على تغطية ولو جزء صغير من تكاليف العيش الباهظة.
هؤلاء الذين يّكدَّسون في تلك العربات بصحبة أبنائهم لجمع المحاصيل، لماذا تعجز الأجهزة المحلية عن ضمان نقلهم في عربات مغطاة على أقل تقدير، مع الالتزام بالحد الأقصى للحمولة في كل عربة؟ الحقيقة أنك لن تجد سيارة شرطة مرور واحدة في الطرق التي تربط بين الأقاليم، إذ أنها مخصصة لطرق الساحل والبحر الأحمر فقط.
أنتجت قناة تليفزيونية محلية محاكاة بالذكاء الاصطناعي لكيفية وقوع حادث الإسماعيلية، وذلك لتصوير الأمر وكأنه خللًا ميكانيكيًا أو نتيجة خطأ بشري من أحد السائقين كما جرت العادة في حوادث سابقة. يهدف هذا التصور إلى نفي مسؤولية الحكومة عن هذا النوع من الحوادث، بسبب الحالة المزرية للطرق خارج نطاق المشاريع القومية والطرق المبهرة التي تُحَصَّل عنها الأموال وتربط بين الأحياء والمدن الجديدة ولا يستخدمها سوى أصحاب السيارات الخاصة.
خطيئة الفقر
الأسوأ على الإطلاق هو ما يردده بعض المنتمين لـ"إيجيبت" على السوشيال ميديا في سياق الدفاع عن الحكومة، بتحميل الأهالي المسؤولية عن تعريض حياة أبنائهم للخطر، "دي غلطتهم عشان بيخلفوا كتير. هي الحكومة حتعمل إيه يعني؟" ويتناسى أصحاب هذه الآراء الطبقية المتعجرفة أن ملح الأرض في مصر من فقراء الأرياف هم من يوفرون لنا طعامنا وغذائنا، وأن زيادة عدد الأطفال مع إدراك أن الكثيرين منهم معرضون للموت بسبب الفقر أو المرض هو نوع من مقاومة الفقر كونهم مصدر محتمل للدخل.
عندما تقول لمواطن جائع إنه لا بأس أن يجوع أكثر من أجل مستقبل أفضل لأبنائه، فمن حقه أن يصاب بالجنون
من يردد مثل هذه الحجج المستفزة لم يخرج من الحي أو الكمباوند الذي يسكنه، ولا يعرف ما هو الفقر ومعاناته التي قد تدفع ببعض الأهالي في محافظات ساحلية إلى تشجيع أبنائهم على ركوب البحر رغم مخاطره بحثًا عن فرص أفضل للعيش فالفقر يقتل ببطء ما يجعل أي ثمن مقبول للتخلص منه، حتى لو كان فقدان الحياة نفسها.
وهو أيضًا الفقر المدقع هو ما يدفع الأهالي إلى المخاطرة بحياتهم والركوب مع أبنائهم في عربات مكشوفة للعمل باليومية التي لا تتجاوز مائة جنيه فقط من أجل توفير قوت يومهم. هم لا يبحثون عن علاج في مستشفيات راقية، أو تعليم في مدارس لغات أو أندية يمارس فيها أبنائهم الرياضة، هم فقط يريدون توفير لقمة العيش.
نحن جميعًا نحب الوطن، ولكن ما يصنع الوطن ويزيد من قوته هو شعبه أولًا وقبل وكل شيء. وما لم يكن الشعب ومطالبه واحتياجاته هو محور اهتمامات الحاكم وهمه الأول، فلن يقتنع أحد بالعمل، فقط من أجل المستقبل.
عندما تخبر مواطنًا جائعًا أن عليه أن يجوع أكثر من أجل مستقبل أفضل لأبنائه، فمن حقه أن يصاب بالجنون، فهو لم يشبع يومًا من الأساس، وإذا لم يشبع ويتمتع بصحة جيدة فلن يتمكن من توفير احتياجات أبنائه الذين يشكلون أجيال المستقبل. وفي سياق العمل من أجل المستقبل ستموت هذه الأجيال الصغيرة سواء لغياب التعليم أو العلاج، أو لأننا في مصر، لا نمانع شحن البشر في عربات مكشوفة لأن أحدًا لن يشغل الدنيا ضجيجًا وصخبًا عند استشهادهم من أجل لقمة العيش، وسيكفيهم وأهلهم تعويض بقيمة 400 ألف جنيه ورحلة عمرة.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.

