حصار الصحافة ومكافحة الفساد بـ"النية"
العلاقة بين حرية الصحافة ومكافحة الفساد طردية؛ كلما تراجعت مستويات حرية الصحافة في الدول تزايدت معدلات الفساد؛ والدول الأكثر فسادًا هي التي تغيب عنها قواعد الشفافية والإتاحة والمحاسبة، وتنحسر فيها مساحات حرية الصحافة ونشاط المجتمع المدني.
لا يمكن الحديث عن مكافحة الفساد في ظل غياب صحافة حرة قادرة على الوصول إلى المعلومات والبيانات. فتقييد حق الصحفيين في أداء واجبهم المهني يحجب أوجه الخلل في إدارة المال العام، ويضعف الرقابة على مؤسسات الدولة، ويعطل مساءلة المسؤولين ومحاسبتهم نيابة عن المواطنين.
وتعتبر منظمة الشفافية الدولية حرية الصحافة أحد المعايير الأساسية في تقييمها لمدى انتشار الفساد في أي دولة. ووفقًا لقواعد المنظمة "من المستحيل تحقيق الحد الأقصى من الاستقرار السياسي والنمو الاقتصادي والديمقراطية بدون تدفق المعلومات بحرية".
قيود الصحافة تحرر الفساد
إذا أرادت دولةٌ ما تحقيق التفوق السياسي والاقتصادي القائم على سيادة القانون والشفافية والحكم الرشيد، فمن الضروري أن تعتمد قانونًا للحق في الحصول على المعلومات، وأن ترسي مبدأ الكشف الأقصى، وأن تبقي مؤسساتها الحكومية مفتوحةً أمام رقابة الصحافة، بما يمكنها من ممارسة دورها بوصفها سلطة رابعة تخضع المسؤولين الحكوميين لمساءلة الشعب ومحاسبته.
ويقدم مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 صورة دالة على استمرار الأزمة في بلادنا، التي لا يؤمن حكامها حتى هذه اللحظة بأن حرية الصحافة ركيزة أساسية لبناء الدول واستقرارها، ويعتقدون للأسف أن وجود رقيب شعبي يضع أداءهم تحت المجهر لصالح المواطنين هو شكل من أشكال التربص المرفوض.
حصلت مصر على 30 نقطة من 100 على مؤشر منظمة الشفافية الدولية، الذي يقيس تصورات الخبراء ودوائر الأعمال عن فساد القطاع العام. ومع أن النتيجة لا تمثل إحصاءً مباشرًا لوقائع الفساد، فإنها مؤشر على حجم التحديات التي تواجه النزاهة والشفافية في المؤسسات العامة.
ورغم ما يقال عن جهود مبذولة واستراتيجية تسعى الدولة إلى تطبيقها في هذا المجال، فإن ترتيب مصر الذي لم يتغير عن العام السابق يؤكد استمرار التعثر وعدم إحراز أي تقدم ملموس، وهو ما لا يمكن فصله عما يجري من تضييق على الصحافة وملاحقة الصحفيين وحجب المعلومات.
كيف يمكن كشف الفساد وملاحقة أسبابه إذا كانت الصحافة التي تبحث في الوقائع، وتدقق في الأرقام، وتختبر الروايات الرسمية محاصرة؟ وكيف يمكن تحقيق الرقابة والمحاسبة إذا ظلت المعلومات المتعلقة بالإنفاق العام والمشروعات والقرارات الحكومية بعيدة عن متناول المواطنين والصحفيين؟
ليست مطالبَ للمعارضة
تعد مصر من أسوأ دول العالم في حرية الصحافة؛ إذ احتلت المرتبة 169 من أصل 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة لعام 2026، الصادر عن منظمة مراسلون بلا حدود، التي تصنفها ضمن الدول التي تواجه وضعًا "صعبًا للغاية".
المفارقة أن الرئيس عبد الفتاح السيسي تحدث أكثر من مرة عن ضرورة انفتاح الإعلام وإتاحة الرأي والرأي الآخر؛ ففي أغسطس/آب 2025، وجه بترسيخ هذا المبدأ داخل المنظومة الإعلامية، مؤكدًا أهمية احتضان الآراء المختلفة، ثم عاد في يوليو/تموز الماضي ليتحدث عن فتح المجال أمام الحوار الإعلامي الموضوعي وعن ضرورة إمداد المواطنين بالمعلومات الحقيقية حتى تتكون رؤيتهم على أساس بيانات مدققة.هذه إذًا ليست مطالب للمعارضة أو النقابات والمنظمات المعنية بحرية الصحافة، بل يمكن اعتبارها دعوة معلنة من رئيس الجمهورية، غير أن الاختبار الحقيقي لأي حديث عن حرية الإعلام لا يكون في تكرار الدعوات، بل في السياسات التي تترجمها إلى واقع.
هنا تظهر المسافة الشاسعة بين القول والفعل، فبدلًا من تحويل الحديث المتكرر عن حرية الصحافة وتوسيع المساحة أمام "الرأي الآخر" إلى سياسات ملموسة، نجد سلطة ضاقت ذرعًا بأي رأي مخالف، وتواصل إجراءاتها التي تجعل ممارسة الصحفيين مهامهم عملًا محفوفًا بالمخاطر.
في سبتمبر/أيلول الماضي، ألقي القبض على فريق تحرير منصة متصدقش، التي تعمل في التحقق من المعلومات ومراجعة الادعاءات المتداولة؛ وفي 27 أكتوبر/تشرين الأول صدر حكم قضائي بتغريم لينا عطا الله، رئيسة تحرير مدى مصر ثلاثة ملايين جنيه، وإغلاق الموقع ومصادرة معداته، في قضية تتعلق بإدارة موقع إلكتروني دون ترخيص، استنادًا إلى قانون تنظيم الصحافة والإعلام الذي صدر عام 2018 رغم اعتراض عدد كبير من أبناء الجماعة الصحفية الذين اعتبروه محاولة لتقنين حصار الصحافة.
إصلاح تشريعي وتطبيقه
تكشف القضيتان حجم الأزمة التي تمر بها الصحافة المصرية، بشقيها السياسي والتشريعي؛ فعلى الرغم من وجود نصوص دستورية واضحة تحظر الحبس في قضايا النشر والعلانية، وتتيح إصدار الصحف بالإخطار، لا تزال هناك مواد في المنظومة القانونية تضع عقوبة الحبس سيفًا على رقاب الصحفيين، فيما سُنت قوانين تشرعن الحجب والمنع، وتضع مزيدًا من العراقيل أمام إصدار الصحف.
يضاف إلى ذلك غياب قانون ينظم حرية تداول المعلومات وإتاحتها، رغم أن المادة 68 من الدستور تلزم الدولة بإتاحة المعلومات والبيانات والإحصاءات والوثائق الرسمية، وتنظم حق المواطنين في الحصول عليها، مع مراعاة الاستثناءات التي يحددها القانون.
وغياب هذا القانون لا يحرم الصحفيين وحدهم من أدوات عملهم، بل يحرم المجتمع كله من حقه في معرفة كيفية إدارة موارده، وتقييم نتائج السياسات العامة، ومقارنة الوعود الحكومية بما تحقق فعليًا.
قبل أيام، تقدم النائب فريد البياضي عضو مجلس النواب عن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، بطلب إحاطة إلى الحكومة لمساءلتها عن أسباب التراجع في مؤشر مدركات الفساد العالمي، الذي احتلت فيه مصر المركز 130 من بين 182 دولة، وما يمثله ذلك من إهدار للمال العام في ظل أوضاع جيوسياسية صعبة.
المفارقة أنه رغم تراجع مصر في مؤشر مدركات الفساد، تؤكد مؤسسات الدولة أنها تواجه الفساد، وأطلقت قبل نحو عشر سنوات استراتيجية وطنية لمكافحته، تنتهي مرحلتها الثالثة بعد ثلاث سنوات.
وتتضمن الاستراتيجية ثلاثة محاور رئيسية؛ أولها إصدار القوانين واللوائح التي من شأنها تحقيق مكافحة الفساد، وثانيها تمكين الجهات الرقابية والقضائية القائمة من العمل على إنفاذ الاستراتيجية، وثالثها توافر الإرادة الحقيقية لدى القيادة السياسية لمكافحة الفساد، دون تستر على الفساد أو المفسدين، أيًا كانت مناصبهم أو مواقعهم.
ولعل التحرك البرلماني الأخير، الذي استند إلى نتائج مؤشر مدركات الفساد لعام 2025، يدعو إلى التساؤل عن مدى فاعلية الاستراتيجية التي تبنتها الحكومة، ويضعنا أمام سؤال جوهري: هل توجد إرادة حقيقية لمكافحة الفساد دون تستر، في ظل التضييق على الأداة التي يفترض أن يكون لها دور أساسي في كشف الفساد والمفسدين، وهي الصحافة الحرة؟
لا يكفي إعلان الدولة امتلاكها استراتيجية لمكافحة الفساد، ولا أن تطالب وسائل الإعلام بإتاحة الرأي الآخر، إذا كانت تحاصر المنصات الصحفية القادرة على اختبار نتائج هذه الاستراتيجية؛ فمكافحة الفساد لا تتحقق بإعلان نوايا بل بوجود منظومة تسمح بكشف المخالفات ومحاسبة المسؤولين عنها، وتضمن ألا يكون من يملك السلطة هو نفسه من يحدد ما يجوز للمجتمع أن يعرفه.
الصحافة الحرة ليست ترفًا، ولا امتيازًا يخص الصحفيين دون غيرهم، بل ضمانة للمجتمعات والدول التي تسعى إلى إرساء قواعد النهضة وتحقيق الاستقرار الحقيقي.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.