ماذا نفعل و"معانا ترامب في الأسانسير"
لم يخطئ المستشار الألماني فريدريك ميرتس عندما قال في نهاية أبريل/نيسان الماضي إن إيران "تذل" الولايات المتحدة بعدما فشلت في تحقيق أهدافها من الحرب التي شنها دونالد ترامب بالاشتراك مع إسرائيل مطلع العام الحالي.
التصريحات الألمانية جاءت بعد انتهاء الموجة الأولى والرئيسية من الحرب التي امتدت نحو أربعين يومًا، قبل أن تتواصل على شكل موجات متوالية تراوحت بين ضربات متبادلة بين الطرفين، وأخرى طالت دول الخليج العربي والأردن والعراق، ثم تُوِّجت مؤخرًا بإعلان الحرب الاقتصادية الخانقة ضد طهران، ثم تجدد الضربات مؤخرًا.
ردُّ ترامب الذي يدير منصبه معتقدًا بأن العالم يلتف حول شخصيته الفذة وعبقريته المتفردة على هذه الإهانة الألمانية في حينه جاء سريعًا، بإعلانه البدء في سحب عدد من قواته المتمركزة في ألمانيا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وكرر تهديداته المعهودة للأوروبيين بإعادة النظر في المليارات التي تنفقها بلاده عبر حلف الناتو لحمايتهم بينما يخذلونه عندما يطلب مساعدتهم في الحرب الدائرة ضد إيران.
أوهام ترامبية
اليوم، وبعد مرور ستة أشهر على هذه المغامرة التي قدَّر ترامب أنها لن تتجاوز ستة أسابيع، ليس بإمكان أحد التنبؤ بكيفية إنهائها أو بناء تصور لما ستكون عليه الأوضاع في هذه المنطقة المهمة بكل ما تملكه من ثروات نفطية هائلة تؤثر على الاقتصاد العالمي بعد نهايتها، التي لا نعرف إلا أنها لن تكون سعيدة بأي حال.
الأخطر أن ترامب نفسه ما زال يعيش في فقاعته، ويوالي نشر الأفلام القصيرة على موقعه الشخصي تروث سوشيال، ويتوهم فيها انتصاراته باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي سواء على إيران أو على الجارة الأقرب، كندا. فقبل عدة أيام، نشر فيلمًا يُظهر تشكيلًا عسكريًا من أسراب بطٍّ بشعرٍ برتقالي يشبه شعره، تحمل بنادق آلية وتصل إلى الساحل المطل على بحيرة أونتاريو الكندية لتعلن على صوت إطلاق الرصاص أن اسمها من الآن فصاعدًا "بحيرة أمريكا".
لم يكتف ترامب بإهانة سمعة بلاده كقوة عظمى فقط بل أهان المنصب الذي يشغله
المشكلة أن حكومات العالم اعتادت على التعامل بجدية مع زعيم القوة العظمى الوحيدة عسكريًّا واقتصاديًّا، أيًّا كان اسمه أو حزبه، ومن ثم لا تتصرف تجاه تصريحاته على أنها للتسلية ولفت الانتباه، بل باعتباره مواقف الولايات المتحدة التي نتوقع أن تترجمها في الواقع.
لكن ترامب كسر هذه القاعدة، ولم يكتف بإهانة سمعة بلاده كقوة عظمى فقط، بل أهان كذلك المنصب الذي يشغله ولم يعد أحد يتعامل مع قراراته وتصريحاته بجدية، سواء تعلق الأمر بالحرب الدائرة ضد إيران أو بالرغبات التي أعلن عنها سابقًا في الاستيلاء على قطاع غزة وجزيرة جرينلاند التابعة للدنمارك وقناة بنما وخليج المكسيك، ومؤخرًا بحيرة أونتاريو الكندية بعد فشل المفاوضات التجارية بين البلدين، وإعلانها جميعًا أراضي أمريكية.
كان لافتًا أيضًا عدم صدور بيانات رسمية من الدول العربية المطلة على الخليج، تستنكر أو تدين ما نشره ترامب أيضًا على تروث سوشيال يعلن فيها مضيق هرمز أراضي أمريكية خارج حدود الولايات المتحدة، ربما على اعتبار أن ذلك إقرار بأمر واقع من الناحية العملية، وتحديدًا منذ حرب حرير الكويت عام 1991، التي قررت بعدها كل حكومات الخليج الاعتماد على الحماية الأمريكية والسماح لها بإنشاء العشرات من القواعد العسكرية على أراضيها واعتبار ذلك الضمان الوحيد لبقائها وأمنها.
تسلية أممية
باتت تصريحات ترامب مثارًا للتندر والسخرية اكثر منها تعبيرًا عن مواقف رسمية يمكن التعامل معها بجدية، منها حديثه المتكرر بأن الحرب مع إيران انتهت بالفعل منذ فترة بانتصار بلاده، هذا رغم إثبات النظام الإيراني قدرته على البقاء.
بل إن إلحاقه الأذى الكبير بالولايات المتحدة والعالم، على مدى ستة شهور كاملة، في مواجهة أكبر قوة عسكرية عرفها التاريخ، هو في حد ذاته دليل على الفشل الذريع للرئيس الأمريكي وتوريطه لبلاده في حرب غير ضرورية أضرت بمصالحها، ومصالح حلفائها في منطقة الخليج التي تنتج ما يزيد عن 20% من احتياج العالم من النفط والغاز، وكذلك كل دول المنطقة العربية.
لا يمكنه الاعتراف بالفشل وفي الوقت نفسه لا يستطيع إثبات إدعائه بأن النصر تحقق
كما أن تردد ترامب وتراجعه عن الكثير من قراراته وتهديداته في اللحظات الأخيرة، ومنها تهديده بتدمير الحضارة الفارسية بأكملها في ليلة واحدة وشن ضربات غير مسبوقة تشمل كل البنية التحتية الإيرانية، بما فيها من حقول للغاز والنفط والمياه والكهرباء، مما يمثل جرائم حرب فجة، جعل من الصعب معرفة ما إذا كان الرئيس الأمريكي يعني ما يقول بالفعل، أم أنه سيغير رأيه بعد ساعات أو أيام قليلة فقط.
المؤكد أن ترامب يجد نفسه في موقف صعب للغاية، فهو لطبيعته الشخصية لا يمكنه الاعتراف بالفشل، وفي الوقت نفسه لا يستطيع إثبات ادعائه بأن النصر تحقق بالفعل في الحرب الدائرة ضد إيران، خاصة وأن واشنطن تخوض هذه الحرب منفردة دون دعم من حلفائها التقليديين في أوروبا رغم تأثرهم البالغ بآثارها الاقتصادية وارتفاع أسعار النفط.
حتى الحرب الاقتصادية الخانقة التي قرر ترامب مؤخرًا شنها ضد إيران، باعتبارها بديلًا للمواجهة العسكرية المباشرة المكلفة في وقت تتزايد فيه التقارير في الصحف الأمريكية عن تراجع مخزون الولايات المتحدة من الأسلحة وخاصة منظومات الدفاع الجوي القادرة على صد الصواريخ الإيرانية، لا توجد مؤشرات على أنها ستكون مؤثرة بشكل فوري يجبر النظام الإيراني على التراجع عن موقفه والقبول بالشروط الأمريكية للتوصل إلى اتفاق جديد لوقف إطلاق النار.
الحل في الانتظار
تعتمد العقوبات الاقتصادية الأمريكية الأخيرة في نجاحها على تعاون الدول التي تستورد النفط الإيراني أو تربطها علاقات اقتصادية مع طهران، وعلى رأسها الصين والهند وباكستان والعراق. وفي الوقت الذي يحرص فيه ترامب على الحفاظ على علاقة إيجابية مع نظيره الصيني شي جين بينج، الذي من المقرر أن يزور واشنطن منتصف الشهر الحالي، سيكون من الصعب أن تفرض واشنطن على بكين عقوبات اقتصادية مشددة تهدد باندلاع مواجهة بين البلدين.
كل المؤشرات تفيد حتى الآن بأن النظام الإيراني ما زال متماسكًا رغم كل ما لحق به من خسائر
كما أن العقوبات الاقتصادية عمومًا تستغرق وقتًا لتترك أثرًا فاعلًا، خاصة مع النظام الإيراني الذي اعتاد التعايش مع العقوبات الأمريكية على مدى 47 عامًا، منذ سيطرة الخميني على الحكم بعد الثورة عام 1979.
كما أن الرهان على أن النظام الإيراني سيتهاوى عاجلًا أو آجلًا بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية الداخلية، التي ستؤدي حتمًا إلى اندلاع احتجاجات شعبية، كل المؤشرات تشير لعدم واقعيته، وأن النظام الإيراني ما زال متماسكًا رغم كل ما لحق به من خسائر، والشعب الإيراني لن يقبل بتدمير بلاده مقابل التخلص من النظام رغم كل ما يمارسه من قمع داخلي.
توقع ترامب أو تمنى انتهاء الحرب سريعًا على النمط الفنزويلي بناء على التقديرات التي قدمها له رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وربما الإعلان لاحقًا عن صفقة تاريخية للاستيلاء على النفط الإيراني تماثل ما يقوم به مع فنزويلا الآن بعد خطف رئيسها ونقله للمحاكمة في الولايات المتحدة.
هذا النجاح كان سيمكنه من حفر اسمه في التاريخ كصاحب إنجاز لم يتمكن أي رئيس أمريكي آخر من تحقيقه في مواجهة نظام ناصب واشنطن العداء منذ قيامه، وينظم مظاهرات يوم الجمعة من كل أسبوع يهتف الإيرانيون فيها "الموت لأمريكا والموت لإسرائيل".
لكن ما حدث بعد ستة أشهر أنه تحول عمليًا إلى أضحوكة بين حكومات وشعوب العالم بسبب نزواته الشخصية وقراراته المتهورة غير المحسوبة.
تبقى المأساة الحقيقية أن كل هذه الفوضى التي يسببها ترامب يدفع ثمنها بشكل رئيسي شعوب ودول المنطقة، بما في ذلك مصر بالطبع.
بغض النظر عن نتيجة الانتخابات النصفية المقبلة للكونجرس الأمريكي مطلع شهر نوفمبر/تشرين الثاني، وكل ما يقال عن احتمال خسارة الجمهوريين وتأثير ذلك على الرئيس الأمريكي، فإن الواقع هو أنه طالما بقي ترامب في البيت الأبيض من الصعب توقع أن تشهد المنطقة أو العالم أي استقرار حقيقي وعلينا جميعًا أن نتعامل معه بمنطق "معانا مجنون في الأسانسير" من الآن وحتى 20 يناير/كانون الأول 2029 يوم انتهاء ولاية ترامب.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.
