على نتنياهو تدور الدوائر
أراد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن تكون الإطاحة بالنظام الإيراني جائزته الكبرى في حربه الممتدة منذ هجوم السابع من أكتوبر 2023، باعتبار أن المطلوب ليس فقط تدمير المنظمات أو "الأذرع" القريبة مثل حماس وحزب الله والنظام السوري السابق، لكن قطع "رأس الأفعى" التي تمول وتسلح كل هؤلاء؛ طهران.
ليس هناك شريك أفضل في تنفيذ هذه المهمة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الساعي لتحقيق إنجازات تحفر اسمه في التاريخ لم يسبقه لها أي رئيس أمريكي آخر ليدحض اتهامات منتقديه بالجهل والسطحية والسعي خلف الأهواء والمصالح الشخصية.
لم تسع إيران إلى التورط في حرب نتنياهو ضد "أذرعها" في فلسطين ولبنان والعراق واليمن، لكن ملك إسرائيل المجروح بسبب فشله في منع هجوم السابع من اكتوبر أصرّ على استدراج طهران للمواجهة، خاصة بعد وصول ترامب للبيت الأبيض في يناير/كانون الثاني 2025 وانتهاء الحقبة الفاشلة القصيرة لسلفه المتردد صهيوني الهوى جو بايدن الذي كان يخاف من الوقوف بصرامة في وجه نتنياهو كي لا يؤثر ذلك على فرصته الهشة في الفوز بفترة رئاسية ثانية
أوهام القوة
صدّق ترامب فكرة نتنياهو حول بناء شرق أوسط جديد تتزعمه إسرائيل التي ستصبح قوةً ليست فقط إقليمية بل عالمية، وأن العالم الغاضب سينسى سريعًا عشرات الآلاف من الضحايا المدنيين الفلسطينيين في غزة وما ارتكبه من جرائم حرب بشعة.
لا يهتم رئيس الولايات المتحدة بشعب غزة أو بأرواح الفلسطينيين والعرب وغير البيض عمومًا، لكنه أراد أن يبدأ فترة رئاسته بإنجاز يثبت قدرته على تنفيذ زعمه أنه الوحيد الذي يستطيع تحقيق السلام في العالم وإنهاء كل النزاعات الساخنة، سواء في غزة أو الحرب الدائرة بين روسيا وأوكرانيا خلال أيام.
بدت جبهة غزة أسهل مقارنة بالتعامل مع موسكو ورئيسها الداهية فلاديمير بوتين، وتحقق لترامب وحليفه نتنياهو غايتهما بإطلاق سراح كل من احتفطت بهم حماس من أسرى إسرائيليين على مدى نحو عامين في اليوم الأول لتوليه منصبه، مقابل وعود لم تنفذ بإطلاق مسار كان من المفترض أن ينهي احتلال الجيش الإسرائيلي لغزة وبدء مسار يحقق المطلب المشروع المدعوم دوليًّا بإقامة دولة فلسطينية مستقلة.
صدّق ترامب تقارير المخابرات الإسرائيلية أن النظام الإيراني متداع من الداخل
أكدت تطورات الأحداث أن ترامب أو نتنياهو لم يكونا معنيين بأي شيء له صلة بغزة أو تحقيق السلام. بل إن ترامب بدأ رئاسته بخطة أثارت رعب كل دول المنطقة عن مشروع لتهجير الفلسطينيين وبناء ريفيرا الشرق الأوسط منطقة استثمارية سياحية من الطراز الأول بدلًا من مدنهم، كما استمرت إسرائيل في قتل الفلسطينيين بلا هوادة على مدى شهور.
وأثبتت الاجتماعات المتتالية بين الرجلين أن الخطة الحقيقية كانت مهاجمة إيران وتوجيه ضربة قاسية لها في يونيو/حزيران 2025، استهدفت منشآتها النووية وعددًا من كبار قادتها والعلماء في المجال النووي، في إنجاز إسرائيلي مبهر آخر لترامب.
حتى بعد توقيع اتفاق شرم الشيخ في أكتوبر/تشرين الأول 2025 وإعلان ما يُسمى بخطة ترامب المكونة من عشرين نقطة، لم يفقد نتنياهو الأمل في مواصلة الضغط على الرئيس الأمريكي لتوجيه الضربة القاضية لإيران، وفقًا للعديد من التقارير التي نشرتها الصحف الأمريكية في الأسابيع الأخيرة.
وبعد تنفيذ القوات الأمريكية الخاصة عملية مبهرة في مطلع العام الحالي لاختطاف رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو، بينما عقدت في الوقت نفسه صفقة سرية مع حلفاء مادورو ببقائهم في الحكم مقابل سيطرة الولايات المتحدة على النفط الفنزويلي، قدم نتنياهو لترامب المنتشي بانتصاره خطة شبيهة للإطاحة بالنظام الإيراني.
صدَّق ترامب تقارير المخابرات الإسرائيلية أن النظام الإيراني متداع من الداخل، وأنه سينهار فور قتل المرشد الأعلى وكبار قادة النظام الإيراني في اليوم الأول من الحرب في 28 فبراير/شباط، وتوجيه دعوة للشارع للخروج للانتقام ممن قمع حرياته وأفقره على مدى عقود، إلى جانب تسليح قوات كردية لمقاتلة الجيش الإيراني.
لم يصدق ترامب وحده ذلك، بل غالبًا صدقه حلفاء واشنطن من الدول العربية الذين رحبوا سرًّا بتوجيه الضربة القاضية لنظام الملالي في طهران. كان الافتراض الذي صدقه ترامب وآخرين -رغم نصائح أجهزة المخابرات وقادة الجيش الأمريكي- أن الخسائر التي ستلحق بالنظام الإيراني في الأيام الأولى من الحرب وثورة الشعب المفترضة ضده، لن تمنحه الفرصة ليغلق مضيق هرمز أمام حركة تجارة النفط والغاز العالمية، أو ليستهدف دول الخليج التي انطلقت الطائرات الأمريكية منها لضرب إيران.
طموحات تتبدد
لكن على نتنياهو دارت الدوائر، وفشلت كل خططه التي أقنع بها ترامب في شن حرب لا تنتهي حتى يسقط النظام الإيراني ويحقق طموحه الذي دعا له بلا كلل على مدى عقود طويلة. لم يصمد النظام الإيراني فقط في مواجهة الحرب الأمريكية-الإسرائيلية الشرسة، إنما خرج بأوراق لم يمتلكها من قبل تجعله أكثر تأثيرًا وقوة وخطورة في المستقبل.
في مقدمة هذه الأوراق، السيطرة على مضيق هرمز الذي تحول إعادة فتحه إنجازًا يتباهى به الرئيس الأمريكي رغم أن المضيق لم يكن مغلقًا قبل الحرب، ولم يكن أبدًا من ضمن أوراق التفاوض في كل الجولات المطولة السابقة بين الولايات المتحدة وإيران.
خطة نتنياهو لمحو محور المقاومة بالكامل فشلت بدورها
أدركت إيران عدم قدرتها على مواجهة الولايات المتحدة عسكريًّا، لكن لديها ما يكفي من الإمكانات لإلحاق ضرر بالغ بالاقتصاد العالمي بحكم أن المواجهة تجري في إحدى أهم وأغنى مناطق العالم بالنفط والغاز، واستثمارات بتريليونات الدولارات. وما لم يقرر الرئيس الأمريكي شن هجوم بري على إيران يستخدم فيه مئات الآلاف من القوات الأمريكية، ولن يبلغ به الجنون حد استخدام القنبلة النووية رغم كل تهديداته الفارغة بمحو الحضارة الإيرانية برمتها، فإن الاستمرار في الهجوم على دول الخليج وغلق مضيق هرمز سيدفعان الرئيس الأمريكي إلى الإقرار بالحقائق وإنهاء الحرب.
كما كسرت إيران عمليًا حاجز الرهبة من مهاجمة ليس فقط إسرائيل عبر أسابيع طويلة بكافة أنواع الصورايخ، ولكن كذلك كل جيرانها من دول الخليج التي تستضيف قواعد أمريكية تضمن من خلالها أمنها وعدم تعرضها لهجوم من أي دول مجاورة.
لن ينتهي التحالف الخليجي-الأمريكي بلا شك، وستبقى القواعد الأمريكية في دول الخليج سنوات طويلة مقبلة. لكن المؤكد أن السلوك الإيراني في الحرب الأخيرة، والتهديد الفعلي لكل دول الخليج سريعة الاشتعال بسبب ما تمتلكه من نفط وغاز، سيعيد تفكير قادة تلك الدول، خاصة السعودية والإمارات، في طموحات الإطاحة بالنظام الإيراني، والعودة بدلًا من ذلك لسياسة التعايش بل والتعاون الاقتصادي وضخ المليارات في الاقتصاد الإيراني، دون الإعلان عن أن ذلك بمثابة تعويض عن سماحهم للولايات المتحدة باستخدام أراضيهم لضرب إيران.
ورغم كل الضربات المؤلمة التي لحقت بحزب الله، فإن تمسُّك إيران بوقف الحرب على لبنان في النقطة الأولى من مذكرة التفاهم التي وقعها ترامب ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان، يعني أن خطة نتنياهو لمحو محور المقاومة بالكامل فشلت بدورها، وهو ما سيزيد من الانتقادات الموجهة له داخليًّا بأن الحرب الأخيرة لم تحقق أيًّا من أهدافها، سواء بالتخلص من برنامج إيران النووي أو مخزونها من الصواريخ ودعمها لما يعرف بمجموعات "محور المقاومة".
لمن الغد
من المبكر استخلاص النتائج من الحرب الأمريكية-الإيرانية الأخيرة، ومن المؤكد أن نتنياهو، حسب ما نقلته واشنطن بوست عن تقارير المخابرات الأمريكية، لن يتوقف عن السعي لتخريب الاتفاق بين واشنطن وطهران، خاصة لو تمكن رغم المصاعب من الفوز، بمعجزة، في الانتخابات المقبلة في إسرائيل بعد ثلاثة أو أربعة شهور. ولكن لو تم الحكم على هذه الحرب بما انتهت إليه الآن، فالواضح أن الطرف الذي يحق له الاحتفال بالانتصار رغم كل ما لحق به من خسائر هو الطرف الإيراني.
لن يكترث ترامب بهذه الهزيمة، ولن يسمها كذلك، وسيؤكد أنه حقق انتصارات غير مسبوقة بعد تدمير قوات جوية وبحرية إيرانية لم تستخدم في حرب اعتمد فيها الإيرانيون على الصواريخ والمسيرات. وبصفته قائد القوة العظمى الوحيدة في العالم، فلديه ما يكفي من الصراعات والمواجهات لكي يلفت انتباه الأمريكيين عن الفشل الذي مُني به في مغامرته الأخيرة، بما في ذلك السعي للإطاحة بالنظام الكوبي، وهي المهمة الأسهل بكل تأكيد مقارنة بالتخلص من النظام الإيراني.
بمنطق رجل الأعمال وتاجر العقارات، خلص ترامب إلى أنه أمام صفقة فاشلة ورّطه فيها حليف مزعج، ومن الأفضل التوقف عن الاستمرار بها، لأن المقابل كما قال هو شخصيًّا خسائر فادحة في الاقتصاد الأمريكي والعالمي بينما سيواجه حزبه الجمهوري انتخابات للكونجرس في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.
وعلى مدى الشهور القليلة المقبلة، سيتبين ما إذا كانت حملة نتنياهو التي دفع فيها ترامب لحرب فاشلة ضد إيران الورقة الأخيرة في جعبة الساحر، الذي أثبت قدرة مذهلة على البقاء في منصبة لعقود، أم ستكتب شهادة النهاية لرجل سيذكره التاريخ مجرم حرب وربما رئيس وزراء إسرائيليًّا آخر يدخل السجن لتورطه في جرائم فساد بعد أن يتخلى عنه ترامب حليفه الوحيد المتبقي في العالم، وفقًا لتصريحات نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس الأخيرة.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.
