تصميم سيف الدين أحمد، المنصة 2026.
تكرار حوادث التمييز يشير إلى عمق الطائفية في المجتمع.

كيف لا نخاف انفجار مظاهر الطائفية في مجتمعنا؟

منشور الثلاثاء 8 أيلول/سبتمبر 2026

كشفت أربع وقائع، خلال الأيام الماضية، تصاعدًا واضحًا ومخيفًا لخطاب طائفي، لم يعد مستترًا بل واضحًا بدرجة لا يمكن تجاهلها، تنوعت تجلياته بدءًا من استخدام عبارات لوصم المسيحيين اجتماعيًا بقصد الإهانة، مرورًا بطباعة عبارات تحريضية على تيشيرتات، وصولًا إلى منع طالبة مسيحية من حضور حفل تخرجها بسبب ملابسها.

قد تبدو الوقائع للبعض حالات فردية بسيطة لا رابط بينها، وجرى التعامل مع كل منها بما يناسبها، بينما تشير هذه الأحداث معًا وفي السياق العام إلى حالة توتر واحتقان يفكك أواصر المواطنة، ويزيد هشاشة المجتمع ويضعف مناعته، خصوصًا مع غلق المجال العام وضعف المؤسسات السياسية والثقافية.

لا أقصد بالخطاب الطائفي هنا التعبير عن انتماء الفرد لعقيدة أو مذهب معين، حتى لو كانت الأفكار متشددة، فهذا حق لكل فرد، لكن أزمة ومتاعب هذا الخطاب تبدأ حين يتحول هذا الانتماء إلى تعصب أعمى، يُوظف كأداة اجتماعية للتمييز والاستعلاء وتبني نظرة دونية أو عدائية تجاه الأطراف الضعيفة وصولًا لقهرها.

جامعة وإعلام ومتجر وكنيسة

بدأت الوقائع الأربع، بطباعة بلوجر صاحب متجر تسويق إلكتروني شعارات تنظيم داعش الإرهابي على تيشرتات بِيعت للجمهور، ما يعني الدعاية لمضمونها، بما تتضمنه من حض على الكراهية والتمييز، مثل المناداة بعودة نظام إجبار غير المسلمين على دفع الجزية، وتبرير العنف على أساس ديني.

أعقب ذلك، استخدام المذيعة دينا المصري خطابًا تمييزيًا يتضمن وصمًا اجتماعيًا وإهانة للأقباط في سياق انتقادها لقرار منع بث أذان وصلاة الفجر عبر مكبرات الصوت في المسجد المجاور لها بمنطقة سكنها، وكردة فعل على موقفها قررت قناة المحور الفضائية إنهاء التعاقد معها ووقف عرض برنامجها ومخاطبة نقابة الإعلاميين لإسقاط عضويتها.

في الواقعة الثالثة، مُنعت الطالبة جومانا كمال من حضور حفل تخرج كلية التكنولوجيا الحيوية بجامعة بدر بسبب ملابسها وارتدائها صليبًا حول عنقها، وفقًا لروايتها، إذ منعها عميد كلية الطب البيطري من دخول المبنى، واستدعى أمن الجامعة لطردها، وصوَّرها، بينما سمح لزميلات لها بالدخول رغم ارتدائهن ملابس شبيهة لملابسها، وهو التناقض الذي فسَّرته الطالبة بأنه تحسسٌ من صليبها المتدلي من عنقها.

لم تتحرك الجامعة وتفتح تحقيقًا في الواقعة، إلا بعد أن حررت الطالبة محضرًا بقسم شرطة بدر ضد عميد الطب البيطري، وإثارة الموضوع على السوشيال ميديا.

الحالات الأربع تشترك في بعض السمات، في مقدمتها مساحة الاستحقاق والاستعلاء والسلطة

كان الأنبا أغاثون أسقف مغاغة بطل الواقعة الرابعة، فقد اختفى الناشط القبطي باسم الجنوبي، وتقدمت الأسرة والأصدقاء بطلبات إلى المؤسسات المسؤولة للمساعدة في الوصول إليه دون جدوى، إلى أن أصدرت وزارة الداخلية بيانًا بعد اختفائه ستة أيام، أعلنت خلاله القبض عليه بناءً على محضر حرره ضده محامي أحد أساقفة محافظة المنيا، اتضح لاحقًا أنه الأنبا أغاثون، أسقف مغاغة والعدوة.

ما الذي يجمع واقعة القبض على باسم الجنوبي مع الوقائع الأخرى المصبوغة بصبغة طائفية؟

لا يمثل الأنبا أغاثون نفسه في هذا النزاع بل يمثل تيارًا داخل الكنيسة، يتعصب لأتباعه وأفكاره، ويقلل من شأن المختلفين معه ويهاجمهم بانتظام، وهو جوهر الطائفية، خصوصًا أنها ليست الواقعة الأولى لتحرير قيادة دينية أرثوذكسية محضرًا ضد مسيحي بسبب انتقاد سلوكها، إذ سبق الأنبا أغاثون زميله الأنبا بنيامين مطران المنوفية في ذلك، والاثنان ينتميان للتوجهات الفكرية نفسها، لكن بأفكار وأسلوب مختلفين.

جذور الطائفية

تشترك الحالات الأربع في بعض السمات، في مقدمتها مساحة الاستحقاق والاستعلاء والسلطة التي تتجاوز الدور والوظيفة والقانون، فالمذيعة أعطت لنفسها حق إقحام المسيحيين في شكواها دون أن تكون لهم أي علاقة مباشرة بأمر المنع، وبدا إقحامها لهم تحرشًا طائفيًا تطور إلى وصم اجتماعي تضمن الإهانة والتحقير والمصادرة على حق المسيحيين في التعبير عن آرائهم ومواقفهم من باب أنهم مواطنون متساوون في الحقوق والواجبات.

ولا يختلف سلوك عميد الطب البيطري عن توجه المذيعة، إذ مارس هو الآخر -إن صحَّ تفسير جومانا- دورًا ليس من مهامه، وأعطى نفسه اختصاصًا ليس له، ثم اعتدى على خصوصية الطالبة بتصويرها، متوهمًا أن وظيفته وسلطته الأبوية تمنع مساءلته.

تكشف هذه الحالات ضعف آليات الحماية المؤسسية وعدم فاعليتها سواء كانت الجامعة أو الكنيسة

وبالمثل، منح الأسقف نفسه حصانة -واستحقاقًا نابعًا من المكانة الدينية- ضد نقد قراراته وآرائه وسياساته، حتى مساءلته في مدى نجاعة إدارته لجوانب المؤسسات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية. يتصور الأسقف أنه وحده من حقه نقد الآخرين لدرجة اتهامهم بالخروج عن تعاليم الكتاب المقدس والهرطقة.

تكشف هذه الحالات ضعف آليات الحماية المؤسسية وعدم فاعليتها، سواء كانت الجامعة أو الكنيسة -باستثناء حالة المذيعة دينا المصري- في البداية حاول عميد كلية التكنولوجيا الحيوية التي تنتمي إليها الطالبة التسويف وإقناعها بالسكوت بحجة قلة حيلته تجاه زميله عميد الطب البيطري، ثم جاء بيان الجامعة مائعًا يحتوي على إشارة إلى التحقيق في الواقعة دون الإشارة إلى حقوق الطالبة، وهو الطرف الضعيف الذي يستحق الدعم.

وحسنًا فعل الدكتور أشرف الشيحي وزير التعليم الأسبق ورئيس جامعة بدر باستقبال الطالبة، ومنحها شهادة تقدير، وهي ترتدي الفستان نفسه الذي منعت بسببه. لكن هذه الخطوة لا تغني عن التحقيق الجدي في الواقعة، وإعلان القرارات المتخذة تجاهها، وسبل منع تكرارها.

في حالة باسم الجنوبي، ما الذي يحمي المسيحي الفرد من تغول وبطش سلطة قيادته الدينية المباشرة واستخدام نفوذها لدى أجهزة الدولة لمعاقبة من ينتقدها ويرفض رؤاها وسياساتها؟ ما نعرفه حتى وقتنا الحاضر أن الأسقف لم يسلك الطريق المتعارف عليه باستشارة الرئاسة الدينية في تحرير المحضر وأخذ موافقتها، وما إذا كان ذلك مناسبًا من عدمه.

ويزيد المعاناة، أن الأطراف المتورطة تجد دعمًا واسعًا من آخرين، سواء بتفسيرات للتقليل من الانتهاكات أو لدعم القائمين بها بشكل مباشر. وجدنا من يعطي تفسيرًا لكلمة "كفاتسة" المستخدمة للإشارة إلى المسيحيين بصبغة تنمر وعنصرية، بأن أصلها من كلمة قبطي أو مصري، في تجاهل تام لدلالات استخدامها شعبيًا وعند المسيحيين أنفسهم وهل يرونها مقبولة أم تمثل تنميطًا مهينًا.

وبالمثل وجدنا من يدافع عن سلوك عميد الطب البيطري تارة بأن ملابس الطالبة كانت غير مناسبة "دريس كود" مفترض للجامعة غير موجود أصلًا، أو أن العميد مشهود له بالكفاءة مثلما فعل مجلس نقابة الأطباء البيطريين بمحافظة الدقهلية.

تكمن خطورة هذه الوقائع في الرسالة التي تقدمها، بأن المجتمع لا يزال طائفيًا بشكل كبير حتى في المستويات الأكثر تعليمًا وثقافة، والتي يفترض أنها سد منيع لحماية مبادئ المواطنة والدولة المدنية. 

عمل نظام مبارك على صناعة معادلة: إما نظامي أو البديل الإسلامي الأكثر تشددًا، وهو ما حدث فعليًا، ثم جاء النظام الحالي معلنًا تغيير هذه المعادلة بترسيخ حقوق المواطنة واتخاذ سياسات وإجراءات نحو تعزيز التعايش المجتمعي واحترام التنوع الديني. وتزايد هذه الحالات يعني أن الفجوة واسعة بين التصريحات والاستراتيجيات والواقع الفعلي، وأن البرامج التي تعلنها مؤسسات الدولة ليس لها جدوى أو تأثير واضح ولم تُحدث تغييرًا فيما يخص وعي وسلوك الأفراد والمؤسسات.

ما العمل؟

كما أشرت سابقًا، تمثل الطائفية في مصر عائقًا أمام اكتمال مفهوم دولة المواطنة، ومواجهتها تتطلب الانتقال من المسكنات إلى الحلول الجذرية والمؤسسية، إذ إنَّ تفكيك الطائفية يحتاج إجراءات متشعبة ومتعددة، بعضها قانوني، وبعضها ثقافي واجتماعي. لكن على المدى القصير، هناك تدخلان ضروريان لا يحتملان التأجيل.

هناك خطاب وممارسات تستحق الوقوف عندها، والتعامل معها بجدية

بطبيعة الحال، يوجد خطاب ذو طبيعة دينية قد يكون مزعجًا للبعض، ويعكس رؤية متشددة، لكنه في النهاية لا يستحق التجريم والعقاب، مثل ما نسمعه عن حرمانية الترحم على غير المسلمين أو عدم التهنئة بالعيد، فالتعامل هنا يجب أن يقتصر على الرد على الأفكار بالأفكار الناقدة والممارسات الصحية.

في المقابل هناك خطاب وممارسات تستحق الوقوف عندها، والتعامل معها بجدية. وليس المقصود هنا العقوبات الجنائية خصوصًا الحبس، حيث توجد مساحة كبيرة من التدرج في المواجهة تبدأ بمطالبة الطرف المسيء بالاعتذار عن أفعاله والالتزام بعدم تكرارها، أو بتوقيع الجزاء الإداري، في حال كان مرتكب الفعل المخالف مسؤولًا حكوميًا أو من قادة الرأي، إضافة إلى توقيع غرامة مالية مناسبة. ويتطلب ذلك وضع قوانين واضحة تسهل عملية جبر الضرر، التي ستساهم في تقليل فرص تكرار الممارسات الطائفية أو المسيئة.

التدخل الثاني الذي لا يحتمل التأجيل خاص بإصدار قانون المساواة وعدم التمييز، وإنشاء مفوضية مستقلة كآلية للتطبيق، وهو التزام دستوري يقع على كاهل مجلس النواب، الذي تجاهل عن عمد هذا الالتزام الدستوري طوال 11 سنة، رغم أن رئيس الجمهورية وافق على توصية الحوار الوطني بإنشاء مفوضية مكافحة التمييز. فلماذا هذا التعنت الحكومي رغم الحاجة الملحة لهذا القانون وأهميته في ظل انتشار مختلف صور التمييز ومعاناة غالبية المصريين منه بشكل أو بآخر؟

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.