تصميم: أحمد بلال، المنصة 2026
مزيد من الحروب يشعلها ترامب

"اليوم التالي".. هل يلدغ العرب من جحر ترامب مرتين؟

منشور الاثنين 21 أيلول/سبتمبر 2026

قبل عام تقريبًا، وعلى هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك العام الماضي، جمع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عددًا من قادة الدول العربية والإسلامية، ليعرض عليهم خطته لإنهاء الحرب على غزة وترتيبات "اليوم التالي" في القطاع.

طرح ترامب على الحضور تصوراته لمرحلة ما بعد الحرب، التي شملت إدارة غزة دون أي دور لحركة حماس، ومشاركة جزئية للسلطة الفلسطينية، وإعادة إعمار القطاع، وترتيبات أمنية وسياسية جديدة، وذلك بعد أن تسلم حماس ما تبقى من الأسرى الإسرائيليين وجثامين القتلى، وتعّهد بمنع إسرائيل من ضم أجزاء من الضفة الغربية، وسحب قواتها تدريجيًا من غزة، وزيادة المساعدات الإنسانية.

"غادرنا الاجتماع مفعمين بالأمل.. ولأول مرة شعرنا بوجود خطة جادة على الطاولة.. يريد الرئيس ترامب إنهاء الحرب، وأن نضع حدًا لهذا الفصل المروع خلفنا، وأن نتمكن من المضي قُدمًا نحو مستقبل أفضل في المنطقة"، هكذا صرح أحد الحضور العرب عقب انتهاء الاجتماع.

لم يكتفِ قادة الدول العربية والإسلامية بقبول خطة ترامب لـ"السلام الأبدي"، بل إن بعضهم تولى مهمة تسويقها باعتبارها الطريق الوحيد لإنهاء المذبحة الإسرائيلية في غزة، ومارسوا أقصى درجات الضغط على المقاومة الفلسطينية لقبول المبادرة الأمريكية التي كان هدفها الأساسي، إنقاذ إسرائيل من عزلتها الدولية.

حققت الخطة الأمريكية لإسرائيل ما فشلت في تحقيقه بالحرب، إلا أن تل أبيب لم تنفذ ما عليها من التزامات، تسلمت أسراها وجثامين قتلاها، ولم تنسحب أو توقف عمليات القتل الممنهج لسكان قطاع غزة. وفي الضفة الغربية، واصلت إجراءاتها على الأرض لتوسيع الاستيطان ومصادرة الأراضي وفرض وقائع جديدة، واستمر إرهاب المستوطنين وعمليات الهدم والتهجير.

خدعة جديدة؟

لم يحل "اليوم التالي" الذي بشر به ترامب، وظلت الأوضاع المأساوية قائمة وتتفاقم يومًا بعد يوم، سواء في قطاع غزة حيث تزداد الأزمة الإنسانية سوءًا أو في الضفة الغربية، ولم يحرك أيٌ من القادة الذين حضروا الاجتماع الترامبي ساكنًا؛ إذ لم تتجاوز ردود فعلهم إصدار بيانات شجب وإدانة لا ترفع عن الشعب الفلسطيني مظلمة، ولا توقف متوالية الجرائم والانتهاكات الإسرائيلية.

يعلم من حضروا اجتماع ترامب أن الرجل لن ينفذ وعوده، إما لأن قناعاته تتفق مع المشروع الصهيوني، أو لأن عليه استحقاقات تجاه تيار اليمين الصهيوني في الولايات المتحدة لا يستطيع التنصل منها. ويعرفون جميعًا أنه لا يتردد في إطلاق الوعود ثم التراجع عنها، أو في تقديم الرواية التي تخدمه في لحظة، ثم الانتقال إلى رواية أخرى عندما تتغير مصالحه. ومع ذلك، أعلنوا مباركتهم لخطته، لأنهم لا يستطيعون المجاهرة برفض مبادرة "فخامة الرئيس".

والآن يعود "اليوم التالي" إلى نيويورك، لكن هذه المرة ليس من باب غزة، وإنما من باب الحرب التي شنها ترامب وشريكه نتنياهو على إيران، والتي تحولت إلى حرب إقليمية واسعة، امتدت تداعياتها إلى الخليج وباب المندب وطرق التجارة والطاقة.

فهل يُلدغ العرب من جحر ترامب مرتين في عام واحد؟ فالرجل يدعوهم مجددًا إلى الطاولة، ويطلب منهم أن يناقشوا معه شكل المنطقة بعد انتهاء حرب هو نفسه أحد أطرافها الرئيسيين.

والتجربة السابقة ماثلة أمامهم؛ كل ما وعد به بشأن غزة تبخر في الهواء.. إسرائيل لا تزال تمارس جرائمها تحت الغطاء الأمريكي، واستحقاقات "اليوم التالي" معلقة على نتائج انتخابات الكنيست الإسرائيلي.. فلماذا يفترض العرب أن يكون "اليوم التالي" الإيراني مختلفًا؟

لا يتعلق الأمر فقط بعدم الثقة بنوايا ترامب، وإنما بفهم مصالحه، فالرئيس الأمريكي يسعى للخروج من الحرب بأقل تكلفة سياسية وعسكرية ممكنة، خصوصًا مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونجرس.

يحتاج ترامب إلى أن يقدم للناخب الأمريكي إنجازًا يستطيع تسويقه باعتباره انتصارًا، بعد حرب دخلت شهرها السابع ولم تنته كما وعد، ولم تحقق أيًا من الأهداف التي أعلنها، فضلًا عن أنها ألحقت أضرارًا بالغةً بمصالح الولايات المتحدة وهيبتها.

يبحث ترامب في جعبة العرب عن مخرج من المأزق الذي حشر نفسه فيه، يحتاج أموالهم، ونفطهم، وأسواقهم، وترتيباتهم الأمنية، وقدرتهم على استيعاب نتائج الحرب، وربما يحتاج إلى تقديمهم كشركاء في صناعة "اليوم التالي"، حتى لا يبدو أن الولايات المتحدة هي التي أشعلت الحرب ثم تركت المنطقة تدفع ثمنها.

قبل أسابيع تحدث الرجل صراحة عن ضرورة أن تدفع دول الخليج مقابل ما تعتبره واشنطن حماية أمريكية للمنطقة الغنية بالنفط، أي أنه يضغط كي تدفع دول الخليج كلفة المغامرة التي خاضها بناءً على رؤية أمريكية قاصرة وتقديرات إسرائيلية مغرضة.

من طرفٍ واحد

وفي الوقت الذي يبحث فيه ترامب عن مخرج لدى حلفائه الخليجيين الذين يريد أن يحملهم مسؤولية مغامرته، لا يشعر بالحرج من المجاهرة بالتخلي عن دعمهم، إذ رفض نجدة السعودية، التي يفترض أنها أحد أهم حلفاء واشنطن في المنطقة، رغم أن ولي عهدها محمد بن سلمان طلب منه التدخل عسكريًا ضد الحوثيين بعدما اقتربوا من السيطرة على مناطق استراتيجية عند مدخل البحر الأحمر، واتصل به مرتين، دون جدوى.

ولم يتوقف الأمر عند ذلك، ففي الوقت الذي كانت فيه القوات المدعومة من السعودية تتعرض لهجوم حوثي واسع، كان مسؤولون أمريكيون يجلسون مع ممثلي الحوثيين في مسقط للتفاوض.

فهل يحتاج العرب إلى دليل آخر على أن واشنطن لا ترى المنطقة إلا من زاوية مصالحها ومصالح شريكتها إسرائيل؟

ترامب لا يخوض هذه الحرب لإنقاذ الشرق الأوسط من إيران كما يدعي، بل يخوضها وفق حساباته الأمريكية والإسرائيلية.

ليس مطلوبًا من الدول العربية أن تنحاز إلى إيران، ولا أن تتجاهل تهديداتها وأطماعها الإقليمية، لكن لا ينبغي عليها أن تمنح ترامب وإسرائيل شيكًا على بياض.

إيران خصم يمكن للدول العربية التعامل معه، ومفاوضته، وضبط علاقتها به وفق مصالحها، ويمكن بترتيبات مع قوى إقليمية ودولية أخرى أن تسوي خلافاتها معها بل وتدشن اتفاقيات ومعاهدات اقتصادية ودفاعية تضمن أمن المنطقة ومصالحها التي تتقاطع مع الأجندة الأمريكية الإسرائيلية.

أما أن تتحول الحرب الأمريكية الإسرائيلية إلى ذريعة لتسليم واشنطن مفاتيح المنطقة مرة أخرى، فذلك يعني أن العرب لم يتعلموا شيئًا مما جرى في غزة.

لا ينبغي أن يدخل العرب اجتماع نيويورك الذي دعاهم إليه ترامب قبل أيام، وهم في موقف الضعيف الذي ينتظر ما سيطرحه الرئيس الأمريكي، بل عليهم أولًا أن يعدوا جردة حساب للولايات المتحدة التي اعتادت أن تأخذ ولا تدفع، ودأبت على الانحياز لعدونا الصهيوني، على حساب الدول التي تضخ في شرايين اقتصادها تريليونات الدولارات سنويًا.

يجب على العرب أن يسألوا أنفسهم أولًا، هل نحن من سنصنع مستقبل منطقتنا، أم سنظل مجرد ممولين ومقاولين لتنفيذ ترتيبات صاغتها واشنطن وتل أبيب؟

لقد ابتلع العرب الطعم مرة، ضغطوا على الفلسطينيين، وقدموا تنازلات، وباركوا خطة ترامب، وانتظروا "اليوم التالي"، لكنه لم يأتِ.

والآن يعود ترامب بالطعم نفسه؛ يطلب من العرب مساعدته في إنهاء الحرب، وإنقاذه من المستنقع الإيراني، ويطرح عليهم تصوره لـ"اليوم التالي".. لكن من يضمن ألا يكون "اليوم التالي" الجديد مجرد نسخة أخرى من "اليوم التالي" في غزة؟

قد تكون الحرب على إيران بداية تحول في النظام الدولي، وقد يشهد "اليوم التالي" تراجع التفرد الأمريكي وصعود عالم متعدد الأقطاب، وهو ما يفرض على العرب إعادة النظر في رهاناتهم، والكف عن الارتهان للولايات المتحدة، والبحث عن موقع أكثر استقلالًا في عالم يتغير.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.