تصميم سيف الدين أحمد، المنصة 2026
تضافُر هذه العوامل يضع المملكة العربية السعودية في محنة ذات طابع استثنائي.

محنةُ السعودية محنةٌ للعالم العربي كله

منشور الأحد 18 تشرين الأول/أكتوبر 2026

في وقت كتابة هذه السطور تتعرض المملكة العربية السعودية لأسوأ تهديد أمني في تاريخها، إذ يستهدف مطار الرياض ومطارات أخرى في المملكة، ما أدى إلى تعليق حركة الطيران في أنحاء واسعة من البلاد، كما عُلّقت الدراسة بالمدارس مع الانتقال إلى التعليم عن بعد. كل هذا غير بعيد عن الاستهدافات المتكررة لمنشآت الطاقة التابعة لشركة أرامكو وصولًا إلى تعطيل العمل بخط شرق-غرب الذي يمثل البديل الأهم لتصدير النفط الخام بعيدًا عن مضيق هرمز.

لم تشهد المملكة تدهورًا في بيئتها الأمنية على هذا النحو؛ لا في مرحلة التدخل المصري لدعم الثورة اليمنية (1962-1967) ولا حتى مع الغزو العراقي للكويت في 1990/1991، ناهيك عن التدخل السعودي العسكري في الحرب الأهلية اليمنية فيما عُرف بـعاصفة الحزم في 2015 الذي استمر حتى إعلان الهدنة في 2022 بين الأطراف اليمنية المتحاربة.

لم يكن العمق السعودي مستهدفًا بهذه الكثافة وبهذا الاتساع في أي من هذه المناسبات، كما أن الجمع بين تجدد القتال في اليمن وتهديدات الملاحة في البحر الأحمر بالتزامن مع الإغلاق الإيراني لمضيق هرمز يضع ضغوطًا هائلة وغير مسبوقة على المملكة أمنيًّا واقتصاديًّا.

في خضم هذه التحديات الجسام، تعيش المملكة العربية السعودية تحولًا للترتيبات الأمنية في المنطقة مع انحسار المظلة الأمريكية على وقع استهداف وإخلاء القواعد بالخليج من ناحية، ومحاولة الإتيان بترتيب أمني بديل ذي طابع إقليمي يضم تركيا وباكستان فيما يعرف بحلف مكة من ناحية أخرى، وبما أن تشكيل أحلاف عسكرية ليس بالأمر الهين من الناحية القانونية والتنظيمية فإن إنجاز مثل هذا الأمر في فترة قصيرة، وتحت وقع الرصاص والصواريخ، يزيد صعوبة المهمة.

السعودية ليه؟

تضافر هذه العوامل يضع المملكة العربية السعودية في محنة ذات طابع استثنائي من حيث التوقيت والعمق والنطاق، والحق فإن هذه محنة للعالم العربي ككل لا للسعودية فحسب.

لا يعود هذا الحكم إلى وزن السعودية الاقتصادي الهائل كونها المصدر الأكبر للنفط الخام عالميًّا، ولا لكونها مركزًا أساسيًّا لتصدير رأس المال في صورة تحويلات للعاملين بالخارج أو استثمارات أو حتى مساعدات وقروض ميسرة لدول شتى، على رأسها باكستان ومصر وعدد كبير من الدول الأصغر حجمًا في العالم العربي وإفريقيا وجنوب آسيا، إذ إن هذه كلها حقائق لا يغفل عنها متابع.

لكن يضاف إلى هذه الحقائق الاقتصادية وزن السعودية السياسي والديني والدبلوماسي الذي لا يتوفر لأي من دول الخليج الأخرى، فخلافًا لحالات دول مثل قطر والإمارات العربية المتحدة التي تسعى كي تصبح قوى متوسطة في المنطقة، فإن السعودية طالما كانت قوة متوسطة منذ الحرب الباردة وحتى الآن ما يجعلها أكبر من أن تكون مجرد دولة تستمد تأثيرها من امتلاكها صناديق استثمار أو قنوات فضائية.

تجلى هذا مرارًا في السنوات القليلة الماضية؛ بدءًا من النظر إلى المملكة باعتبارها درة التاج في أي مسار تطبيعي مع إسرائيل، وهو ما كان يعيه قادة السعودية جيدًا عندما ربطوا بوضوح أي تطبيع مستقبلي مع إسرائيل بإقامة دولة فلسطينية. تكفي الإشارة بالطبع إلى أن موجة الاعترافات الغربية بدولة فلسطين لم تكن سوى نتاج للرعاية السعودية-الفرنسية لمؤتمر حل الدولتين في الأمم المتحدة بنيويورك في سبتمبر/أيلول 2025.

جريًا على المنهاج نفسه، فقد أظهرت السعودية قدرها بتوقيع الاتفاق النووي مع الولايات المتحدة في يوليو/تموز الماضي بما يسمح بتخصيب اليورانيوم دون اشتراط التطبيع مع إسرائيل، علاوة على توقيع تعاقد باستيراد طائرات F35 التي لا تتيحها الولايات المتحدة إلا لأقرب الحلفاء.

خريطة المستقبل

تجتمع هذه العوامل جميعًا لتؤكد على مركزية وضع المملكة العربية السعودية في الترتيب الإقليمي ككل بما لا يتوفر لأي دولة خليجية أخرى، مهما استطالت الآمال وتمادت التطلعات، وهو ما يجعل من إقالة المملكة من عثرتها همًا إقليميًّا، ولا عجب أن فداحة التهديدات استدعت للمشهد بالفعل دول إسلامية كبرى مثل تركيا وباكستان للشروع في ترتيبات أمنية وعسكرية في إشارة إلى الحاجة للتحضير لمرحلة ما بعد الانسحاب الأمريكي من الخليج المحتمل وربما المرتقب مع التقارير التي تفيد بخطط لإخلاء أو خفض القواعد بالخليج بعد انتهاء الحرب مع إيران لصالح قواعد أكثر وأكبر في إسرائيل والأردن.

إن وزن المملكة العربية السعودية يضع عليها كذلك قيودًا فيما يتعلق بدورها في أي ترتيب إقليمي مستقبلي، إذ إن المملكة بحكم دورها السياسي والثقافي والدبلوماسي أكبر من أن تنزوي تحت جناح مشروع تقوده إسرائيل. مثل هذا الترتيب لن يخدم مصالحها، وسيعرضها لفقدان الكثير من رأسمالها الرمزي والسياسي في العالمين العربي والإسلامي.

المملكة أكبر من أن تتحول لوكيل دولة هي نفسها وكيل للولايات المتحدة في المنطقة خلافًا لقوى ثانوية أخرى في الخليج أقل وزنًا وأهمية، بالتالي أكثر حرية في الحركة، وهو أمر يعيه قادة المملكة جيدًا، وهو ما يفسر بحثهم الغريزي عن ترتيبات مع دول مسلمة وعربية كبرى، على رأسها مصر.

لكن تبقى التفاصيل؛ فإقالة المملكة من عثرتها يستدعي إخراجها من المستنقع اليمني لا توريط فاعلين جدد فيه، كما أن أي دور مستقبلي لبلدان مثل تركيا وباكستان ومصر بجانب السعودية سيمر بالضرورة باحتواء إيران، ودمجها في ترتيب إقليمي يقودونه هم وليس طهران، وبما يخدم مصالحهم المباشرة في أمن السعودية، وهو ثمن سيكون على الإيرانيين قبوله مقابل ترتيب لا يعتمد على الوجود الأمريكي باعتبار أن إخراج الأمريكيين جزئيًّا أو كليًّا من المنطقة كان دومًا الهدف الاستراتيجي الأعلى للجمهورية الإسلامية.

على أن هذا لن يكون معناه أن تأكل إيران الخليج، خصوصًا السعودية، وإذا مددنا الأمر على استقامته فإن مثل هذا الترتيب لن يكون ممكنًا دون أن يعزل إسرائيل عن محيطها الإقليمي، وهذا أمر يعيه الإسرائيليون جيدًا، في ضوء تناقض أهدافهم مع تركيا في سوريا وفي شرق المتوسط، والتوتر مع مصر فيما يتعلق بأي محاولات لتهجير الفلسطينيين من غزة.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.