برخصة المشاع الإبداعي، ويكيبيديا
عنصران من قوات العمليات الخاصة البحرية الأمريكية أثناء تنفيذ عملية في جبال جاجي، أفغانستان، 12 يناير 2002.

من أفغانستان إلى إيران.. ما فشل في الهندوكوش لن ينجح في زاجروس

عندما يُطل المهاجم على جبهات القتال من ارتفاعات شاهقة فلا يرى هزيمته

منشور الثلاثاء 22 أيلول/سبتمبر 2026

بعد 6 سنوات أمضيتها في تغطية الحروب عبر إفريقيا جنوب الصحراء، عدتُ إلى صحيفة الأهرام عام 2006، عُينت محررًا للشؤون الدبلوماسية في منصب يفترض أن يمثل ذروة مسيرتي المهنية. إلا أنه كان بالنسبة لي أشبه بانسحاب مبكر من العمل الميداني بعد سنوات قضيتها في تغطية الحروب، بدءًا من الحرب الصربية الكرواتية مرورًا بالبوسنة وأفغانستان واليمن والكونجو وسيراليون وأنجولا.

ارتباطي النفسي لم يكن بالحروب في حد ذاتها، إنما بالتغطية الصحفية لها، التي تحول إلى ما يشبه الإدمان.

مجددًا إلى الميدان

في الأول من مارس/آذار 2008، جاءني طوق نجاة من روتين المكتب. سألني صديق دبلوماسي في السفارة الأمريكية بالقاهرة سؤالًا كان بداية عودتي إلى الميدان: هل تود العودة إلى أفغانستان؟

أثار السؤال دهشتي؛ ما العلاقة بين صديقي الدبلوماسي وأفغانستان؟ سرعان ما أوضح أنه بجانب عمله مستشارًا سياسيًّا للسفارة، فإنه يعمل ضابط اتصال لحلف شمال الأطلسي بالسفارة الأمريكية لدى مصر.

وقتها كانت مهمة قوة المساعدة الأمنية الدولية/إيساف، التي تقودها الولايات المتحدة في أفغانستان، تعيش حالةً من التعثر. فرغم تفوقها العسكري الساحق، فإنها واجهت مقاومة أفغانية صامدة وشرسة متمثلة في طالبان. في تلك اللحظة، احتاج الحلف أشخاصًا يفهمون طبيعة الأرض، لا جغرافيًّا فحسب، بل من حيث التركيبة الاجتماعية والثقافية أيضًا، لتقديم تقييم موضوعي للموقف، تحديدًا تفقُّد مشروعات البنية الأساسية والتنموية التي قامت بها إيساف وتحري الأسباب التي تدفع للاستمرار في المقاومة رغم كل تلك المساعدات.

كنت قد غطيتُ الحرب بين طالبان والتحالف الشمالي في نهاية تسعينيات القرن العشرين، وعارضتُ الغزو منذ بدايته، محذرًا من تحوله لحرب استنزاف. المفارقة أن تلك المعارضة كانت أحد أسباب دعوتي للعودة. تطّلب الأمر أسبوعين من المناقشات حتى وصلنا إلى اتفاق بألا أراسل جريدة الأهرام خلال المهمة مقابل حقي في النشر بعد انتهائها.

بعد أسبوعين، وجدتُ نفسي مجددًا في شرق أفغانستان، تحديدًا في إقليم كونار، أحد أكثر مسارح الحرب قسوة، فتضاريسه التي تشكل امتدادًا لجبال هندوكوش، حوّلته إلى قلعة طبيعية محصنة. هذه الطبيعة شديدة القسوة تتمنع على أقوى الجيوش، ففي تلك الطبيعة يكون منتهى آمال أي جيش البقاء على قيد الحياة.

قبل أيام من وصولي كابول، اتخذت الإدارة الأمريكية قرارًا بإسناد قوة الإيساف في أفغانستان للجنرال ديفيد ماكيرنان الذي اكتسب شهرة واسعة منذ قيادته الهجوم البري الرئيسي على العراق، وذلك قبل أن يشكّل ما عُرف باسم ميليشيات الصحوة السنية التي انخرطت في حرب ضروس ضد المقاومة العراقية للاحتلال. 

منذ اللحظة الأولي أدركت أن انتقال ماكيرنان هدفه الرئيسي استنساخ تجربته في تأسيس "ميليشيات صحوة" مماثلة في أفغانستان.

التقيت الرجل بعد أيام من وصولي لإجراء حوار معه، وكان أهم ما دار خلاله التالي:

- أظنك أتيت لتستنسخ تجربة ميليشيات الصحوة العراقية في أفغانستان؟

- قد يكون. (قالها الرجل مبتسمًا)

- أحب أن أقول لك إن ما نجح في العراق، سيفشل في أفغانستان.

- وبافتراض أن هذا هو مسعانا، تتوقع فشله؟ (سأل وقد اختفت ابتسامته)

- من لا ينتمي لثقافة المنطقة، سيظن عندما ينظر إلى العراق وأفغانستان أن ما يجمعهما أكثر مما يفرق بينهما. ومن هذا الظن أن المجتمعين قبليان، وهو ما لا يصح إلا جزئيًّا من حيث التركيبة الاجتماعية وفي جانب محدود من العراق، في حين أن كامل المجتمع الأفغاني قبلي. أفغانستان مجتمع قبلي قلبًا وقالبًا، وذلك على العكس من المجتمع العراقي. وعكس ميليشيات الصحوة في العراق، التي لا تمثل إلا نسبة ضئيلة من النسيج العراقي، فإن طالبان ليست تمردًا خارجًا عن المجتمع الأفغاني، بل تتشكل من عرق البشتون، ذي الأغلبية، الضارب بجذوره في نسيجه الاجتماعي. وأي محاولة لاستنساخ النموذج العراقي في أفغانستان لن تفشل فحسب، بل ستأتي بنتائج عكسية، فالاستراتيجية القائمة على سوء فهم بنية المجتمع، أي مجتمع، هي استراتيجية محكوم عليها بالفشل.

استمع الرجل بإنصاتٍ شديدٍ، ثم تفرقنا.

تحذير مبكر

لاحقًا، اختتمت رحلتي بزيارة إلى مقر الناتو في بروكسل، حيث عرضت تقييمي للموقف، لا بصفتي عسكريًّا، إنما باعتباري شرق أوسطيًّا عاش وخبر سبع حروب، بينها حرب ضروس في أفغانستان عندما كانت تحت حكم طالبان، وجاءت إفادتي كالتالي:

- دهشت من قوة النيران التي يمتلكها التحالف، لا سيما القوات الأمريكية، وهي القوة التي يحلم بها أي قائد عسكري، بما في ذلك القدرة على النشر السريع للقوات جوًّا، والتدريب رفيع المستوى للجنود، والدعم المدفعي والجوي الهائل، والإمدادات بلا حدود من المعدات والذخائر والوقود. بكل المقاييس، فإن آلة حرب كتلك لا يمكن هزيمتها، وتفوق بكثير كل ما شهدته طوال مسيرتي المهنية.

- رغم كل ذلك، فإن قوات التحالف تخوض حربًا خاسرة.

- يبدو أن التحالف يعتقد أن النصر يمكن تحقيقه بكسر إرادة طالبان بالقوة المجردة، لا سيما القصف المكثف. وبالتأكيد، هذه الاستراتيجية ليست عديمة الفاعلية فحسب، إنها تأتي بنتائج عكسية، فالضحايا المدنيون لم يضعفوا التمرد، بل أشعلوه.

- قوة النيران، مهما بلغت، تصبح عديمة الجدوى دون معلومات استخباراتية جيدة. وبناءً على ما رأيته، فإن الاستخبارات في أفغانستان يصيبها الشلل؛ كلما ازدادت التكنولوجيا تطورًا من صور أقمار اصطناعية إلى المراقبة الجوية، ازدادت أساليب طالبان بدائية ومراوغة في آن واحد. فمقاتلو طالبان يذوبون في الجبال والصحارى، وبين ظهراني المدنيين، بحيث لم يعد التحالف يحارب عدوًا مرئيًّا، إنما أشباحًا تظهر وتختفي متى شاءت.

- تحولت الحرب من جانب التحالف إلى عملية رد فعل مستمرة، طالبان هي من يضبط إيقاعها، ويكتفي التحالف برد الفعل. من هنا جاء تبني التحالف استراتيجية "البحث والتدمير"؛ تلك الاستراتيجية غير الأخلاقية، والفاشلة استراتيجيًا في الوقت نفسه. وبدلًا من تحقيق الهدف المتمثل في ممارسة الضغط على المقاومة وهزيمتها، تكوّن خزانٌ لا ينضب من المقاتلين الذين تدفعهم مشاعر الكراهية والرغبة في الانتقام. فإذا كان المقصود أن تصبح هذه حرب استنزاف لطالبان، أؤكد أن الأمر يسير في الاتجاه المعاكس تمامًا.

- الأخطر من ذلك محاولات إعادة هندسة تركيبة المجتمع، وإعادة تشكيل موازين القوى المحلية بتمكين بعض الأقليات (شيعة الهزارا على سبيل المثال) على حساب الأغلبية. ففي مجتمع تحكمه الروابط والأعراف والتراتبية القبلية، فإن محاولة العبث بهذا التوازن ليس محكومًا عليها بالفشل فقط، إنما هي بمثابة جلوس على برميل بارود مشتعل.  

ثم جاءت خلاصة التقييم:

- الخيار العسكري للتحالف وصل إلى طريق مسدود.

- التحالف يعاني من هزيمة تختفي وراء مظاهر قوة النيران المفرطة التي يمتلكها.

- السبيل الوحيد للخروج من تلك المصيدة هو الانخراط السياسي مع ممثلين حقيقيين لطالبان، لا مع محاورين انشقوا عن الحركة وباتوا لا يمثلونها.

- التفاوض الآن ليس تنازلًا؛ بل هو السبيل الوحيد إلى خروج يحفظ الكرامة.

- الحروب في بيئة مثل أفغانستان لا تُحسم بالقوة، فالتحالف قد ينتصر في الكثير من المعارك، لكنه يخسر الحرب خسارة فادحة.

وأنهيت حديثي بنصيحة ممزوجة برجاء:

"لقد هُزمتم بالفعل، لكنكم لا تستطيعون رؤية هزيمتكم لأنكم تراقبون جبهات القتال من ارتفاعات شاهقة".

إدراك متأخر

احتاج الناتو إلى ما يقرب اثني عشر عامًا بعد ذلك العرض لإدراك الحقيقة وقبولها قبل الانخراط في مفاوضات مع ممثلين حقيقيين لطالبان في العاصمة القطرية الدوحة تمهيدًا لانسحاب عشوائي في 31 من أغسطس/آب عام 2021. ذلك الانسحاب الذي كان يمكن إخراجه بشكل أكثر كرامة لو استوعب الحلف ما عرضته قبل أكثر من عقد من السنوات.

ولا يسع المرء إلا أن يتساءل: كم من الأرواح كانت ستحفظ من الجانبين خلال تلك السنوات الضائعة؟ وكم من تريليونات الدولارات أُحرقت في حرب يستحيل الانتصار فيها، كان يمكن استثمارها في تحسين الرعاية الصحية والتعليم لدافعي الضرائب في الغرب، بل وفي أفغانستان نفسها؟

في هذا السياق، فإن العمى الاستراتيجي ليس مفهومًا مجردًا بل يجب قياسه بالدماء والوقت والمستقبل الذي جرى تبديده.

مع ذلك، لا يزال الدرس الأعمق عصيًّا، فرغم الاختلاف بين حالتي أفغانستان وإيران، تاريخيًّا وسياسيًّا، وكذلك من حيث بنيوية الدولة، ناهيك عن اختلاف السياقين الإقليمي والدولي بصورة كبيرة، ونجاح الولايات المتحدة المدفوعة بإسرائيل في إيقاع خسائر مادية بالغة على الجانب الإيراني بفضل التفوق العسكري والتكنولوجي، فإن السؤال الأهم ليس ما إذا كانت القوة قادرة على تحقيق نتائج، إنما ما الذي ستفرزه من نتائج في نهاية المطاف؟

اليوم، مع استمرار الصراع مع إيران، أتذكر جبال الهندوكوش في أفغانستان. وإن اختلف الموقع الجغرافي فالتضاريس هي ذاتها، والهم واحد في الحالتين. جبال زاجروس ليست الهندوكوش، لكنها تحمل الحقيقة الاستراتيجية نفسها: حينما وحيثما تمتزج التضاريس بالهوية في دولة ما، فإن تلك الدولة تكون عصية على الخضوع لقوة خارجية مهما بلغت قوة الأخيرة.

مغامرة جديدة

هناك من لا يزال يعتقد أن الضغوط الاقتصادية والعسكرية أو العمليات السرية يمكن أن تفكك إيران من الداخل، وأن الانقسامات الداخلية يمكن تسليحها وتوظيفها، على غرار الحسابات القبلية الفاشلة التي اختُبرت في أفغانستان. وهذه قراءة خطيرة ومضللة.

وفي هذا السياق، بدأت الولايات المتحدة مؤخرًا حربًا اقتصادية تستهدف خنق الاقتصاد الإيراني وقطع شرايينه مع العالم،

 وهي حرب لا تقل قسوة وشراسة عن الحرب العسكرية.

غير أن تجربتي في أفغانستان، ومرة أخرى، علمتني أن الحرب الاقتصادية، حين تتشابك مع الحرب العسكرية، لا تؤدي بالضرورة إلى كسر إرادة الدولة، ومن ثم المجتمع الذي يتعرض لها. وفي هذا السياق، أتذكر أنني كنت أتوجه إلى مكاتب الصرافة الأفغانية لتغيير بضعة دولارات إلى العملة المحلية، وكانت ضخامة حجم الأوراق النقدية تجعلها أشبه لكتلة من الورق منها إلى نقود. وكان الصرافون يتعاملون مع الكميات الكبيرة بالوزن بدلًا من العدّ.

المشهد على بساطته كان، بالنسبة لي، شديد الدلالة إزاء العلاقة بين انهيار قيمة العملة المحلية وإرادة المجتمع. فقد تسحق الحرب قيمة العملة المحلية، وتستنزف الاقتصاد، وترفع الأسعار، وتُفقر الناس؛ لكنها لا تضمن تحويل الألم الاقتصادي إلى استسلام سياسي. فبعد عشرين عامًا من الحرب والاحتلال والإنفاق العسكري الهائل، اضطرت الولايات المتحدة إلى الانسحاب من أفغانستان في مشهد اتسم بالفوضى، مخلفةً حقيقةً استراتيجيةً واضحةً هي: نعم، تستطيع القوة العظمى جعل حياة خصمها أكثر قسوةً، لكنها لا تستطيع بالضرورة جعله أكثر استعدادًا للخضوع. هذه المفارقة ينبغي ألا تغيب عن صانع القرار في واشنطن اليوم.

العقوبات والحصار الاقتصادي قد يضعفان الدولة، لكنهما قد يؤديان في الوقت نفسه إلى تعزيز شعور المجتمع بخوضه معركة بقاء، خاصة عندما تتزامن الضغوط الاقتصادية مع الضربات العسكرية. عند هذه النقطة، لا يصبح السؤال: ما هو مقدار الألم الذي تستطيع الولايات المتحدة أن تنزله بإيران؟ إنما: هل تستطيع تحويل هذا الألم إلى استسلام؟ التاريخ الذي خبرته في أفغانستان لا يقدم لواشنطن إجابة مطمئنة على هذا السؤال.

إيران، مثل أفغانستان، ليست مجرد دولة، هي حضارة راسخة الجذور؛ الضغط الخارجي عليها لا يضعفها، بل كثيرًا ما يعزز تماسكها. في أفغانستان، لم تؤدِّ خسائر الأرواح إلى إضعاف المقاومة، إنما غذّتها. المنطق نفسه ينطبق على إيران وكثير من الدول الأخرى، فالضغط يؤدي في الغالب إلى توحيد القوى ذاتها التي يسعى المعتدي إلى تفكيكها.

ما فشل في الهندوكوش سوف يفشل على الأرجح في زاجروس، لكنه قد يخلّف بالقدر ذاته مشهدًا ممزقًا، وعدم استقرار طويل الأمد، وتداعيات تمتد إلى ما هو أبعد بكثير من أي مكاسب فورية.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.