تصميم أحمد بلال، المنصة 2026
مسيَّرة

مسيَّرة دمياط بين مصر المحروسة و"العَلَم الزائف"

منشور الثلاثاء 4 آب/أغسطس 2026

فور انتشار خبر استهداف سفينة التغويز الأمريكية بمسيَّرة في ميناء دمياط، مساء الأربعاء الماضي، انطلقت حملة "وطنية" حامية الوطيس تنفي إمكانية وقوع هجوم، وأن مصر بأنظمة دفاعها الجوي المتطورة لا يمكن أن تتجاوزها مسيَّرة تحمل متفجرات، خصوصًا لو انطلقت من اليمن على بعد ألفي كلم، كما قدَّر معلقون كثرٌ.

لم تكن مرت سوى ساعات قليلة، لكن المدافعين دائمًا وأبدًا عن نظامنا الحديدي أصروا على أن ما وقع مجرد حادث، وأشاروا إلى بيان وزارة البترول الذي أكد اندلاع حريق على متن إحدى السفن الأمريكية، انتقل إلى سفينة مجاورة دون تحديد السبب أو الإشارة إلى استهداف السفينة بمسيّرة.

لم تدم المعركة الساخنة سوى ساعات، حتى أصدر مجلس الوزراء بيانًا بأن السفينة الأمريكية ضربتها مسيّرة من تلك التي نتابعها يوميًا في الأخبار منذ اندلاع الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران، وقبلها في سلاسل الحروب اللامنتهية منذ هجوم حركة حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023، التي امتدت لكل دول المنطقة تقريبًا.

مقابل طائرات الشبح وF 35 وB-1 التي يفتخر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بقدراتها على التحليق أكثر من 14 ساعة لتسقط قنابل زنة الواحدة منها طن، استخدم الإيرانيون مسيّرات تكلفتها محدودة ضربت بها القواعد الأمريكية ومحطات تكرير البترول وحقولًا للغاز ومراكز لتخزين المعلومات بنتها واشنطن في دول الخليج وتسببت بخسائر بلغت مئات المليارات من الدولارات.

أحكام متسرعة

لكل ذلك، لم أفهم التعجل العاطفي في استبعاد احتمال المسيّرة وترديدَ شعارات من نوع "مصر محروسة من كل شر"، وإذا لم تكفِ أنظمة الدفاع الجوي لحمايتها، فإن العناية الإلهية كفيلة بمنع كل أذى، كأننا أكثر تفوقًا من الولايات المتحدة التي فشلت في صد هجمات المسيرات على دول الخليج والأردن والعراق، وهو ما أدى لسقوط قتلى وجرحى في صفوف القوات الأمريكية.

لم يكد ينته الجدل حول هجوم المسيرة حتى بدأت المناوشات الساخنة حول الطرف المسؤول عن الهجوم في منطقة تقف على حافة حرب إقليمية واسعة ضمن خطة أمريكية واضحة لزيادة الضغط على إيران ودفعها للقبول باتفاق ينهي القتال بشروط أمريكية.

وبينما تكتفي الجهات الرسمية بالصمت، وأن التحقيقات ما زالت جارية لتحديد الجهة المسؤولة، وتكرر التحذير من الترويج لأي تقارير غير رسمية تصدر في هذا الشأن، انقسمت الآراء في وسائل الإعلام والسوشيال ميديا بين من يرون أن إيران تتحمل مسؤولية الهجوم، سواء بشكل مباشر أو عبر حلفائها في المنطقة مثل حزب الله اللبناني، وهو الأقرب لميناء دمياط على البحر الأبيض المتوسط، ومن سارعوا لنفي هذه التهمة بكل عصبية عن الحبيبة طهران التي تتولى قيادة محور المقاومة في مواجهة المشروع الإمبريالي الأمريكي المتحالف مع الكيان الصهيوني.

سارع أنصار المقاومة إلى توجيه أصابع الاتهام نحو إسرائيل، مؤكدين دون دلائل واضحة أنها رتبت الهجوم لجر مصر إلى الحرب، واحتفوا بالبيان الغامض لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الذي أكد فيه على أهمية العلاقة مع مصر مع تلميح غير مفهوم إلى ضرورة اليقظة تجاه "المخططات الإسرائيلية وعمليات العَلَم الزائف التي تهدف إلى تقويض السلام الإقليمي".

دوافع إيرانية

لا أحتاج لتأكيد قناعتي بأن النظام الإسرائيلي يعتبر ترتيب المؤامرات والعمليات الاستخباراتية السريّة مجالًا للتفوق التكنولوجي والحربي، وأن حكومة مجرمي الحرب الحالية في إسرائيل لن تتوانى عن القيام بأي عمل يضر بمصالح مصر. ولكن ما بدا غريبًا هو التعجل من قبل تيار "أنصار المقاومة" في مصر لتبرئة إيران، التي لم يصدر عنها حتى الآن نفي رسمي قاطع للتورط في الهجوم.

في العرف الدبلوماسي، يعد الكذب وتقديم معلومات مغلوطة جزءًا من أساليب التفاوض المشروعة التي اكتسب الإيرانيون سمعة بالتفوق فيها. ولا أعرف كيف يُتَجاهل سجل إيران الطويل على المدى الشهور الخمسة الماضية في ترتيب هجمات على أهداف في دول خليجية، وبينها من تعتبره من الحلفاء أو المقربين التقليديين، كما هو بالنسبة لقطر وسلطنة عمان، ثم تتبنى الصمت الرسمي أو تروج لاحتمال تورط أطراف خارجية تسعى لتأجيج الحرب الدائرة على طريقة "العَلَم الزائف". كما أن قطر وعُمان واصلتا جهودهما الدبلوماسية للوساطة بهدف وقف الحرب الأمريكية على إيران؛ رغم تكرار الهجمات التي ألحقت ضررًا بالغًا بإنتاج الغاز في قطر.

تستخدم إيران كل الوسائل بما في ذلك توجيه الضربات نحو الدول العدوة وكذلك الصديقة

كذلك في الأسابيع الأولى من الحرب انطلقت صواريخ إيرانية منفردة تجاه تركيا وأذربيجان، حيث توجد الأهداف الأمريكية، وتبعها نفي رسمي إيراني. واختارت تلك الدول عدم الدخول في مواجهة مع إبلاغ طهران بأن الرسالة وصلت، وأنها لن تتورط في تقديم المساعدات للقوات الأمريكية لضرب أراضيها، وهو موقف التزمت به تركيا، العضو في حلف الناتو، التي يتمتع رئيسها رجب طيب إردوغان بعلاقة مميزة مع ترامب. بل إن إردوغان لعب دورًا مهمًا في إفشال المخطط الإسرائيلي للإطاحة بالنظام الإيراني عبر دعم ميليشيات إيرانية كردية خشية أن يؤدي ذلك إلى إحياء نشاط الجماعات المسلحة الكردية في بلاده.

النظام الإيراني الحالي يحارب من أجل وجوده. وفي مواجهة الآلة العسكرية الأمريكية الجبارة التي يعاونها الكيان الصهيوني المفتخر بتفوق جيشه على جيوش دول المنطقة وامتلاكه أسلحة نووية، قررت طهران بشكل واضح أن يكون سلاحها الأكثر فتكًا إلحاق أكبر ضرر ممكن بالاقتصاد العالمي من أجل إجبار ترامب على وقف الحرب بشكل نهائي، سواء عبر التمسك بإغلاق مضيق هرمز، أو دفع الحوثيين في اليمن إلى العودة لتعطيل الملاحة في البحر الأحمر عبر مضيق باب المندب ومهاجمة السفن السعودية.

صورة أرشيفية لسفينة التغويز العائمة "إنرجوس وينتر"

إغلاق المضيقين، هرمز وباب المندب، سيحرم العالم من النفط الذي تنتجه دول الخليج، المقدَّر بنحو 22% من الإنتاج العالمي، منها 12% تنتجه السعودية بمفردها. كما أن حجم الخسائر الذي تستطيع إيران إلحاقه بمنشآت إنتاج الطاقة في دول الخليج ومعامل التكرير يقدر بمئات المليارات وسيتكلف سنوات من أجل إصلاحه والعودة للمعدلات المعتادة. وإذا امتدت الهجمات الإيرانية لتشمل مواني تصدير الغاز في دمياط، فإن هذا الاستعراض سيوجه ضربة قاسية أخرى للاقتصاد العالمي.

لتحقيق هذا الهدف تعتبر إيران كل الوسائل مشروعة، بما في ذلك توجيه المسيرات والضربات نحو الدول العدوة وكذلك الصديقة، التي عادة ما تبلغها طهران رسالة مفادها أنها ليست الهدف في حد ذاتها، بل المصالح الأمريكية في إطار الحرب الدائرة بينهما. وفي أحيان كثيرة، ولنفي التورط المباشر، قد تلجأ إلى حلفائها التقليديين كحزب الله اللبناني أو الميليشيات الشيعية الموالية في العراق وكذلك للحوثيين في اليمن من أجل القيام بمهام محددة في إطار الاتفاق القائم بينها على أن الخطر يتهدد الجميع، وأنه لو سقط النظام الإيراني، فإن كل هذه المجموعات ستنتهي بدورها.

محاذير إسرائيلية

تعي إسرائيل جيدًا أنها لو تورطت في ترتيب أي هجوم ضد مصر، فإن ثمنه سيكون باهظًا في إطار اتفاقية السلام القائمة بين البلدين، وهي تدرك أن تحديد الطرف الذي قام بالهجوم لم يعد أمرًا صعبًا من الناحية التقنية. ومن غير المعقول بل من المضحك أن نستمر في الإشارة إلى فضيحة لافون التي وقعت عام 1954 للتذكير بدناءة المؤامرات المخابراتية الإسرائيلية، بينما نمتلك نماذج لم يمض عليه سوى شهور بدءًا بعمليات تفجير أجهزة البيجر في جنود حزب الله واغتيال حسن نصر الله ونهاية باغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي وكبار قادة الجيش.

لكن الأقرب في ضوء الأسلوب الإيراني لمواجهة الحرب الشرسة التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل ضدها هو تورط طهران، غالبًا بشكل غير مباشر، في توجيه المسيرة التي استهدفت ميناء دمياط. والرهان سيكون على الموقف الرسمي الذي يبدو متحفظًا حتى الآن في دخول مواجهة مع إيران، خاصة وأن مصر تمسكت بالعمل مع الوسطاء الآخرين مثل قطر وتركيا وباكستان لوقف الحرب وإدراك أنها لن تجلب سوى الكوارث لكل دول المنطقة والعالم.

نعم نعارض الحرب الأمريكية-الإسرائيلية غير المشروعة على إيران، وهناك إدراك واضح لأن هزيمة إيرانية كاملة ستعني هيمنة إسرائيلية مرفوضة على المنطقة، لكن الدفاع الأعمى عن كل ما تقوم به إيران مرفوض ويتجاهل مصالح مصر كقوة إقليمية رئيسية. ومن غير المتصور أن تتمثل مصالح مصر في بروز إيران كقوة مهيمنة على كل نفط ومقدرات منطقة الخليج العربي بينما تربطها بدوله مصالح متشابكة ويعمل بها ملايين المصريين.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.