الإنسان ليس حيوانًا، وطلب المعنى على رأس أولوياته، وإذا لم يجده في الحياة سيطلبه في الموت. - Pixabay

قتلُ المُحب وقتلُ السلطة: بين الذكورة المتباهية والمقهورة

منشور الأحد 21 أغسطس 2022 - آخر تحديث الأحد 21 أغسطس 2022

الثلاثاء 9 أغسطس/آب، جريمة قتل جديدة على مرأى من المارة. طعنَ الطالب إسلام محمد الطالبة سلمى بهجت 17 طعنة نافذة، في مدخل عمارة بالزقازيق. اتخذت الجريمة نفس مسار جريمة المنصورة في 22 يونيو/حزيران، وكأن قاتل المنصورة يعيد تمثيل جريمته في الزقازيق، كلاهما قصد الاستعراض، الأول ارتكب جريمته أمام الجامعة والثاني بالقرب من محكمة الجنايات.

وجوه التشابه العديدة كانت سببًا لتجريد سلمى بهجت من اسمها لتصبح "نيرة أشرف الجديدة" أو "نيِّرة الزقازيق"، في العديد من المنشورات الصحفية ومواقع التواصل الاجتماعي.

 كلا القاتلين لديه قائمة اتهام ضد ضحيته: أحبَّها، أنفقَ عليها، ساعدها في دراستها، وزاد إسلام بأن صنع فيلمًا باسم سلمى، ووشم اسمها على جسمه، وأهداها هدايا قيمة، وهو لا يُنفق عن سعة، لكي نطالبه بنسيان ما أنفقه. قال إنه كان يشتري لها هدايا من متجري إكسسوار سمّاهما بالاسم باعتبارهما أفخر ما في الحياة. لكن أسعار منتجات الماركتين اللتين ذكرهما ليست عالية، ففيها هدايا أقل من الألف جنيه، أي أقل من فاتورة كافيه لحبيبين آخرين، لكنها بالنسبة له مرهقة أشد الإرهاق.

وجعلته تضحياته تلك يعتقد أن الفتاة صارت ملكية خاصة له. ومثل محمد عادل (قاتل نيرة) أرسل يهددها بالقتل. في إحدى رسائله عبَّر إسلام صراحة عن هذا الامتلاك "إنت بتاعتي" وتكمل بقية الرسائل صورة هوس يتمثل في التأكيد أن حبه لها لن ينتهي، لكن حياتها ما ستنتهي.

في القضيتين برز تساؤل "ماذا حدث للمصريين؟"، الذي كان موضوعًا لكتابين في السنوات العشر الأوائل من الألفية الجديدة، للأستاذين جلال أمين وخليل فاضل. انطلق تساؤل أستاذَيْ العلوم الاجتماعية والنفسية من فرضية وجود شعب واحد دفعه فقدان الأمل إلى طرق الدفاع عن النفس بالجريمة العادية وإهدار القيم، لكنَّ ذلك الدفاع عن النفس صحح نفسه في شكل ثورة في 25 يناير، بدت هدفًا وأعطت حياة الكثيرين معنى، لكنها تعرضت للإجهاض والتشويه. وأعقبها سلوك سياسي واقتصادي وسَّع من شقة التفاوت وانعدام الأمل لدى قطاعات واسعة، وتضافر ذلك التفاوت الاقتصادي مع التصدع الاجتماعي الذي خلقه تعدد أنواع ومستويات التعليم وانتماءاتها الدولية والدينية.

والآن، بعد عشرات السنين من تشرذم التعليم يجب أن يكون السؤال "ماذا حدث للشعوب المصرية؟" لأن دراسة هذه الجماعة التي تستوطن هذه الرقعة من الأرض وتبلغ الآن مئة مليون من البشر لا يمكن أن يُفضي إلى نتائج دقيقة إذا اعتبرنا هؤلاء السكان شعبًا واحدًا.

بين أبناء الشعوب المصرية "الفقيرة قوي" من يتفهم أسباب حُرقة القاتلين. ولكن الأمر غريب جدًا على الشعوب المصرية الغنية التي يمكن أن تهدي سيارة وتنساها، ثم تنصرف عن الحبيبة والهدية لتبدأ تجربة جديدة مع حبيبة أخرى، حيث يتمتع الحبيب بسعة في المال تجعله قادرًا على منحها هدايا جديدة منسية.

 في هذا الإطار يمكن أن نقترب من فهم سبب من أسباب الاحتراب بين الشعوب المصرية على مشروعية جريمة قتل نيِّرة، إضافة إلى أسباب أخرى بينها الصراع السياسي بين السلطة والتيار الديني المقيد، الذي أراد أن يكشف عن حجم تواجده في المجتمع وقدرته على فرض رؤيته. "نيِّرة أشرف كان ينقصها الحجاب"، هذا ما أرادت تلك القوى المناوئة للسلطة أن تثبته. وهي متفوقة على السلطة من زاوية إيمانها بمنظومتها، بينما لا منظومة ولا أيديولوجية للسلطة التي تحاربها.

المواجهة بين السلطة في مصر والتنظيم المصري ليست مواجهة بين الأتاتوركيين والإخوان في تركيا؛ فالنظام هنا ليس علمانيًا، فقد اختار نظام يوليو التلفيقية ولم يذهب إلى جذرية أتاتورك في الشرق أو جذرية بورقيبة التونسية في الغرب. أدبيات النظام في مصر إسلامية بالأساس، ولا يمكن أن يدافع عن الضحية بحديث واضح عن الحرية الشخصية.

سلمى، الضحية الأحدث، محجبة، وهذا قد يسقط الحجة الدينية، لكن يبقى أساس آخر يجمع الكثير من الشعوب المصرية، وهو قيمة الذكورة وكرامتها. للذكورة سلطتها وللسلطة ذكورتها كذلك، وذكورة السلطة يجب ألا تُمس. مات من مات وعاش من عاش.

السلطة قد ترفع عباءة ذكورتها عن قاض، لكنها لا ترفعها عن شرطي بأي حال.

في الوقت ما بين جريمتي "نيِّرة" الأولى والثانية كانت هناك جريمتان: القاضي أيمن حجاج الذي قتل زوجته المذيعة في يونيو (مَثَل شريكه أمام النيابة وأرشد عن الجريمة بتاريخ 26 يونيو/ حزيران) واتهام قسم شرطة بالإسكندرية بقتل الطالب مصطفى منتصر (الإعلان عن الاتهام كان في 27 يوليو/ تموز، بعد اختفاءٍ مات طالب الثانوية أثناءه) ولم يحاول أحد الربط بين الجرائم الأربعة والبحث عن المشتركات بينها.

في جريمة القاضي ارتبك الإعلام الذي سحق الخوف السياسي بوصلته الأخلاقية وآدابه المهنية. شكل النشر مثير للسخرية المُرة، فقد نُشرت الأخبار الأولى عن جريمة القاضي بهذه الصيغة "قرر قاضي المعارضات بمحكمة جنوب الجيزة، تجديد حبس أ. ح المستشار المرفوع عنه الحصانة 15 يومًا لاتهامه بقتل زوجته المذيعة شيماء جمال". الإشارة إلى المتهم بالرموز والضحية بالاسم، ملامح المتهم مختفية بعصابة سوداء على عينيه وملامح الضحية سافرة.

ذكورة كل من الطالبين القاتلين ذكورة واحدة مفردة، لكن ذكورة القاضي والشرطي مضاعفة. ذكورة المتهم الشخصية بالإضافة إلى ذكورة السلطة التي ينتمي إليها. وقد رأت السلطة في لحظة متأخرة وبضغط من السوشيال ميديا أن تلفظ عضوًا فاسدًا في القضاء، فانحسر عنه غطاء ذكورة السلطة وبدأ تناوله بالاسم. ولكن لم يذهب النقاش إلى أبعد من الجريمة، للحديث مثلًا عن فساد القاضي، وفساد الأحكام التي قد يكون أصدرها بدافع الرشوة وما يمكن أن تكون قد سببته من إخلال بميزان العدل، لكن هذا التوسع سينال من ذكورة السلطة التي يجب ألا تُمس.

جريمة القاضي تقترب في دوافعها من جرائم الطالبين، هناك الحب أو الجنس أيًا كان مقداره، هناك الهدايا والنقود باختلاف الكمية، وربما كانت هناك المساعدة في الوظيفة، بالتوصية وليس بالجهد الشخصي كما في حالتي الطالبتين. لكن دوافع الشرطي للقتل لغز لم ينكشف في أية جريمة، لأن السلطة قد ترفع عباءة ذكورتها عن قاض، لكنها لا ترفعها عن شرطي بأي حال. وهذا مفهوم تمامًا بشكل تقني. لهذا ستظل جريمة قتل الشاب مصطفى مثل سائر جرائم القتل تحت التعذيب سرًا لا يمكن معرفته.

 لا أحد يعرف كيف يبدأ الأمر في مثل هذه الجرائم. هل يتمادى الشرطي في التعذيب بسبب عناد الضحية؟ هل يتسلى ويلعب مع الضحية الذي ينسحب فجأة من اللعبة ويموت؟ وهل يمكن للشرطي الواعي بحدود دوره كـ "موظف" أن يقتل؟ من المؤكد أن ذلك مستبعد تمامًا؛ ولا يمكن للشرطي أن يقتل إلا إذا تشوشت عنده الحدود، عبر شخصنة علاقته بالمتهم وبالسلطة معًا، بما يجعله يفتح جسده على وظيفته، فيصبح هو شخصيًا الدولة التي تحداها المتهم.

المدهش أن طالب الثانوية الشهير بـ "درشة" لم يتحدَّ أحدًا، وحسب المنشور عن القصة فإنه خرج من قريته بالبحيرة للنزهة في الإسكندرية مع ثلاثة من أصدقائه بتوكتوك أحدهم، وأنه نسي أن يحمل بطاقته وطلب فرصة لإحضارها دون أن يستجاب له. هذه القصة بقيت خارج الإعلام الجماهيري المصري، ونشرتها وسائل غير مصرية، لكنها تظل قصةً غير مكتملة، لم نعرف فيها شيئًا عن مصير أصدقائه الآخرين. هل أُطلق سراحهم؟ متى؟ وأين رواياتهم عن الوقائع؟ وما مصير التوكتوك؟

 لا توجد رواية رسمية تناقض رواية أهل الضحية، فالذكورة الرسمية والخوف العام منها يعفيها من تبرير نفسها، وهو ما كانت تفعله قبل 25 يناير. أو ربما تكون روح 25 يناير السبب في امتناع كشف الذكورة الرسمية عن كشف وجهها؛ فقد أصبح الكثير من أبناء الشعوب المصرية على وعي بأن أية تهمة لا تبرر القتل دون حكم قضائي بالإعدام، وأن أي تبرير يُفضي إلى نتائج عكسية. وأصبح واضحًا أن القتل أسهل من بناء قصة متماسكة لتبريره.

أيًا كان السبب، يبدو صمت السلطة هدفه إخفاء عنف ذكورتها، أما الذكورة الطبيعية فهي على العكس من ذلك: متباهية بجريمتها، ذاهبة إليها بتصميم.

الحكم على محمد عادل في قضية نيِّرة جاء سريعًا، وكان من البديهي أن يردع غيره، لكن إسلام محمد قام بمحاكاته تمامًا بدلًا من أن يرتدع. هذا يؤكد أن كليهما كانا واعيين ومؤمنين بما يفعلان، حتى لو كانت نهايته الإعدام.

في الجريمتين الحب شديد، وهناك طريق آخر لنهاية الحب الذي يبلغ هذا الحد هو طريق التسامح والتضحية بالسعادة الشخصية ما دام في هذا سعادة الحبيبة. لكن هذا الحب الجديد تشوشه الصلة بين الحب والامتلاك، من جهة، ومن جهة أخرى فإن خواء حياة القاتل تجعل من هذا الحب جوهر حياته التي تصبح بلا معنى بعد أن يفقده.

 يستحيل فهم "ما حدث للمصريين" من دون البحث في مجمل الظروف السياسية والاقتصادية الجديدة التي أوجدت هذه الجرائم بهذا التواتر السريع. الصحافة المغدورة لم تعد في الحسبان ولا يُعول عليها الآن، والعقول التي تحاول التفسير بشكل علمي، تواجه جحافل من بلطجية القول والفعل، لمنعها من التعبير عن أية فكرة قد تمس النظام أو تطعن في صوابيته السياسية والاقتصادية.

نماذج الإجرام الأربعة التي برزت في الأشهر الثلاثة الأخيرة لا يمكن فهمها دون التساؤل عما يسميه عالم الاجتماع اللبناني مصطفى حجازي "سيكولوجية الإنسان المقهور" أو الإنسان المهدور. والهدر حسب حجازي "يعطي الوجود دلالة سلبية ويمس امتلاء الكيان وقيمته، ويؤدي للمعنى المضاد للانطلاق والنماء والظفر على الحياة والوفاق معها ومع الذات".

الارتباط بقضية كبرى يساعد الإنسان في تجاوز الكيان الذاتي، يشحن حياته بالمعنى والقيمة، فلا يصبح انصراف حبيبته عنه نهاية العالم.

وعلينا أن نسأل بهدوء عن المعنى في حياة الطالبين القاتلين أو القضية الكبرى المطروحة عليهما التي كان من شأنها أن تمنعهما من السير بثبات نحو قتل الحبيبة وقتل النفس؟ ما المعنى لدى القاضي إذا فقد الامتلاء بهيبة وظيفته ولم يعد يستمد منها الرضا، ما الذي يحقق له الامتلاء ويمنعه من مراكمة المال الحرام والانتهاء قاتلًا؟ وما المعنى لدى الشرطي الذي يجعله ممتلئًا بنفسه وراضيًا عن وجوده دون حاجة إلى إثبات قوته أمام ضحية مقيدة؟

الإنسان ليس حيوانًا، وطلب المعنى على رأس أولوياته، وإذا لم يجده في الحياة سيطلبه في الموت.


الإشارة في المقال إلى كتاب جلال أمين هو ماذا حدث للمصريين؟ دار الشروق 2005، ولخليل فاضل كتابان وجع المصريين نشر المؤلف 2008، والبوح العظيم.. المصريون وما جرى بهم ولهم 2011- 2015، دار نهضة مصر 2016.