برخصة المشاع الإبداعي، Adam Jones، فليكر
بوستر لآية الله الخميني في طهران، يونيو 2012

ماذا ننتظر من النخبة الإيرانية الجديدة وقد وضعت الحرب أوزارها؟

منشور الثلاثاء 16 حزيران/يونيو 2026 - آخر تحديث الثلاثاء 16 حزيران/يونيو 2026

تكرر استخدام وزارة الخارجية الإيرانية صورَ الأثر الفارسي القديم المعروف بـ نقش رستم طيلة الصراع الممتد مع الولايات المتحدة وإسرائيل؛ تارة للتأكيد على صلابة موقفها وتحديها تهديدات ترامب المتكررة، وتارة أخرى للإشارة إلى فحوى الاتفاق الذي أنهى الحرب بشروطٍ تراها طهران نصرًا.

قد لا يولي البعض أهميةً خاصةً للمسألة خصوصًا لدينا نحن المصريين، وقد اعتدنا استدعاء صور الآثار المصرية القديمة لا في الصراعات السياسية فحسب بل في مباريات كرة القدم وغيرها من مناسبات الإجماع الوطني، لكن للأمر ما يميزه في الحالة الإيرانية، فنظام الجمهورية الإسلامية منذ تأسيسه مطلع الثمانينيات من القرن الماضي مال إلى التقليل من إيران الفارسية لصالح المكون الإسلامي الشيعي في الهوية الإيرانية المعاصرة.

ولا يخفى أن التحول الديني في إيران إلى الإسلام حدث بُعيد سقوط الإمبراطورية الساسانية في مواجهة الفاتحين العرب، ورغم استمرار الهوية الفارسية ممثلةً في اللغة (وإن اختلفت كثيرًا عن الفارسية الساسانية)، فإن زوال الإمبراطورية وإلحاق إيران بالخلافة العربية طالما عُدَّ كارثةً قوميةً إلى حد كبير، خلافًا لحال مصر التي كانت مجرد ولاية في الإمبراطورية البيزنطية، ووقع فيها التحول عن المسيحية إلى الإسلام بعد قرون من انقطاع العلاقة إلى حد كبير بالثقافة المصرية القديمة.

ولا غرابة أنَّ المعارضين للنظام الإيراني وجدوا في التأكيد على الهوية الفارسية السابقة على الإسلام سبيلًا لمقاومة النظام ذي الأيديولوجيا الإسلامية.

استدعاء تراث فارس

نقش يُظهر انتصار شابور الأول على الإمبراطور الروماني فاليريان

منذ حرب الاثني عشر يومًا بات أن النظام الإسلامي أكثر انفتاحًا على استدعاء التراث الفارسي السابق على الإسلام بشكلٍ ملحوظ، خاصة نقش رستم، وهو موقع تراثي فريد في محافظة فارس جنوب البلاد يحمل نحتين بارزين تخليدًا لانتصار كسرى شابور الأول (240-270م) ثاني أكاسرة فارس الساسانيين على الرومان.

يُظهر النقش الأول كسرى فارسًا معتليًا حصانه، ممسكًا سيفه في غمده مادًا يده الأخرى لشخصين يرتديان زيًا رومانيًا، أحدهما راكع على ركبتيه، وهو الإمبراطور فاليريان الذي هزمه شابور في معركة الرها وأسره وأبقاه أسيرًا إلى حين وفاته، والآخر الذي يمد يده للسلام على شابور من موقع ذل، هو الإمبراطور فيليب العربي ذو الأصل الدمشقي، الذي تلى فاليريان في الحكم، واضطر لتوقيع اتفاق قدم فيه تنازلات جمة لكسرى.

يٌفهم من هذا أن الرومان الجدد هم الأمريكيون والإسرائيليون، ومن ثَمَّ يأتي استدعاء النظام لتراث ما قبل الإسلام لدعم أيديولوجيا المقاومة في لحظة صراع وجودي تواجه النظام.

لكن النقش الثاني يبرز توترًا كبيرًا للنظام الإسلامي، إذ يُظهر أردشير الأول مؤسس الإمبراطورية الساسانية، وهو يتقلد تاج الملك من آهورامازدا، الإله المعبود قبل الإسلام، وصور كإنسان يمتطي جوادًا هو الآخر.

 في لحظات الاصطفاف تتسع الرمزيات ليتداخل فيها الديني والوطني لصالح سرديات كبرى تدور حول الصمود أو المقاومة أو الكرامة، وهذا غير مستغرب حتى لنظام شمولي ديني. لكنْ ما يمكن استشفافه من تغيُّر الخطاب في لحظة مفصلية، يمكن وصفها بالتأسيس الثاني لنظام الجمهورية الإسلامية، هو الحضور المتزايد للمكون الفارسي بجانب المكون الإسلامي، لا فحسب فيما يتعلق بهوية النظام بل في توجهه للجماهير، بما يعطي تصورًا لا لبس فيه أن إيران والإيرانيين أولوية، ومن هنا يأتي الإصرار على رفع العقوبات الاقتصادية ورد الأصول المجمدة وغيرها من وسائل وضع الشعب الإيراني على مسارٍ للتعافي الاقتصادي بعد معاناة طويلة للغاية مع العقوبات ثم الحرب.

أردشير الأول يتقلد تاج الملك من الإله آهورامازدا                                                                                           

يبدو أن هذه الأولوية كانت حاضرةً بقوة ومأخوذةً بعين الجدية أثناء المفاوضات، جنبًا إلى جنب مع توجهات النظام الإقليمية التي لا تقتصر على الشأن الداخلي، بل تحمل تصورًا استراتيجيًا لبناء تحالفات صلبة مع قوى سياسية ومسلحة في أرجاء الإقليم، تتوافق مع النظام على الأقل في شق المقاومة، إن لم يكن في نظرية ولاية الفقيه، على أن يكون الهدف الاستراتيجي حصار إسرائيل من ناحية، وإخراج الولايات المتحدة من المنطقة من ناحية أخرى.  

كثيرًا ما أتى التوجه الإقليمي الأيديولوجي على حساب التوجه نحو الداخل الإيراني، إذ استدعى دعم إيران للمقاومة المسلحة في لبنان وفلسطين فرض عقوبات على إيران وصولًا إلى إقصائها عن الكثير من تفاعلات النظام الاقتصادي العالمي الذي لا تزال الولايات المتحدة في قيادته.

كان اتفاق 2015 محاولةً ناجحةً للتوفيق بين التوجهين؛ احتفظت إيران ببرنامجها النووي -رغم تخفيض التخصيب- مقابل رفع العقوبات والسماح للاقتصاد بمعاودة النمو، لكن في المقابل لم يكن برنامجها الصاروخي محلًا لأي قيد، ولا دعمها لأي من الأذرع العسكرية المحسوبة على المقاومة.

الضربة التي قوَّت إيران

قبيل اندلاع الحرب الأخيرة كنا نقول إن الإيرانيين أسرى لاتفاق 2015، إذ لا يزالون يدورون في فلكه بينما أتى إليهم ترامب بحاملات الطائرات والقاذفات الاستراتيجية ليصفي برنامجهم النووي نهائيًا، ويقيّد مدى صواريخهم ويفكك أذرعهم العسكرية في المنطقة بل وربما يقضي على النظام الإسلامي برمته ويعيد ابن الشاه أو أي عميل آخر ليدير البلاد لصالحه ولصالح إسرائيل.

الآن، انتهت الحرب (أو المغامرة التي بدأت في 28 فبراير/شباط)، ويبدو أن الإيرانيين نجحوا في إعادة فرض شروط 2015 بعد استنفاد الأمريكيين ورقة استخدام القوة ضدهم دون تحقيق أي نتائج واضحة المعالم، اللهم إلا إعادة فتح مضيق هرمز الذي لم يكن مغلقًا قبل الحرب.

تنطبق مقولة نيتشه "الضربة التي لا تقتلني تقويني" على حال إيران اليوم، لكن هذا لا يعني أن النظام الحاكم تحرر من التناقضات التي حكمت خياراته عقودًا طويلة، فهو لا يزال يعاني من أزمة شرعية فاقمتها الأزمات الاقتصادية المتلاحقة في العقد الأخير.

لكنه في الوقت نفسه أثبت تماسكًا مذهلًا، وقدرةً على الصمود، ولعل الأهم أنه مؤسَّسٌ على طبقة سياسية عريضة مكنته من تجاوز خسارة رأس السلطة في اليوم الأول للحرب.

سوف يقف النظام إزاء خيارين حاسمين: إما أن يستكمل الطريق الأول بإعادة الاستثمار في ترميم قدراته العسكرية وتحالفاته في المنطقة استعدادًا لمواجهات مقبلة، وصولًا إلى إنتاج سلاح نووي يردع أي عدوان مستقبلي، أو أن يسلك طريقًا تُمكِّنه من التعافي وترميم شرعيته وإعادة إطلاق النمو، وربما حتى استغلال قاعدته التكنولوجية والصناعية لأغراض مدنية في المستقبل القريب، من خلال الاندماج في التجارة والاستثمار العالميين، بالتفاهم مع الولايات المتحدة التي اختبرت حدود قوتها كما عرفت ثمن التماهي مع المصالح الإسرائيلية.

ثمة مساحة يمكن التوفيق فيها بين بعض مكونات الخيارين، بربط دور إيران الإقليمي بمصالحها الأمنية المباشرة لا بالالتزام الأيديولوجي بتصدير الثورة أو بالمقاومة ضد الإمبريالية.  

على كلٍّ، لن يكون هذا سهلًا إذ سيضع محل الاختبار قدرة التركيبة الجديدة للنظام على تنسيق الفاعلين المختلفين ذوي الأولويات المتفاوتة، كما سيمتحن قدرة النخبة الجديدة على إعادة تأسيس النظام جماهيريًا.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.