
افتتاحية| المنصة تحجب صفحتها الرئيسية تضامنًا مع الصحافة الفلسطينية
لأن فعل القتل لا يجب أن يبقى مبنيًا للمجهول
تحرصُ إسرائيل على تحديثِ سجلّها الإجراميِّ وإثقالِه بالدّماء. في الحربِ الأخيرةِ على قطاعِ غزةَ، أضافتْ الإبادةَ الجماعيةَ والتهجيرَ والتجويعَ المتعمّدَ إلى ما ترتكبه من جرائمَ فصلٍ عنصريٍّ واحتلالٍ استيطانيٍّ توسُّعيٍّ. ولمحاولةِ التغطيةِ على ذلك كلِّه، اقتضى الأمرُ أن تقصفَ كُلَّ قلمٍ، وتَحطم كلَّ كاميرا، وتُسْكِت كُلَّ صوت. اقتضى الأمر أن تقتل الصحفيين.
تمنع إسرائيل الصحفيين حول العالم من دخول قطاع غزة لتخفيف العبء عن زملائهم والمساهمة في نقل وقائع الحرب وأثرها وانتهاكاتها. أما الصحفيون الفلسطينيون الذين يعيشون في القطاع، فتقتلهم تباعًا، حتى بلغ مجموعُهم 246 صحفيةً وصحفيًا منذ السابع من أكتوبر 2023.
من أجلهم، تحجِب المنصة صفحتَها الرئيسيةَ وتتشحُ بالسواد إلى جانب ما يزيد عن 150 وسيلةً إعلاميةً من 50 دولة حول العالم، يوم الاثنين 1 سبتمبر/أيلول 2025، لمدة 24 ساعة، ضمن حملة تنظمها مؤسستا آفاز ومراسلون بلا حدود.
هذا ليس حدادًا على زملائنا الذين رحلوا، فالحداد يأتي بعد المساءلة. بل غضبٌ من قدرة مَن قتل زملاءنا على الإفلات من العقاب - حتى الآن، ودعوةٌ إلى مساءلته، وملاحقته. وبينما نعلن تضامنًا لا لبس فيه مع زملائنا الباقين في سائر فلسطين، وندعو لحمايتهم، فإننا نطالب النظام المصري بممارسة ضغوط حقيقية على سلطة الاحتلال لوقف الإبادة الجماعية، وإنهاء التجويع المتعمد، واتخاذ إجراءات تسمح بدخول الصحفيين المصريين لدعم زملائنا في غزة.
منذ بدء الحربُ، تقتلُ إسرائيل الصحفيين بنمطٍ متكررٍ وعلى دُفعاتٍ، آخرُها يوم الاثنين الماضي عندما قصفَ الاحتلالُ مجمع ناصر الطبي في غزة؛ جريمة حرب. على الأثر، قُتِلَ 15 شخصًا بينهم خمسة صحفيين، كانوا سيوثقون الجريمة لولا أنهم باتوا من ضحاياها.
قتلت إسرائيل المُصوِّرة الصحفية المستقلة مريم أبو دقة التي تعمل لحساب مؤسسات من بينها أسوشيتد برس وإندبندنت عربية. قتلت إسرائيل مُصوِّر قناة الجزيرة محمد سلامة. قتلت إسرائيل المُصوِّر المستقل حسام المصري الذي يعمل لحساب مؤسسات من بينها رويترز. قتلت إسرائيل المُصوِّر الصحفي معاذ أبو طه الذي يعمل مع NBC الأمريكية. قتلت إسرائيل الصحفي أحمد أبو عزيز، الذي يعمل لصالح مواقع فلسطينية محلية، ومراسلًا لإذاعة ديوان FM التونسية.
في الجُملِ السابقةِ تَكْرَارٌ يتعارض مع بلاغة التكثيف وضرورة الإيجاز، لكنه ضروري للإشارة إلى القاتل. فالقتلُ فعلٌ تَلْزَمُ الإشارةُ إلى فاعلِه، والصحفيون في غزة لا يُقْتلون من تلقاء أنفسهم بل هناك مُجرمٌ ينبغي الإشارة إليه. وهو ما تفتقده كثيرٌ من التغطيات في العواصم العربية والعالمية التي تبني القتل على المجهول، فينجو القاتل تحت ستار مهنية متواطئة تقدم الحقائقَ بوصفها احتمالاتٍ، في خيانةٍ للقارئ.
حصيلةُ إسرائيل من دَمِ الصحفيين هي الأكبرُ في أي نزاعٍ منذ أن توافق العالم على حماية الصحفيين في مناطق النزاع وتجريم استهدافهم. لم تكن دولة الاحتلال بحاجةٍ لكل تلك الدماء لتصبح العدو الأول للصحفيين حول العالم، فبنهاية عام 2023، وبعد أن قتلت 106 صحفيين، اعتبرت مراسلون بلا حدود قطاع غزة المكان الأكثر خطورةً على الصحفيين، رغم أنها وثقت قتل 13 صحفيًا فقط، وتجاهلت البقية بدعوى أنهم قتلوا خارج أوقات العمل.
تحاول إسرائيل التملَّصَ هذه المرةَ، فيعرب المجرمُ عن حزنِه لقتل الصحفيين الخمسة، ويكذب وهو يقول إنه لم يستهدفهم عمدًا، وكأن الاحتلال لم يتفاخر مطلع هذا الشهر بقتل مراسل الجزيرة الزميل أنس الشريف، زاعمًا أنه تابع لخلية من حماس، في سردية قررت وسائل إعلام أخذها بجديّة، وجعلت من حقيقة أن أنس الشريف كان صحفيًا مجرّد مزاعم.
قبل قتلهم، يعاني صحفيو غزة مما يعانيه الفلسطينيون في القطاع. الشهر الماضي، كشفت فرانس برس عن مخاوفها من موت مراسلوها في القطاع جوعًا. ونعيش نحن في المنصة قلقًا دائمًا على مراسلنا في القطاع سالم الريس.
في قلب غزة لنا زميلٌ، جزءٌ من فريقنا وامتدادٌ له. وفي قلب القاهرة لنا زملاء نزحوا حين كان معبر رفح ما زال يسمح بالنجاة لمن اقتدر. رفض سالم الريس الخروج من غزة حين كان بإمكانه. أرسل أبناءه مع خالتهم وبقي هو وزوجته الصحفية نور سالم، ليؤديا رسالتهما معًا.
منذ اليوم الأول لجريمة الإبادة الجماعية كانت الصحافةُ حاضرةً تكشفُ وتصنعُ الأثرَ. "هذه إبادة على الهواء"؛ جملةٌ تكررتْ حتى أصبحت كليشيه، لكنها "على الهواء" لأن هناك صحفيين ينقلون وقائعها. وحتى لا تظلَّ "على الهواء" استهدفتْ إسرائيل هؤلاء الصحفيين. لكن أحدًا لن يُعفى من دفع الثمن، لأن الجرائم التي تُرتكب "على الهواء" لن تسقطَ بالتقادم، فموازينُ القوة لا تستمر على حالها.
لأن هؤلاء الصحفيين ظلوا في مواقعهم، ومارسوا عملهم، تآكلت السردية الإسرائيلية التي ظلت على مرِّ السنين ثابتة كطوطمٍ يعبدُه الجميعُ، ولا يُسائِله أحدٌ.
ولكن، إذا استمر جيش الاحتلال الإسرائيلي في قتل الصحفيين بهذه الوتيرة، قريبًا لن يبقى مَن ينقل لكم الخبر.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.